في ٢٠٠٩ كنت أستيقظ مبكرا قبل الذهاب للعمل. أشاهد برنامجاً اسمه ” صباحك سكّر زيادة” على قناة أو تي ڤي المصرية وأنا أشعر بكثير من الاستمتاع، وقليل من الذنب، ذلك أنني أعرف أن صديقتي العزيزة لن تحبّذ- في قلبها بدون أن تعبّر عن اعتراضها- فكرة مشاهدتي لبرنامج كهذا. كانت- حفظها الله وحماها- تمارس حمايتي من انهيار السياق قبل أن نعرف عن انهيار السياق.
لكني كنت أشاهده. تعجبني فيه اللهجة المصرية التي تعبّر عن شريحة مُجتمعية ذات رفاه من ناحية، وخلفية ” ليبرالية” من ناحية أخرى. مشاكل خفيفة، مشاهد لطيفة، أمور يودّ المرء لو أنها استطالت وظلّت على ماهي عليه.
ثم تغيّرت الأمور. كل الأمور. خلال سنوات قليلة.
ولا أعني بذلك الواقع المصري، وإن كان التغيّر الذي صار فيه رمزاً لجذرية التغيّر الشخصي الذي مرّ على حياتي.
منتصف العشرينات، الروح تنتهض والقلب يحتمي من الأذى بستارة بيضاء وشبّاك يطلّ على حديقة صغيرة فيها شجر الياسمين الهندي.
من قال أن العشرينات هي اكتمال صبا المرء. للبعض، ربيع العمر تحمّلَ أعباءً كادت أن تقصم ظهره. لكني أسافر من العمر الذي كان بعيداً، أقضي دقائق قليلة مع الشابّة الحلوة السمحة الصافية. أقول لها بعضاً من الأسرار التي لن أكتبها هنا. وسأقول لها أيضاً بأن الأعباء تتساقط عن الظهر العَفي بلطف من الله وتوفيقه. وأن الصديقات والأهل والإرث يتكاتفون لحمايتك مما يترصّد روحك من الداخل. وأنك ستكبرين. ستتعثرين. ستنتصبين هامة، ستختبئين. وستجدين شجاعتك في الاختفاء وإن ظنّ البعض أن الشجاعة فقط في الظهور. ستمر على ملامحك أطياف حياة. ستتركين شعرك للشيب يضيئه. ستقولين لا بأس. ستقولين مبروك ومعليش وحيّاكم واتفضّلوا على السفرة وسامحونا على القصور.
الحقيقة أنك لن تقولي العبارة الأخيرة، لأن طبعك الذي لم يكن يبدو ولو حرصت العين على أن تتبينه في صغرك، ستفصح عنه السنوات القادمة واضحا حاسماً في تفضيلاته الإنسانية والتعبيرية. حتى تلك العفوية. لن تعتذرين عن قصور. ولكنك ستفتحين بوابات القلب بكرم المحبة والاحتضان.
ثم أن عقلك الجسور سيخدم قلبك الحيي. وحياء القلب خلّى كل ما في القلب يخفى كما يقول مريد البرغوثي رحمه الله، وفي الحياء خير وبركة وستر.
أسافر لصباحات ٢٠٠٩ وأزور الشابّة. أقبّل الخدين رغم معرفتي بترددها مع القرب الجسدي. أقول لها ما أقول. وأعود لمكاني هنا، أفكر أنني أكتب من العمر اللي كان قدّام، وأمدّ بصري لعمر هو الآن قدّام.