في شي عمّ بيصير

ليس لدينا مُعجم لأسماء مشاعرنا الحقيقية.

المشاعر اليومية التي على أساسها نستطيع أن نواجه اليوم، وأن نسيّر أداءنا بناءً عليها.

تستيقظين وَجِلة بعض الأيام، وبدلاً أن ترفقي بنفسك وتدثّريها، تنفضي الشعور المجهول عنك وتغطسي في مشاغل يومك. ولكنه يظل حولك. قلبك واجف. يداك ترتجفان.

يمر عليك أسبوع الأمور فيه على مايرام. بدلاً من أن تحتفي بضيف الاطمئنان الذي هلّ عليك، تتحفزين كي تظل الأمور على ما يرام. وتمر اللحظة دون أن تلتقطها ذاكرتك.

متشككة. متثاقلة. محبوبة. مُحبّة. قويّة وقادرة. خاوية. راضية. مليانة. مُدللة. مرتاحة. مش مرتاحة.

حالات يقودك إليها عقلك اللاواعي لسبب لا تعرفيه ولا أعرفه. لكن هناك سبب. نتجاهلها عن عمد. لا نلقي لها بالاً. نراها دليلاً على ضعف. تضييع وقت.

ولكنها في الحقيقة سيّدة مُسنّة حكيمة. تنصحك. تقول لك بأن الطريق سيكون كذا. وعليك أن تحملي زوّادة كذا. وأن تنعطفي يميناً أو شمالاً كي تختصري على نفسك طريقاً طويلاً من الأحزان، من الأخطاء، من المراجعات وربما الأذى.

لنختار أن نسمع صوت جدّتنا. أن نلقي له بالاً. أن نعطيه مساحةً ليظهر ويتجلّى.

بلادة هانئة

توصل لمرحلة في حياتك، تأمن فيها نفسك.

ليس ” على” نفسك. بل نفسك.

وأن كل الأساطير الطفولية التي حُذّرت منها صغيراً، أو تكونت لديك في مرحلة مراهقتك وشبابك، ليست حقيقية.

أن ذاتك تستحق منك أن تأمنها. لأنها طيلة هذه السنوات الماضية أدّت الأمانة، الصغيرة قبل الكبيرة والتافهة قبل العظيمة، قدر ما تستطيع. كفّت ووفّت.

من أساطيري الطفولية أنني إن لم أنتبه، فسأقع في فخ الإهمال. قيمة ” المسؤولية” و ” الواجب” هي قيمة عالية، عالية، في أسرتنا. ونتيجة لهذه القيم، ولصفات شخصية أخرى، تفتّحت عيناي على أهل وأخوة يتعاملون مع الحياة بفورية. كلما أتت مسؤولية، هبّوا لها بالعتاد. وأتيت أنا. هادئة أتمخطر.

لم أكن أعرف ما اسمها. هذه الريح التي تعصف بالنوافذ والأبواب. هذا التيار الكهربائي الذي عندما يسري في البيت، وهو يسري كثيراً، يضخّ الطاقة في أضلع الكل ماعداي. أمتغص وأتأذى.

في مراهقتي وصلت لنتيجة أنني لا أتحمل المسؤولية. واستعددت لأوقّع أي ورقة تتهمني بذلك وأنا أبتسم ابتسامة عريضة. ليست لدي هذه البضاعة، وعندي بضائع أخرى.. فلا بأس.

في مرحلة متأخرة من صباي قرأت مقالة لعبدالوهاب مطاوع، أسعد الله روحه في الجنّة. يحكي فيها عن صديقه الكسول أيام الجامعة. ينام كثيراً. لا يهتزّ لأمر و” مخلّيها على الله”. لا أتذكر تفاصيلها- ليتني أحصل عليها- ولكنها كانت مضحكة كثيراً، وفي نفس الوقت مدهشة. كسل الصديق، وبلادته في التعامل مع قلق الحياة، كان أسطورياً. بعد سنوات طويلة، يرى عبدالوهاب مطاوع صديقه الكسول وقد تقلّد منصباً عالياً في وزارته. ربما وزير.

وجدت نفسي في هذه المرآة. لم أفهم العلاقة تماماً.. لم أكن معروفة مثلاً بحبّ النوم.. لكني وجدت أن هذه ” البلادة” هي ما يشتكي منها أهلي. ولربما لم تكن شيئاً سيئاً أصلاً.

كبرت وأمنت نفسي. أمنت أنها تتحمل المسؤولية مع الكبير والصغير. وأن الفرق بيني وبين أفراد الأسرة الأعزّاء كان استقبالنا للمسؤولية وليس تحمّلها في حد ذاته. بمعنى. الوضع الأوتوماتيكي لاستقبال المسؤولية عند الآخرين هو ” هبّ الريح”. التأهبّ العالي الذي يقف على أطراف الأصابع ولا يستطيع أن يرى شيئاً آخر حتى يبلغ الهديُ محلّه. الوضع الأوتوماتيكي لاستقبال المسؤولية لديّ هو ” همممم. خلينا نشوف”. ونشوف فعلاً. بمعنى أن أتأمّلها، أن أعرف حدودها، أن أعيدها لنصابها ضمن قائمة الأولويات لدي، أن أصمم طريقة ما لتحمّلها بدون أن يكون هذا التحمّل ثقيلاً أو مضرّاً بإدراكي الوقتي لأمور حياتي الأخرى.

لست وحدي الذي وجد طريقه الآخر في تحمّل المسؤولية. هناك منشقّون آخرون. أختي التي تكبرني بثلاث سنوات تتعامل مع المسؤولية على أنها معضلة لوجستية تحتاج إلى حلّ. لعبة شطرنج حركاتها محسوبة ومتتالية وتحتاج إلى ذكاء مرن وقدرة على تقييم الأمور. وجهها عندما تستقبل المسؤولية لأول مرة هو وجه مُفكّر كلاسيكي. لا تأهب. لكن استغراق عميق.

السنوات الأخيرة عندما ألقت الصدفة بورشة برنيه براون إلى طريقي فهمت قصة صاحب عبدالوهاب مطاوع رحمه الله فهماً أعمق. وكذلك قصّتي. في الورشة تحكي براون عن ملاحظتها لجماعة من الناس تسمّيهم بـ أصحاب القلوب الهانئة. تقول بأنها انتبهت أنهم يضيّعون الوقت في الهنتك والمنتك. ينامون كثيراً. يلعبون كثيراً. ألا يحترمون الوقت؟ ولكن هذه السمة، اتضح من بحثها، هي عنصر أساسي من عناصر عشرة لتعيش بقلب هني. لا علاقة لها بنجاحك المهني وتحمّلك المسؤولية من عدمها.

لا أنام كثيراً ولا ألعب كثيراً. ولكني أقضي كثيراً من وقتي وحدي، أحتاج إلى وحدتي كما يحتاج الآخرون لرؤية الناس. أتعامل مع عملي كذلك، في غالب الوقت، بهدوء يراه الآخرين بروداً وربما قلة انشغال. استيقظت مبكراً اليوم على أساس أن لدي قائمة من المهام تحتاج إلى عناية. ولكن عقلي يقول لي ليس الآن. ليس الآن ليس الآن.

حاولت أن أحفّزه. من هنا وهنا. لكن لا فائدة. يقول لي: نحتاج أن نرتاح. والأشغال ستتم بعد أن نرتاح. في مرحلة سابقة لربما تجاهلته تماماً وقمت لعملي، لست مهملة ولست كسولة، وما معنى أن يحتاج العقل للراحة وهو لم يكن مستغرقاً في مهام خارجة عن المعتاد خلال الأيام الماضية؟ غصباً عنه يقوم يشتغل.

ولكنّي وصلت لمرحلة أمنت فيها نفسي. أمنت أن حواسها عادلة ومتيقظة. ليست كسول. هذه طريقتي في التعامل مع الأمور، وهي طريقة أثبتت نجاحها، ووفاءها، لي على مدار سنوات حياتي.أمنت نفسي. هذا الصباح للراحة. لكتابة التدوينة على مقعدي المفضّل. للتلفزيون الذي ينتظر مني أن أشغّله بشيء مسلّي بعد أن أنشرها. لهدوء يعم المكتب الخالي.

سهول الصفو

إيميل طويّل ومستبصر وفقني الله لكتابته بعد أسابيع من التأخير. ربما يكون أهم شيء كتبته خلال الستة شهور الماضية.

كوب من عصير المانجا الطازج. أتت به أختي في وقت متأخر من ليلة أمس، ولم أحب أن أشربه وقتها. واليوم بعد شرب حصّتي من الماء شعرت أنني لا أرغب في فطور ولا أرغب في تأخير الفطور كذلك. ذهبت للمطبخ ” أتفرّج”. وهداني الله إلى العبوّة في الثلاجة.

أجلس على كرسيّ المفضّل وورائي الشمس. هادئة. والنهار أرق مما هو معتاد.

أشرب المانجو. أشاهد البُنيّة الحلوة التي تغنّي ” حبّيت ما حبّيت ما شاورت حالي“، وأتساءل عن ترتيباتي لليوم. بعد أيام من المناسبات الاجتماعية ولعب دور المضيفة، يبدو أن أفضل الخيارات الممكنة هو أن أغلق بابي علي، وأضم ذاتي لذاتي.

ونلمّ عاد الحكاية

تشيّد حوائط الصدّ حولك. ذاتك طريّة، معرّضة للكدمات والأذيّة إن خرجت لوحدها تمشي بدون حرّاس في المدينة الكبيرة.

أقم الحواجز يا ولد. ابنِ الأسوار.

ولأن الحواجز جدران مصمتة، لا يخترقها صوت أحد، تحرمك الحماية من أصحاب الوداد والصدق. ومن أن تختبر الطرقات كما ينبغي أن تُعاش. بحلوها ومرّها. بشمسها وغيمها والمطر.

أوراء الغطاء غطاء؟ أتختبئ الحلوة لا لخطر المدينة، بل لأنك لست متأكداً من جدارتها لتغادر القلعة وتمشي في الأسواق؟ أتظن أنها ليست جيّدة كفاية لتُحبّ؟ لتُحترم؟ لتدافع عن نفسها كما يجب عليها أن تدافع عن نفسها.

حقيبتك ممتلئة بالأسرار. أما حان الوقت لترفع حملها عن كتفك؟ الجدران لا تحميك فقط. الجدران حاميها وحراميها. تسرق من العمر لذّته ولذعته. والطفل من وراءها خائف ينتظر طمأنينة النضج.

تقرر أن تنكشف. أن تتعرض للريح. أن تمدّ لسانك وتتذوق قطرات المطر. لا بأس، ولا باس.

Where Do the Children Play

كيف نحافظ على ثورية الأفكار التي تتسلل إلى وعينا الساهي؟

عندما تستيقظ في منتصف الليل. تمدّ يدك إلى الكرّاس والقلم على الكمودينو. تدوّن الحلم قبل أن يطير من بين يديك، ثم تتوقف للحظات، قبل أن يكمل القلم رحلته وتكتب خلاصة ما عن حياتك، في تلك اللحظة الغافية اليقظة.

عندما تنام ملء جفونك في ليلة ما، وتستيقظ الفجر. عقلك مرتاح وجسدك مرتاح. تفكر في أيامك، وتقول: علي أن أفعل كذا. هذا ما ينقصني في حياتي.

عندما تنتهي من عمل مضنٍ، تركب سيارتك وتمر على البحر. وفي لحظة صفاء اختلطت بالتعب الذي يغسلك، تعرف أن الخطوة القادمة ليست كذا ولا كذا، بل كذا.

كيف تحافظ على ثورية هذه الأفكار الحقيقية؟ كيف تمنع عنها الاهتراء، بفعل أشعة شمس النهار؟ كيف تحميها من التآكل؟ من الأتربة؟ من أن يجرفها سيل حياتك ومطالباتك؟

كيف تحمي هذا الوضوح؟ هذه الراحة؟ هذه القطعية الطيبة التي استطاعت التغلّب على كل الحواجز لتصل إليك؟


العنوان من أغنية لكات ستيفنز.

😒 😖 😤

اليوم قررت الاستسلام للروتين الجديد الذي يطالبني به يومي.

منذ أسابيع وأنا أقاوم. آكل وأنا لا أشعر برغبة في الأكل لمجرد أن وقت الفطور قد حان ولا أحب فكرة الفطور المتأخر. أبدأ عملي وعقلي يطلب مني أن أعطيه وقت أطول قليلاً ليتفاهم مع الدنيا من حوله. أستهلك مواداً متخصصة وأنا أميل لغيرها لأنني في العادة أرغب باستهلاكها.

قبل قليل ألقيت بنفسي على كرسيي المفضّل الذي ألجأ إليه أوقات الراحة أو في آخر اليوم، ودعوت الروتين الجديد ليجلس على الكرسي الآخر أمامي. تفضّل، حضرتك ايش تبغى.

لأنه واضح إنك تبغى شيء أنا ما أعرفه ولم أتعوّد عليه في يومي. تريد مني ألّا آكل لساعات طويلة بعد استيقاظي. وكذلك ألّا أشرب الماء. معقولة. خلينا نشوف آخرتها. وتريد القهوة على الريق؟ هذا مالا أستطيع أن أجيبك إليه بطيب خاطر.

لا تريد منّي أن أعمل على المشروع الذي بين يدي، وتعرض علي أن أقرأ إما في كتاب ” تاريخ قريش” للدكتور حسين مؤنس رحمه الله، أو أن أكمل رواية ” أعمدة الأرض” التي أقرأها في المساء؟ صعبة وقوية والله. لا أظن أنني سأفعل ذلك، لكني أعدك بأن أفكر جدّياً في الأمر.

ماذا عمّا أريده أنا؟

بسيطة- لا ليست كذلك- أريد أن أعرف ما السبب الذي يُخلّ بالرّتم. كلما اقتربت منه اختفى. شيء يشبه الحزن. ويشبه الفراق. ويشبه الرهبة من القرارات التي صار لنا وقت نأجّلها وحان وقتها الآن.

وِلْ. بمجرد أن وصلت للسطر السابق أدركت أن أحاسيس كهذه تحتاج للرفقة. لا تنمو وحيدةً في التربة. أغلقت الصفحة، تركت ضيفي الثقيل على كرسيه لوحده، وقضيت وقتي مع الصحبة المؤنسة.

لا أجندة هاهنا

قهوة. نهار متأخّر يتسّرب ضيّه بلا عجل من بين الستائر. أغانٍ حلوة وطيّبة. وصحبة أحبّها، نتونّس مع بعضنا بالرفقة الهادئة الصامتة.

الجو معتدل بدون مكيّف. تأتي من السيب المجاور رائحة الكيكة من الفرن. تتناغم مع رائحة البخور التي لازالت عالقة بأطراف الجدران من أمس.

أعرف أن في الجنّة مالا عين رأت، ولكن عيني ترى جنّة الدنيا في هذه اللحظات.

عندما أتوقف عن انشغالي بالدنيا. عن المطالبات والخطط والأولويات وحتى المعاني والسعي الجميل لحياة ذات قيمة. صلينا وذكرنا الله، كما تقول خالتي الكبرى حفظها الله وأطال في عمرها، وبقي أن [ نكون ] بدون أي أجندات أخرى. حُيّزت لنا الدنيا ولم نعد نُلقي لها بالاً.

ويكَ عنترُ أقدِمِ

خلال الأسابيع الأولى من وظيفتي الأولى اشتكيت لمديري أنني لا أعرف ” قواعد” العمل. قال لي مطمئناً بأني أدائي جيّد كفاية، ولا داعي للقلق. وأن القواعد وُجدت لكي تكسر. قلت له، يإخلاص الطالبة المُجدّة، بأنني أحتاج أولاً أن أعرف القواعد كي أستطيع كسرها. ضحك كثيراً واعتبر ردي ماكراً. ولم يكن كذلك.

أتذكر هذه الفكرة- عرفت بعد ذلك أنها تقريباً كليشيه- كلما رأيت أعمالاً تكسر القواعد بخفة يدّ حاوٍ فنان. أتوقف للحظة عما كنت أفعله لأفكر في شطارة الصانع وهو بكل بساطة يفعل ما يريد أن يفعله دون اعتبار لما تعارف عليه الناس. مثلاً مثلاً. هناك أغنية لكايروكي اسمها “ نعدّي الشارع سوا“. الشاعر اختار أن يقول على لسان الراوي، عن الرفيقة الغالية التي ” يعدّي معاها الشارع” أنها ” بصّت لي بصّة حادّة، وقالت لي حاسب”.

طيّب وصف النظرة بأنها ” حادّة” هذا من أين أتى؟ هذا وصف مفروض يكون ضمن روايات نبيل فاروق للجيب أو ضمن رواية بوليسية/ رومانسية مترجمة إلى العربية. كيف واتته الجرأة بأن يضعه وسط أغنية يتجاور فيها مع عبارات مثل ” فجأة دخل علينا عيال ولاد لذينا” و” قالت لي لمّ الدور وروّح يا حمادة”؟ هذه هي الشطارة التي تعرف القواعد ثم تكسرها. عجبكم ولّا ما عجبكم، هذه الكلمة التي أريد استخدامها، وسأستخدمها.

أحب هذا النوع من التفوّق، وأجد فيه حلاوة ما أجدها في تفاصيل أخرى. أحياناً أُوفق في عملي لأن أكسر القواعد أنا أيضاً، ليس دائماً، ولكني عندما أفعل، أضحك ضحكة شريرة وماكرة كأبطال القصص المصوّرة. نصف المتعة يكمن في انتظاري لتلقّي الطرف الآخر لهذا التجاوز وشعوره هو أيضاً بالانتصار لأنه استطاع التقاطه. I see what you did there.

أما بالنسبة لقواعد وظيفتي الأولى، فقبل أقل من ٦ شهور على قرار الاستقالة فكرت: هل يمكنني أن أجد القواعد هذه في كتاب؟ ثم طلبت مجموعة من الكتب، كان هذا أحدها. وفيه كل القواعد التي تمنّاها قلبي ولم يجدها لسنوات. مما شفى نفسي وأبرأ سقمها.

ناحية سُهيل اليماني

وكأنني أطارد هبّة ريح. ذكيّة وقادرة وذهبية. لست قادرة على الإمساك بها. هي في السماء وأنا على الأرض. تهبّ. وأنا أركض وراءها. أريد أن أحبسها بين يديّ لثوانٍ فقط، كي أفهم ماهيّتها، وبعدين أعود لأطلقها كي تروح لنصيبها. لكني لا أعرف. لازلت أركض. ولازالت هي تهبّ.

في اللحظة التي هبّت على سمائي، رأيت لمحة منها. لمحة عن التدوير. عن تحويل الخطوط المستقيمة المتجهة إلى الشمال إلى دوائر تدور وتدور، وتعطي ظهرها دائماً لوجهتها. هل تفهمين من هذا شيء؟ لا؟ وأنا كذلك. يمكنك إذن أن تشاركيني بعض الإحباط الغاضب الذي أحسّه. ويا ليت الأمر اقتصر على الغضب. بل غالباً ترتخي أكتافي نزولاً إلى الأسفل، وتكتسي سمائي بلونٍ كابي حزين.

أستمع إلى أغنية وصلت إليها بالصدفة، الورد والفل لمحمد مرشد ناجي. لا أفهم ٩٠٪؜ منها، بالتأكيد سأفهمها لو ركزت قليلاً، ولكن صوته يقدّم لي ملاذاً من دفقات أفكاري المتضاربة، ولا أريد لمعاني الكلمات أن تقاطع هذا الاستناد.

إليزابيث جيلبرت في كتابها “ السحر الكبير” تتحدث عن حديثها مع أحد كتّاب الأغاني المشهورين. لا أتذكر اسمه. لكنها تقول أنه عاش حياة الفنان المعذّب الذي يبحث عن الإلهام، وينسى عذاباته أحياناً عندما يرى قعر الكاس. في مرحلة متقدمة من حياته، ربما في ستينياته، اكتشف أنه لا يحتاج إلى مطاردة أفكاره. ذات يوم كان يقود سيّارته على الطريق السريع، وإذا بفكرة ما تصل إليه. بدون قلم وبدون ورقة، لم يستطع الإمساك بها، وباتت تهدده أنها ستتركه وتذهب. فجأة عصّب. قال لها: ألا ترين أنني مشغول؟ ألا ترين الطريق؟ لذا من فضلك، إما أن تنتظري لوقت أنسب، أو اتركيني واذهبي لشخص لديه القدرة والاستعداد لاستقبالك فوراً. لن أظل تحت رحمتك. أو هكذا قال.

أفكّر في هبّة الريح وأقول لنفسي ربما عليك أن تقولي لها كما قال لها ذلك الفنان على الطريق السريع. عقلك الباطن استقى كونها هبّة ريح من هذه الحكاية أصلاً. لكن ليس لدي ترف أن أتركها وأمشي. قد قلت لكِ أنها هبّة ريح؟ وأنّها قوية وذكية وقادرة وذهبية؟ هل تأتي هذه الزائرة بسهولة؟ ماذا لو أن لديها شيئاً مهماً تقوله لي؟ ماذا لو أن في رسالتها الوسَع والترف والبراح؟