كسرت كاستي المفضّلة اليوم. سبب تفضيلي لها هو خفّة زجاجها، وهو السبب ذاته الذي يدفعني لاستبدالها كل شهر أو شهرين، لأنها بـ” دفّة” صغيرة تقع على الأرض وتتهشّم.
في البداية فكرت أن أبتاع عدة كاسات منها احتياطاً، لكنني انصرفت عن الفكرة، أود أن تكون لدي واحدة منها فقط على الطاولة، لا أريد الكثرة. أريد أن أصحبها إلى يومها الأخير، وحينها فقط أذهب لشراء أخرى.
زجاج الكاسة ليس زجاجاً عادياً، اسمه بوروسلكيت، يُستخدم- بعد البحث- في المختبرات وتُصنّع منه أواني طهي مخصوصة. لا تهمّني خصائصه العديدة، كل ما يهمني وزنه. زجاج ينمو إلى الأعلى بخفّة بُرعم.
في النصف الأخير من ٢٠٢٤ عُدت إلى القراءة. عندي قائمة من الكتب المسموعة التي أتنقلّ بين ضفافها كل صباح. عندي أيضاً كتابين ورقيين أقرأهما ببطء سُلحفاتي، أسجّل أفكاري كتابةً على كل قطعة، لا أنوي أن أسرّع العملية ولا مانع لدي أن أظل معهما لشهور قادمة. وهو إنك تلاقي كتاب يُعينك على أمر هذه الدنيا شيء سهل؟

الكتاب الذي أقرأ اليوم يقول لي أن تحقيق الأحلام ليس مضموناً بأي حال من الأحوال، لكن المضمون هو أنك لن تحقق أحلامك إن غضضت الطرف عن طُرق رحّبت بك ورحّب بها قلبك وعقلك، لكنك لم تطرقها، صددت عنها، لأنها لا تؤدي بك إلى ما تتخيل أنه حلمك. أكتب هذا وأعقد النيّة. وأطلب من الله المعونة.
بدأت صباحي هذا اليوم باجتماع مع فريق عمل تقوده زميلة مفضّلة لدي. مطوّرة الأعمال كانت تتحدث عن اتفاقها مع جهة شريكة في المشروع، فأسدت إليها الزميلة نصيحة حول التفاوض أثارت في نفسي الشجن. لسببين. الأول هي أن النصيحة تبدو مفيدة وهدفها تجاري، لكنها على المدى البعيد تحرق جسور وتضيّع فرص. وربما حتى على المدى القريب جداً. وفكرة أن أكون محصورة في صندوق محدود لأن مصدر المعرفة الطيّب لم يُتح لي، كما هو حال تفاوض الزميلة، هي فكرة حزينة. السبب الثاني أنني أميل- كثيراً- إلى أن هذه النصيحة تحديداً تتصادم مع طبيعة الزميلة الإنسانية وتفضيلاتها الشخصية. ولكنها ربما نُقلت إليها من زملاء أكبر عمراً ومنصباً، وظنّت أن الخير في تبنّيها، وترك ” المثاليّات”. وأفكر في نصيبي من رحلة التعلّم هذه، التفاوض تحديداً، وكيف ساعدتني الكتب ولم تكلني إلى غيري ونَقْلِه المبتسر للواقع كما يراه، لا كما هو متاح في الأفق.
أمر مؤسف وأنا في مزاج تأمّلي هذا النهار، والسماء مغيّمة نصفيّاً، وضوء الشمس أصابع مقلّمة تنتظر بأدب عند باب الشباك. في نهارات أخرى سأفكر أن الإنسان يصحح مساره مع الوقت، أو لا. الأمر متاح وعندك دائماً خيارات.
دائماً، ولله الحمد، عندك خيارات.
نهار، فيما تبقى منه، سعيد وطيّب.