لأصالة ألبوم قديم من التسعينيات، أو ربما أكثر من ألبوم، أغانيها في تلك الفترة مرتبطة عندي بالحزن مشقوق الحوافّ، رغم أن العمّة التي كانت تحبها في طفولتي وعرفتها منها تمثّل، في بعض ما تمثّله لي، العزم والإقدام. والروج الأحمر والشعر الأسود الفاحم. ليس الأحزان.
الساعة الآن الثانية ليلاً. ليس من عادتي السهر، لكنّي في حال من التفكير واليقظة، الأخيرة نتيجة قهوة شربتها في وقت متأخر بعد العِشا. اضطررت اليوم أن أترك كل ما بيدي وأخصص وقتي لأمر طارئ اهتزّت له ترتيبات اليوم. الحمدلله على ماقدّر ولطف.
ليس لدي، ربما كعادتي الفترة الأخيرة، ما أقوله هنا. حذفت تطبيق تويتر لأكثر من شهر، أطل عليه من متصفّح الويب بين يوم وآخر. ولا أنوي نشر رابط هذه التدوينة عليه، تدوينة ليس لديها ماتقوله سوى أن تأتي لصاحبتها ببعض الاطمئنان في وجودها.
أعرف في محيطي أكثر مما جرت عليه العادة من العزّاب الرجال، تجاوزوا الأربعين ولم يتزوّجوا اختياراً. ولطالما شعرت، ليس فقط بناءً على تجربتي الشخصية والله أعلم، بأن هناك فارق أساسي في تجربة العزّابية من الجنسين. الفتاة التي لم تتزوج في عشريناتها وحتى الثلاثينيات في البداية قد تشعر ببعض الهوائية في حياتها، وأعني بالهوائية خفّة بالون من الهيليوم. ربما جزء أساسي منها السؤال المفتوح الذي لا تملك كل مفاتيح إجابته: هل سيأتي النصيب؟ ماراح يجي؟ إلا يجي؟ ثم تستقرّ الأمور، وتظهر المثبّتات شوي شوي على الأرض بدون الزواج. أدوار عائلية أخرى تتكون لها، أو مصبّات لروافدها من عمل أو خير أو هواية. تتضبّط الأمور. الرجل الأعزب، والله أعلم، يحصل معه العكس. كلما تقدّم في العمر بدون زواج، اختفت من على أرضه رويداً رويداً المثبّتات الشاغلة له في العشرينات والثلاثينيات. وبدت الحياة، ربما، وكأنها نفس البالون الخفيف الذي تطيّره الهبّات.
لم أشارك هذه النظرية التي قد تدّعي علماً/يكون جهلاً مركّباً؟ لأنني في آخر هذا اليوم، وبينما كنت أفكر في شأني خلال الأسابيع أو الأشهر الأخيرة، خطر ببالي بدون قصد أنني أشعر بالضياع وكأنني رجلٌ أعزب. (؟؟)
أختي كانت تقول لي أن من الحكمة ألا نقوم بتغييرات أو قرارات جذرية خلال سنة من الفقد. لايزال فقدي غضاً طرياً، وليت الغضا لم يقطعِ الركبُ عرضَه وليت الغضا ماشى الركابَ لياليا، وأنا في تقديري استجبت لنصيحتها، وكنت قد عزمت على أمور بدت لي قرارات عقلانية، ثم تراجعت لهذه الحكمة ولأسباب اخرى تدعمها. اليوم وأنا أراجع الأمور- ربما بسبب القهوة أو ربما لما حصل اليوم- أدركت فجأة أنني تصرفت في أمور أخرى، مستترة وقراراتها بالغة الصغر، بارتباك المكلوم. وآه من الكَلَم وآه من لياليه. وأدركت أن حديث النفس الذي كان يُعدّني لموادعة شخص مهم في حياتي، لأنه لم يعد الشخص الذي عرفته سابقاً، هو حديث محزونٍ لم يعرف أن الحزن قد تدخّل وكتب بعضاً مما هو على الورق. لا بأس. نسأل الله البصيرة.

كنت أستمع لكتاب مؤلفته بريطانية بعنوان ” التشتّي”. وينترنج بالإنجليزية. عجيبة مصدرية الشتاء في العنوان. رائعة. وكذلك الجملة الأولى منه، أظنها من أجمل الجُمل الافتتاحية التي قرأتها في حياتي: بعض الشتاءات تأتي في الشمس. أو شيء كهذا. الكتاب لم يفِ بوعده لي، لكن يكفيني مفهومه: نحتاج أن نعود إلى بيوتنا في الأوقات الصعبة، كما يفعل المرء في الشتاء. يحتمي خلف النافذة، ويراقب العالم من وراء الزجاج، ويرتدي ما يشعره بالدفء.
لدي تيشرت ابتعته مؤخراً لونه زهري بدرجة لا تتناسب مع لون بشرتي. لكني اقتنعت به لأنه موصوف بـ تيشرت قصير وزنه ثقيل (هيڤي ويت). قلت أبغى تيشرت قصير ووزنه ثقيل، حتى لو لم يأتِ منه سوى لون ما يناسبني. ربما أرتديه مع الجينز الفاتح غداً الصباح. وأطلب من ربي الإعانة والثبات.
ليلتكم طيبة بلا أحزان بعون الله.