ويكَ عنترُ أقدِمِ

خلال الأسابيع الأولى من وظيفتي الأولى اشتكيت لمديري أنني لا أعرف ” قواعد” العمل. قال لي مطمئناً بأني أدائي جيّد كفاية، ولا داعي للقلق. وأن القواعد وُجدت لكي تكسر. قلت له، يإخلاص الطالبة المُجدّة، بأنني أحتاج أولاً أن أعرف القواعد كي أستطيع كسرها. ضحك كثيراً واعتبر ردي ماكراً. ولم يكن كذلك.

أتذكر هذه الفكرة- عرفت بعد ذلك أنها تقريباً كليشيه- كلما رأيت أعمالاً تكسر القواعد بخفة يدّ حاوٍ فنان. أتوقف للحظة عما كنت أفعله لأفكر في شطارة الصانع وهو بكل بساطة يفعل ما يريد أن يفعله دون اعتبار لما تعارف عليه الناس. مثلاً مثلاً. هناك أغنية لكايروكي اسمها “ نعدّي الشارع سوا“. الشاعر اختار أن يقول على لسان الراوي، عن الرفيقة الغالية التي ” يعدّي معاها الشارع” أنها ” بصّت لي بصّة حادّة، وقالت لي حاسب”.

طيّب وصف النظرة بأنها ” حادّة” هذا من أين أتى؟ هذا وصف مفروض يكون ضمن روايات نبيل فاروق للجيب أو ضمن رواية بوليسية/ رومانسية مترجمة إلى العربية. كيف واتته الجرأة بأن يضعه وسط أغنية يتجاور فيها مع عبارات مثل ” فجأة دخل علينا عيال ولاد لذينا” و” قالت لي لمّ الدور وروّح يا حمادة”؟ هذه هي الشطارة التي تعرف القواعد ثم تكسرها. عجبكم ولّا ما عجبكم، هذه الكلمة التي أريد استخدامها، وسأستخدمها.

أحب هذا النوع من التفوّق، وأجد فيه حلاوة ما أجدها في تفاصيل أخرى. أحياناً أُوفق في عملي لأن أكسر القواعد أنا أيضاً، ليس دائماً، ولكني عندما أفعل، أضحك ضحكة شريرة وماكرة كأبطال القصص المصوّرة. نصف المتعة يكمن في انتظاري لتلقّي الطرف الآخر لهذا التجاوز وشعوره هو أيضاً بالانتصار لأنه استطاع التقاطه. I see what you did there.

أما بالنسبة لقواعد وظيفتي الأولى، فقبل أقل من ٦ شهور على قرار الاستقالة فكرت: هل يمكنني أن أجد القواعد هذه في كتاب؟ ثم طلبت مجموعة من الكتب، كان هذا أحدها. وفيه كل القواعد التي تمنّاها قلبي ولم يجدها لسنوات. مما شفى نفسي وأبرأ سقمها.

ناحية سُهيل اليماني

وكأنني أطارد هبّة ريح. ذكيّة وقادرة وذهبية. لست قادرة على الإمساك بها. هي في السماء وأنا على الأرض. تهبّ. وأنا أركض وراءها. أريد أن أحبسها بين يديّ لثوانٍ فقط، كي أفهم ماهيّتها، وبعدين أعود لأطلقها كي تروح لنصيبها. لكني لا أعرف. لازلت أركض. ولازالت هي تهبّ.

في اللحظة التي هبّت على سمائي، رأيت لمحة منها. لمحة عن التدوير. عن تحويل الخطوط المستقيمة المتجهة إلى الشمال إلى دوائر تدور وتدور، وتعطي ظهرها دائماً لوجهتها. هل تفهمين من هذا شيء؟ لا؟ وأنا كذلك. يمكنك إذن أن تشاركيني بعض الإحباط الغاضب الذي أحسّه. ويا ليت الأمر اقتصر على الغضب. بل غالباً ترتخي أكتافي نزولاً إلى الأسفل، وتكتسي سمائي بلونٍ كابي حزين.

أستمع إلى أغنية وصلت إليها بالصدفة، الورد والفل لمحمد مرشد ناجي. لا أفهم ٩٠٪؜ منها، بالتأكيد سأفهمها لو ركزت قليلاً، ولكن صوته يقدّم لي ملاذاً من دفقات أفكاري المتضاربة، ولا أريد لمعاني الكلمات أن تقاطع هذا الاستناد.

إليزابيث جيلبرت في كتابها “ السحر الكبير” تتحدث عن حديثها مع أحد كتّاب الأغاني المشهورين. لا أتذكر اسمه. لكنها تقول أنه عاش حياة الفنان المعذّب الذي يبحث عن الإلهام، وينسى عذاباته أحياناً عندما يرى قعر الكاس. في مرحلة متقدمة من حياته، ربما في ستينياته، اكتشف أنه لا يحتاج إلى مطاردة أفكاره. ذات يوم كان يقود سيّارته على الطريق السريع، وإذا بفكرة ما تصل إليه. بدون قلم وبدون ورقة، لم يستطع الإمساك بها، وباتت تهدده أنها ستتركه وتذهب. فجأة عصّب. قال لها: ألا ترين أنني مشغول؟ ألا ترين الطريق؟ لذا من فضلك، إما أن تنتظري لوقت أنسب، أو اتركيني واذهبي لشخص لديه القدرة والاستعداد لاستقبالك فوراً. لن أظل تحت رحمتك. أو هكذا قال.

أفكّر في هبّة الريح وأقول لنفسي ربما عليك أن تقولي لها كما قال لها ذلك الفنان على الطريق السريع. عقلك الباطن استقى كونها هبّة ريح من هذه الحكاية أصلاً. لكن ليس لدي ترف أن أتركها وأمشي. قد قلت لكِ أنها هبّة ريح؟ وأنّها قوية وذكية وقادرة وذهبية؟ هل تأتي هذه الزائرة بسهولة؟ ماذا لو أن لديها شيئاً مهماً تقوله لي؟ ماذا لو أن في رسالتها الوسَع والترف والبراح؟

قاب قوسين. لا أكثر.

أحيانا تتفقون في كل شيء. الحب موجود، الضحكات موجودة، السند والرفقة كذلك. لكن تختلفون على عمق العلاقة. أنت تريد أقل، ترتاح مع الأقل، هو يريد أكثر، لا يرغب سوى بالأكثر.

لا تستطيع أن تفي بما يريد. لا يقبل ألّا تفي بما يريد. فتنتهي الصحبة، ويعود كلٌ منكما إلى مكانه، خالي الوفاض من الودّ الذي كان يعدكما بمظلّته للعمر.

لا تلمه. واكتفِْ بالأوقات الحلوة الطيبة التي وهبّت لكما عندما كنتما على هذا الوفاق. قبل أن يفرّق العمق بينكما.

اسمه موجود

أبو بنات خالتي. المعزَة التي يعبّر عنها هذا الوصف أكبر بكثير من أي معزّة أخرى يمكن أن يصفها وصف ثاني.

أبو بنات خالتي الذي توفّي في حادث قبل أن آتي إلى هذه الدنيا. في ليلة السابع والعشرين من رمضان.

أسمر. ويحب الإلكترونيات. يفكك ويصلح ويتعامل مع الصناعة الداخلية لكل الأدوات وكأنها مدن يعرف تفاصيل طرقها جيداً.

وكان يضحك ويهز رأسه كلّما صبّت عليه سيدة من سيدات العائلة الكبار، يُفترض أن تكون بمقام خالته، سلسلة من الكلمات اللائمة التي لا تهدف لشيء واحد. ليس وراءها غرض سوى تنفيس الغضب من هذا العالم. وهو يتلقاها بصدره وبين ذراعيه، ويضحك.

ويقول للآخرين، ومنهم والدتي: معليش مسكينة مسكينة.

كيف يمكنك أن تتلقى كل هذا اللوم، صباحاً ومساءً، تضعه في جيب الصدر وتربّت عليه، فيتحول بحنّيتك إلى عصفور؟

لا يمكنك أن تعرف أنك ستذهب سريعاً، وأنها ” مش مستاهلة”، ولّا يمكنك؟

أبو بنات خالتي الذي مات في أوّل ثلاثينياته. الأسمر الحبيب واسع الصدر. الضاحك المبتسم للعذّال. اسمه موجود.

قال بن هاشم

أحب وأحترم أن الحل الذي تقدّمه أنغام لـ ” وإن شاوروا وقالوا عليك طيّب“، لا يتعامل ” معهم” بأي حال من الأحوال. لا تنصح بأن يصدّهم، ألّا يصغي لهم، أن يقول لهم ما يستحقون سماعه.

هي أيضاً لا تهرع مدافعة عنه أمامهم. لا تطلب منه أن يترك لها أمرهم وهي ” حتورّيهم”. أبداً.

تقول له: ” خلّيك هنا من قلبي قُريّب”. هذا هو الجواب. لا تعترض التيارات الدافقة، لا تشغل نفسك بها. تشبّث بقرب محبّيك، وتمسّك بحقيقتك التي يعرفوها عنك وإن غابت في مجاهيل دواخلك.

المهم أنني قبل قليل أنهيت جدولاً أعمل عليه منذ بداية النهار، وأشعر بأنني علي الأقل أزحت حجراً عملاقاً من طريقي، ولن أفكر في بقية الأحجار اليوم. خصوصاً أن عندي شعور مسيطر بأن اليوم هو الخميس، وغداً إجازة. كلما تذكرت أن باقي لي يوم آخر قبل أن ينتهي الأسبوع أستطيع فيه أن أكمل باقي مهامي، أتنفس الصعداء.

بالأمس صدرت رواية كورمرن سترايك الجديدة. لا أتذكر أنني كنت على هذه اللهفة بانتظار رواية سوى في الصف الثاني المتوسط، عندما قرأت الجزء الأول من رواية ليوسف السباعي، واضطررت أن أنتظر سنة كاملة، سنة كاملة ياربي، حتى تأتي لي ابنة خالتي بالجزء الثاني من مصر في الإجازة الصيفية، لم تكن متوفرة في السعودية.

بالطبع انتظاري اليوم هادئ وعلى رواق، ولكن فيه لهفة لازالت. ابتعتها، وكنت قد وعدت نفسي أن أراقب النسبة التي تظهر في هامش الكيندل، وتقول لك كم قرأت من الرواية. قلت أنني في كل يوم سأقرأ ٥٪؜ كي تظل معي أطول وقت ممكن. ظهرت الرواية من الباب، قفز الوعد من الشبّاك. مع التأنّي والحرص، الرقم الآن ١٧٪؜. بل إني أكتب هذه التدوينة كجزء من خطة إطالة الوقت الذي أقضيه مع الرواية هذه الليلة.

جدّتي لوالدي، رحمها الله، كانت شاعرةً عذبة اللغة ومعانيها تمس القلب. أحمل أبياتها معي أحياناً كتميمة تحمي أيامي. لا أختار ما أحمله، يتشكّل البيت قدّامي بدون اختيار. هذه الأيام البيت غريب في بساطته، لا يعني شيئاً غير معتاد وعادةً أبياتها تحمل طبقات من المعاني. بل هو شطر بيت. لكنه يؤثر فيّ، وأتلمّس نتوءات حروفه كقلادة.

قال بن هاشم دعيت المعتلي يرحم عباده.

يارب، يارب. ارحم عبادك.

وأنت، يا مغرور، اخترْ لك طريق

هذه الأيام ملائمة لأتعلّم فيها بعضاً من التواضع.

لسنوات كنت أنصح الآخرين بأن يتولّوا أعمالهم بأنفسهم. خطوة وراء خطوة، تستطيع أن تصل بنفسك إلى نتيجة ما. لم الاستعانة بالآخرين في أمر يمكنك أنت أن تفعله؟

هذه الأيام فهمت لم. لأن الغيم على عيونك شاسع المساحات. لأن الموضوعية التي لطالما ظننت أنها أمر مفروغ منه هي هبة من الرحمن، لكن فرط الشعور، على الجهة المقابلة هو أيضاً هبة لا ينبغى أن نغلق بوجهها نوافذنا.

تستطيع أن تخوض البحار، أن تصبر على الصعاب. تستطيع أيضاً أن تُعطي لنفسك فرصة. قليلاً من الراحة. أن تفرد قبضة يدك وتمدّها.


عنوان التدوينة من النداء الحكيم الذي أطلقه محمد البلوشي في ” كل شي معقول“.

الصورة للعزيزة رهف، في إطار مساعيها المثابرة لتحويلها لميم 😂♥️

شجر الرّمان (٢)



الجزء الأول هنا.


٦ مارس ١٩٦٨

بعد منتصف الليل. 

الباحة في الليل مثقلة بالورد. لا برائحته، بل بوعوده وأمانيه. 

تودّع زينب آخر ضيوفها بودّ وبالحلفان أنها ستردّ الزيارة قريباً، تلتفت بعد أن تغلق الباب لتطلب من أم سالم لمّ الفناجين المتبقية في السطح.

تتفحص الساحة بنظرة تبدو سريعة متفحّصة، لكن المناظر تمر بالحركة البطيئة أمام عينيها. تهزّ رأسها لتنفض أفكاراً لا ترحّب بوجودها، وبدلا من أن تجلس لدقائق أو لساعات بجانب شقائق النعمان، تتجاوزها بنفس السرعة. تدخل غرفة صفيّة بدون أن تدقّ الباب المردود.

تجدها جالسة على طرف السرير. تجفل قليلاً لرؤيتها. يستفزها ويقلقها التوهان الذي تعيشه أختها الصغرى. ألم يحن الوقت ليشتد عودها وتستجمع أمرها؟ لم تعد صغيرة، قريباً تصبح زوجة وأم، ربما.. 

ستفضحنا عند الرجل. ابن العمّة المحنّك الذي تزوج قبلها مرتين. أتظن أنه سيتحمّل سرحانها الطويل يوماً بعد يوم؟ 

وبدون إنذار، يتصاعد الدم إلى رأسها. من يظن نفسه؟ نزوجه صفيّة وهي في عمر ابنته. يحمد الله على النعمة، وإن ظنّ أنه يستطيع أن يوجّه لها كلمة لوم واحدة، فستقف هي في وجهه. هذا إن قالت لها الخائبة ما يجري بينهما. تكاد تحلف أنها ستتحمل منه الكلام الجارح دون أن تقول لأحد. وكأن لا ظهر لها. 

تسيطر على تيارات الغضب. لم يحنّ وقته بعد. تمدّ يدها وتنزع القرط الكريستالي من الأذن اليسرى، تميل بظهرها على التسريحة المقابلة للسرير، وتقول وعيناها مسبلتان، تدّعي الاسترخاء:

– حلوة أغاني الليلة.. 

– همم؟ جداً جدا.  

– لكنك كنتِ مشغولة قليلاً..

تفتح عينيها بترقّب، تنتظر الجواب. التقت العينان بالعينين، وساد صمت أطول بثوانٍ قليلة عما هو معهود. 

قالت: – يمكن. رأيت في المنام ما أقلقني. 

اقتربت بدون أن تشعر. توقفت أمامها: – خير؟ 

– حلمت بجدّي والمزرعة. 

وماذا أيضاً؟ 

– ما يدريني. أخشى أن يأتي الدور علينا قريباً. 

يا صفيّة تعوّذي من الشيطان. 

– زينب علينا أن نستعد، لا يمكننا ترك مصيرنا بأيديهم. خوّانين. 

ماذا تقصدين؟ تريدين السفر؟ 

– لا أريد السفر. لكني أريد أن أستعد إن أُجبرت على السفر. فتحت الخزينة… 

صاحت بدون أن تقصد: 

فتحتِ الخزينة! أجننتِ؟ ماهذا المنام الذي رأيتِه؟!

– هصص. نعم فتحتها، وأخرجت السندات والصكوك. وجوازات السفر. ربما نحتاج أن نتحرك على عجل!  

وماذا سيقول بن عمر؟ 

ردت صفيّة بعناد: وماذا سيقول؟ 

سيقول بأننا صغّرناه أمام أبناء العمّ والعمّات. سيقول بأننا اتفقنا من وراء ظهره وسرقنا الورث الذي أقنعهم..

– يكفيك يكفيك.. فتحتها لمصلحتنا جميعاً. لن نسرق حق أحد، سنحتفظ بها إن اضطررنا للخروج من البلد.

يعود الاثنين من البستان. ألا يمكنك انتظاره يومين ونرى مايقول؟

– يا زينب لا يمكننا الانتظار. ماذا لو قاموا علينا الليلة؟ ماذا لو أتت العساكر وحاوطوا البيت؟ 

سنهددهم ببن عمر. 

– بن عمر يأتي الاثنين. 

سكتت. لا يفاجئها إصرار صفيّة. لطالما صدقت رؤاها وكأنما حكمة الأهل على مدار السنين تجمّعت في مناماتها. ماذا لو صدقت الرؤى مرة أخرى. لا سمح الله. لا قدّر الله. 

أين وضعتها؟ 

– الجوازات في الخزانة. بقية الورق قسّمته بين حقيبتي وحقيبتك. 

وجواز أمك؟ 

– مع جوازاتنا. 

لا تتركي غرفتك مفتوحة إذن. كلما خرجت ودخلت أغلقيها بالمفتاح. الدار أمان لكن الشيطان شاطر. 

– طيّب. لا تخافي. 

– كيف لا أخاف؟

هذه المرة سكتت صفيّة. هزّت رأسها في تفاهم مشترك. وذهبت لغرفتها. في وسط الغرفة، توقّفت. فتحت كفّها، وحدّقت بالقرط البرّاق في وجوم.

قبيل الفجر

صوت يشقّ هدوء السَحر. ضربات عالية على الباب الكبير. تستيقظ مفزوعة وتشعر بمعدتها وكأنها تحمل الصخر. هذه نبؤة صفيّة لا شكّ. وما عندنا رجل يقف لهم. أنا الرجل. 

تنفض الغطاء الثقيل عن ساقها. تتحرك بلا تفكير، تغطي رأسها بالشال الذي ارتدته الليلة الماضية ليقيها من البرد، تخرج من الغرفة بدون أن تمسح عن عينيها أثر النوم. الباحة خالية، ولكن نساء الدار يتجمعن في الردهة البعيدة المؤدية للمطبخ. شيءٌ ما في تجمعهنّ يثير رعبها أكثر بكثير مما تفعله الطرقات المتتالية. أين سالم يا تُرى؟ ترجو ألا يمسّه الأذى. 

تصل إلى الباب. ومن وراءها تظهر والدتها، تحتمي باللحاف، وتتمتم مشدوهة: زينبصفية زينبصفية. تفتحه، فتمتد يدٌ جريئة فوراً من خلفه، قبل أن يظهر هو. يدفعها بغلظة ويقول: أيقظي ستّك. 

تعود إلى الوراء قليلاً قبل أن تستطيع الاتزان من جديد. في لحظة ما يتجمّع الفزع كلّه ليصبح غمامة بيضاء فوق رأسها، وتستبدله بالغضب، بالطبع الساخن الذي ورثته، فيما يقال، عن جدّها الأكبر. 

ردّت في حدّة: أنا ستّك، ابعد يدك وإلا قصّوها لك. ماذا تريدون؟ 

يشير إلى الرجال من خلفه، فيدخلون فناء الدار. يتجاوزون العشرة بالتأكيد. يقول:

– اعذرونا ما كان القصد. الوضع ليس آمناً لكم. أرسلوني لأنقلكم إلى الشمال ريثما تعود الأمور إلى طبيعتها. 

من أرسلك؟ 

– المحافظ. 

وأبو ابراهيم يرسلك هكذا في أنصاف الليالي؟ يدري عن درزينة الرجال وعن دكّ أبواب الناس؟ 

– كل هذا لحمايتكم، العذر منكم. 

سنرى ما القصد في الصباح. يزور الأهل المحافظة ويعرفون القصة. تفضّل أنت ورجالك من هنا.

– لا أستطيع يا سيدتي. هذه الأوامر وأنا هنا لتنفيذها فقط. 

إذن أوقظ المحافظ بنفسي وأتركه يتحدث إليك. لنرى كيف ستنفّذ الأوامر وقتها. تفضّل من هنا قبل أن… 

– لا أستطيع يا سيدتي، المعذرة. 

وبينما والدتها لازالت تتمتم باسميهما، وبينما لازالت صفيّة في غرفتها رغم كل هذا الضجيج، وبينما لم تتجرأ ولا واحدة من نساء الدار على الوقوف بجانبها، يتوزّع الرجال في صحن البيت. يفتحون الأبواب، يدخلون الغرف، يمسك أحدهم بمرفق والدتها ويدفعها إلى خارج البيت برداء نومها ولحافها، تمتد يد كبيرهم إليها، فما تدري إلا ويدها هي الأخرى ترتفع لتصفعه بظاهر كفّها. تمتد أيادٍ أخرى لتمنعها من الحركة، تصيح بأعلى صوتها، وتنطلق من فمها شتائم لم تكن تعرف قبلاً ما معانيها.

تخرج صفيّة من الغرفة وهي في حالة توهانها إياه، لكنها مع ذلك تحمل حقيبتين في يدها وتقول للجندي الذي يقودها: حقيبة يدي وحقيبة يد أختي، لا تتوقعوا منّا أن نخرج من البيت بدون حقائب؟ 

ماذا عن رداء النوم الذي يصل لنصف ساقي يا صفّو؟ تفكّر زينب. ولثوانٍ، أثناء مقاومتها الشرسة للأيادِ الحديدية، تظن أنها ستنفرط ضحكاً. 

ثم فجأة تنتبه إلى العويل الحزين الذي يصل إليها رغم كل الحوادث فيما حولها. أم سالم، تعقد يديها فوق رأسها وتنوح فيما يشبه الغناء: 

الويل الويل ياهلي. وين الرجال يا سالم؟ الويل الويل ياهلي. الويل الويل. 

ترتخي عضلاتها. تتوقف عن المقاومة. وتتركهم يقودونها مع أهلها لسيّاراتهم.

شوكولاتة رديئة. يوم شجاع.

تعدّ القهوة. تعود إلى مكانك المفضّل وتحاول الاسترخاء. تتذكر الرواية التي كنت تقرأها في أغسطس الماضي وتتساءل إن كان من المفيد أن تعيد قراءتها بعد مضيّ السنة. تأكل قطعة شوكولاتة من شوكولاين، أخذتها من درج الثلاجة، من بواقي عيد الأضحى. مغطاة بطبقة بيضاء رفيعة تعرف جيداً أنها زيت الشوكولاتة الرديئة (متى سنستيقظ ونتوقف عن شراء باتشي وشوكولاين؟)، ولكن تختار تجاهل الأمر.

تبدأ في ارتشاف القهوة. تكتشف أن طعمها يشابه في جودته الشوكولاتة. الله يكرم النعمة. لابأس، منبّهات تقودك إلى مكان مختلف عدا المكان الذي تود أفكارك قيادتك إليه. تفتح الكيندل على الرواية. الصفحة الأولى تنتظر عنايتك، وأنت مشغول عنها بنشر تدوينة كتبتها في ملاحظاتك. تعرف جيداً أن ” التجربة التدوينية” قد انتهى بشكلٍ ما وقتها معك. بنهاية أغسطس الأشياء التي كنت تريد فهمها، واختبارها وتمحيصها، حول النشر في الفضاء العام، قد حصلت عليها تقريباً. حان الوقت لتوجيه هذه الطاقة إلى أمور أخرى وإلى كتابة أكثر انتقائية. مع ذلك، الروتين يحكمك، خصوصاً أن أغسطس لم ينته بعد. نسخ، لصق، نشر.

ثم. سربرايز. بدلاً من أن تبدأ في قراءة الرواية، تعود لاستكشاف أفكارك. تتأمل في العبارة التي كتبتها في ساعات الفجر الأولى:

” تسلّقت الجبل. وصلت إلى مساحة مستوية من الأرض. تتلفت حولك، ما العمل الآن؟

تتنازعك الأفكار. والشكوك.”

وتسأل نفسك. طب وبعدين؟ ما فائدة أن يكون القلق هو الشعور المسيطر عليك؟ اللوم؟ الرغبة في السيطرة بدون ترك الزمام؟

كيف يمكن أن تكمل العبارة بطريقة طيبة؟ كيف تحيّد صراع الأفكار، وتعود بالشكوك إلى صناديقها؟

الرواية القديمة بداية طيبة. تأخذك من سياقك، تغمسك تغميسة لذيذة في عالم آخر، وتذكّرك في الوقت نفسه بسياق آخر كنت فيه سابقاً.

ثم؟ هالله هالله بالتهوين. هوّن عليك ما تجد، لا لأن وقعه عليك هيّن، بل لأنك تحتاج قصة لطيفة خفيفة الروح، تغيّر من هذا الوقع. القصص متغيّرة، لم إذن لا تختار من المتغيّرات أطيبها؟

حسن الأسمر يشدو ” أعمل لك إيه حيرتني“، بنسخة معدّلة من الأغنية الأصلية، أدخل عليها صاحبها عبقرية الكورال الذي يردد ” حيّ، حيّ”.

ماذا أيضاً؟ ماذا يمكنك أن تفعل؟

الكتابة. العميقة المتأمّلة. عما ترغبه، عن الممكن والحلم، عن الأمنيات، وعن النهايات الطيّبة المعقولة.

على الأقل هذا ما تستطيع فعله هذا الصباح. قبل أن تسحبك تيارات باقي النهار. تؤمن أن التغيير، والحلول، لن تأتي في هذه اللحظة. كل ما يمكنك فعله هو الإمساك المتفائل بالدّفة، وقبول أن البطء هو عنوان المرحلة.