عدنان الشيطان

رتّبت بالأمس أن أفعل أشياء لم أكن أودّ القيام بها، لكني رأيت أنها ضرورية لـ” أبدأ أسبوع مثمر”.

قضيت صباحاً في موعد للعمل لا بأس به، مزعج ومتململ، لكنه يفي بالغرض، ولكي أقتنع أن الأمور سائرة في مسارها الصحيح، مررت بالبحر في طريق عودتي للمنزل، والجو، رغم الحرّ الشديد الذي نشعر به في جدة هذه الأسابيع، كان غائماً جزئياً وهناك نسمة هواء طيبة على الشاطئ.

أنهيت الرحلة بالسوبرماركت كي أبتاع مكوّنات طبق أعدّه بعد يومين لعزيزة علي. تمام. كذا كويس يا فاطمة.

وصلت إلى البيت وجسدي يعترض، طلعت الدرج، رميت حقائبي وفرّغت أكياس السوبرماركت. صلّيت واسترخيت على السرير، وبالاسترخاء أعني أني استجبت لنداءات ظهري بأن يرتاح قليلاً قبل أن أعرّضه للجهود التي قررت، ربما بلا وجه حق، أن أعرضه لها.

هناك ألم في جانبي يزورني من وقت لآخر هذه السنة. طبّياً الأمور تمام ولله الحمد، ربما هو شدّ، ربما هو شيء آخر لا أعرف. عندي مسكّن حسب وصفة الطبيب، لكنه ألم مزعج سبحان الله، مختلف في تجربته عن بقية الآلام في قاموسي. في البداية أشعرني بالارتباك، ثم خلّف وراءه الغضب والضيق. أحاول أن أقبله وأن أنتظر ذهابه. الجدول الحافل أمس كان يهدف، واعية ولا واعية، بأن أتجاوزه وأتعامل ولا كأنه موجود. لكنه موجود. وحاضر. ويريد مني قبوله كي نتفاهم.

بعد دقائق طالت على السرير قمت لأتغدى وأشرب الدواء. الغدا كان ملوخية. مددت يدي لأرفع غطاء الحافظة فدفعتها بدون قصد على السفرة. ومنها إلى الأرض. وقفت لثوانٍ لا أستوعب ماحصل. الأهل في غرفهم فموعد الغداء قد فات وأنا سأتغدى متأخراً بما أني قضيت الظهيرة خارج المنزل. مسحت الملوخية ونظّفت الأرضية. ذهبت للمطبخ كي أغرف من الثلاجة سلطة زبادي، حملت الزبدية بيدي فتزحلقت وسقطت. هذه المرة- رحمةً بي وبظهري- في القمامة مباشرة. قررت أن أغرف لنفسي وجبة سريعة بدون سلطات أو شوربات، وأفرّ للغرفة قبل المزيد من الحوادث المشابهة. تذكرت الأهزوجة القديمة التي كنّت أسمعها في صغري.

كسر القارورة

وكبّ الزيت

ونتر الشطّة

في كل البيت

هوّ مين؟

هو عدنان الشيطان

وفكّرت أن هذا العدنان مسكين. إما هذه الشقاوة رد فعل طبيعي لما يتعرض له في البيت، أو رغبة في الاستكشاف لم توجّه أو يتم التعامل معها بمحبّة وصبر، أو أعراض لفرط حركة لم تُلتقط بعد. أعرف طفلاً صغيراً يشبه عدنان، وأعرف أنه بالحب والرحمة والتقدير، لم يعد عدنان. وأنا لست من أتباع مناهج التربية الحديثة عموماً. التسمية نفسها تثير امتعاضي. أنا مع التربية الراشدة المتوازنة صاحبة السلطة. وبمنظارها، أودّ لعدنان ورفاقه أن يجدوا الفهم والتوجيه.

أما عنّي أنا، فأتحوّل لعدنان من دون قصد عندما أمر بأيام مرهقة كهذا اليوم. تفلت من يدي الملعقة، تنزلق من أصابعي الكاسة الزجاجية وسط المطبخ، أكبّ الزبادي، أنتر الشطة في كل البيت.

وجدت صعوبة مزعجة في كتابة هذه التدوينة. من ناحية لم أكتب منذ مدّة، ومن ناحية أخرى إزعاجها يشبه الضيق الذي أشعر به مع ألم جانبي. كل الأمور تصير أحسن عندما نتذكر مالدينا من نعم. أذكّر نفسي والله، وأكتب كي تتضح لي أفكاري ولأطوّعها في طريق طيّب يرى الأمور في نصابها الصحيح.

ليست لدي خطة واضحة لليوم. عندي مهام أقوم بها، أطلب من الله التوفيق والتيسير فيها، لكن مهمّتي الأولى هي أن أعيد الاتزان لعالمي. أن أتخلص من مشاعر الضيق الصبيانية التي تختفي في ركن ما من عقلي وتفرض نفسها ببعض الوقاحة على يومي. ثم.. خلينا نمشي في يومنا كما اعتدنا، برفق وبهداوة وبدون إجبار، أو حافظة ملوخية ملقاة على الأرض.

رأيان حول “عدنان الشيطان”

  1. فقدناكِ!
    وهذي التدوينة بالذات ذكرتني بكثير من أيامي التي يُعدم فيها الإتزان.. أقول لك؛ معلش، هيّ مواسم سقوط، ما عليك إلا أن تخففي المهام وتنامي جيدًا وتشربي الكثير من الماء، إذ تزداد الحاجة إليه مع حرارة هذه الأيام وهذا ربما سبب الألم في جانِبك، في الكلى. اسكبي واكسري الأشياء لكن انتبهي لنفسك 💓

    Liked by 1 person

    1. يخليكِ أسماء ♥️ شكراً على نصيحتك، الحمدلله شربي للماء طيب والكلى طيبة كمان، عملت مراجعة قبل أسابيع قليلة عليها. وحاضر راح أنتبه لنفسي، أنتِ كمان 🌳🌳

      Liked by 1 person

أضف تعليق