في العام ١٩٥٦ ألّف طه حسين كتاباً أسماه ” في الشعر الجاهلي” قدّم فيه نظريّة ربما تجدها – وأحسنُ فيك ظنّي – ثورية.
يقول أن العرب لم تعرف الشعر قبل الإسلام. وأن الشعر الجاهلي موضوع بأكمله خلال العقود التي تلت بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثمّ يخفف من وقع الشرّ المستطير الذي يقترحه، ويقول أن هذا التفكير هو امتداد لمنهج الشكّ الفلسفي ومدرسة كانت. أنا أفكر، إذن أنا موجود.
في ١٩٥٩ يؤلف معلّم لم تسمع عنه قبلاً حتى هذه اللحظة، اسمه أحمد الغمراوي، كتاباً من ألف صفحة. يرد فيه على أساطير طه حسين. يشرّح منطقه جملةً جملة. وينوي بهذا العمل ذوداً عن الإرث العربي كأساس لفهم القران الكريم. ولا يدري عنه- تقريباً- أحد. على الأقل مقارنةً بعملقة طه حسين.
في ١٩٩٢ يسافر الدكتور جلال أمين، مدرس العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأحد أفذاذ الفكر العربي، إلى اليمن. يرى كتاب السيّد المصري بالصدفة البحتة. يتذكّر الاسم على أنه صديق لوالده أحمد أمين. يشدّه الموضوع. يقرأ الكتاب. يكتب عنه مقالاً طويلاً تنشره واحدة من المجلات العربية المهمّة، يتجلّى تهذيباً وتقديراً، لما قدّمه الغمراوي.
في ٢٠٢١ أقرر أن أتسلّى بقراءة عدد قديم من مجلة الهلال حصلت عليه بدون تخطيط من مكتبة قريبة. وأنا- لأسباب طفولية بحتة تتعلق بأيام الدراسة والرغبة في الهروب من كل ما يذكّرني بها- أتنكّد عندما أسمع اسم مجلة الهلال، فما بالك بقراءتها؟ مع ذلك، بدت تجربة قراءة العدد القديم كفعل درامي ينم عن عظمة النضج الذي أعيشه في أواخر ثلاثيناتي. أقرأ المجلة. أجد المقال. أتأثّر به. يظل معي لأسابيع. أترحم على السيد الغمراوي وأقرأ لروحه الفاتحة.
كصاحب صنعة أو هواية، هناك دائماً سؤال يُلح عليك. هل ما أفعله جيّد كفاية؟ هل ما أقدمه يستاهل؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فمتى سيكون؟ وإن كان الجواب بالإيجاب، فلم لا يلتفت العالم إلى كفاءتي بما فيه الكفاية؟
أودّ أن أقول، بكل القطعية التي يمكن أن تحملها الكلمات، أن هذا السؤال يمسك جُحا من إذنه الخطأ. أي عمل تقدّمه للعالم، تنوي به الخير والإنارة، هو عمل يحمل قيمة. لا تسل عن جودته، بل اطمئن إلى أنه يضيف قطعة ما إلى الخير الذي يحتاجه العالم كي يدور.
القيمة غير خاضعة للسؤال. غير خاضعة للشكّ. غير خاضعة للعفاريت الداخلية التي تأتي بها الظلال. القيمة في حد ذاتها هي واقع لا يقبل الجدل. طالما نويت الخير، ووضعت في عملك نيّتك، فأنت بذلك خلقت القيمة.
ستسأل: ما فائدة القيمة إن لم يرها أحد. على بال مين ياللي بترقص في العتمة.
سأقول بأن القيمة دورها محايد. أن تكون. القيمة لا ترقص كي تلفت انتباه أحد. وجودها في العتمة أو النور لا يغيّر من حقيقتها في حد ذاتها. اللون الأحمر هو أحمر ولو طفيت النور.
ما تسأل عنه هو النفع. أن ينتفع الآخرين بهذه القيمة. وهذه لعبة مختلفة تماماً عن لعبة إنتاج القيمة. توفيق ربّاني في قنوات التوزيع التي تسمح أن ينتفع الناس بها. وهو أمر ثانوي مقابل الأمر الجوهري. أن تفعل الخير.
ولكن هل حقاً تسأل عن النفع فقط؟ كنت في مكانك، ولم أسأل عنه فحسب، بل عن الاستقبال. عن ردّ الفعل الفوري. الضجّة التي يحدثها العمل. ورضانا، كما علّمتنا السوشيال ميديا، يعتمد على هذا الاستقبال. على اللايكات والريتويتات والمتابعين والتعليقات.
كما خُلقنا نسعى لأن نقدّم قيمة لهذا العالم، خُلقنا نتوق إلى التقدير. القيمة، والنفع، والاستقبال، كلها دوائر لهذا التقدير. أن تتشبّث بفكرة القيمة كأصل، ثم تدرك ثانوية النفع مع بذلك للجهد كي يتحقق، ثم تتلقى الاستقبال- إن وُجد- بكثير من الامتنان، وإن لم يكن، بدون كثير قلق، هو ترتيب جيّد وحقيقي لأولويّات أمانك الذاتي.
هل يُعقل أن يظل الغمراوي معي، أدعي له وأنا في مقام حفيدة ابنه، لولا إيمانه بالقيمة أولاً، وغضّ النظر عمّا بدا أنه محدودية النفع وبرودة الاستقبال؟
تصبحون على خير.
– هذه التدوينة واحدة من سلسلة رسائل كتبتها بين ٢٠٢٠ و٢٠٢١ في نشرة بريدية باسم ” رسائل من مايا”.
الخير لأجل الخير.
صباح الخير يا جميلة! 🤍
إعجابإعجاب
صباحك رائع ومحبوب سيّدة وفيقة 🩵🪸
إعجابإعجاب