لحجيّة

تجلس والدتي على الكرسي وأجلس بجانبها. أفتح لها ملف عيّنات القماش التي وصلتني مؤخراً، تتحسس القطع بيديها المزيّنة بالخواتم، أصابعها الخبيرة تعرف طريقها مع الأقمشة، وعيناها، حفظ الله عينيها، ترف رفّتين، علامة التركيز.

بجانب كل قطعة اسمها بالإنجليزية. تخمّن والدتي خامة القماش، تقول: هذا قطن مع استرتش..؟ فأجيبها بنعم. هذا حرير على ساتان.. نعم. ثم نمر على قطعة قماش بيضاء. تقول: هذا قطن خالص. نعم.

تقول: تعرفي إن قطن لحج كان أحسن أقطان العالم؟ أقول لها أني ما كنت أعرف. تبتسم، ثم تعود للملف.

لا أظن أن أحداً ممن يقرأ هذه التدوينات- عدا أسماء ربما- يعرف لحج التي أعرف. يعرف عن لحج ما أعرف. عن البستان والسلطان والقمندان. ولا الثوب اللحجي والتعقيدة والحجّالة. بل إن وصف الثوب نفسه باللحجي يثير في ذاكرتي ومخيّلتي البصرية أموراً مختلفة تماماً، عما يثيره الوصف في حاضر من ليس له تاريخ مثل تاريخ عائلتي.

والدتي حفظها الله تركت لحج في النصف الثاني من الستينيات. شابة لم تتزوج بعد. تركتها مع العمّات والحُبابات. تركت ” سلطنة” صغيرة، يحكمها العبادل، وتشتهر بالقطن وبالحُسيني، البستان الذي يأتي بالورد والكادي والمشمش والعنبروت. تركت شوارع مرصوفة، ونظاماً اجتماعياً له قواعده الذي قد تتفق أو تختلف معه، لكنه أيضاً يُعلي من قيم حلوة. أنيقة. رفيعة. قيم لحج، وعوائل لحج.

في الواقع لم تعد لحج هي لحج، كما أسمع. اليمن كلها بالطبع لم تعد اليمن التي غادرها أهلي. العبادل، أو كما نشير إليهم في العائلة أحيانا بالسلاطين، استقروا في بلاد وبلاد. والمزارع وُزّعت والبيوت سُكنت، وأراضي أمي وأهلها لم يبق متاحاً منها سوى نسبة بسيطة يقوم عليها قيّمون أوفياء، أما البقية فهي تحت جدال قانوني لعقود، ولم تعد تُذكر إلا في السنة مرة.

لكن لحج لاتزال لحج عندنا. أو على الأقل في إرثي الفكري وهويّتي التي أحتفظ بها غالية قريبة إلى قلبي. ولا يمكن، بأي شكل من الأشكال، أن أفهم الصفة ” لحجي” سوى بما تستحقه من الإكرام واللمعان.

أعرف أن لفيصل علوي أغنية باسم ” بانجناه“، بمعنى سنجنيه. والهاء عائدة على القطن اللحجي، أبيض أنواع القطن حسب والدتي. أعرف أنها، الأغنية، تحمل تهديداً للمستعمر البريطاني. أفتح اليوم اليوتيوب. أسمعها لأول مرة. لا أفهم كثيراً من كلماتها، لكني سأسأل العزيزة وستشرح لي، باللحجي.

يخلي لكم حبايبكم.

أضف تعليق