خَضِّر وعودي

هناك شجاعة لا غبار عليها في أن تحتل مساحة من المشاعر المكثّفة مع آخر، دون أن تجد نفسك وقد رغبت في التخفف منها بطرق أحاديث أخفّ. 

هناك شجاعة أخرى، جارة لتلك، تسمح لك بأن تترك لآخَرك الزمام، فإن أراد توجيه حصانه للمياة الضحلة، لأنه لم يستطع الوقوف ساكناً تحت وطأة الموج، قلت له تعال. قدني. أو إن أردتْ أقود. نعود.

تعدني صديقتي بأنها ستغمض عينيها على القلق المحزون فيهما وتحاول النوم. أخلد لنومي أنا مطمئنةً أن هنداً أنجزتنا ماتعدّ. تقول لي صديقة أخرى أن زوجها كان يخلف وعوده المتناهية الصغر. تعتني به، يوافقها على العناية، ثم يفعل مايريد بعد أن أكّد لها الاتفاقات. تقول أن من غرابة طبع الأيام كشف الستر عن هذه الحقائق الصغيرة. يُكسر الوعد العاشرة مساءً، تعرف عنه صديقتي الآمنة القلب الساعة العاشرة والربع. أعود بها إلى أغنية عبدالوهاب الأثيرة ” مش دي راحة قلبي ولا ده أمل حبّي اللي اتفقنا عليه”، فتومئ برأسها مؤكدة ومتأثرة. لا أريد أن أكسر وعودي الصغيرة متناهية الصغر. لا أريد لزجاجها أن يتناثر على الأرض. 


عندي موعد أسبوعي مع كتاب عن سيرة حياة دايفيد هوكني، الرسام البريطاني. لست مهتمة بعموم الرسامين، لكني أحياناً أهتم بأعمال شخصية ما وأبحث عنها. هذه السنة كانت من نصيب هوكني. 

ابتعت مع كتاب السيرة- وهو مجلّد ضخم بعض الشيء لكنه سهل القراءة جداً- كتاباً أصغر لم أعرف عنه سوى أنه يحوي رسومات هوكني على الآيفون. فكرة مثيرة للاهتمام. رجل في بداية السبعين من المدرسة الفنيّة الهارد- كور، يتخلّى عن الكانفاس العملاقة ويرسم على الشاشة. مرونة عقلية تدهشني. 

المهم. اتضح أن قرار شراء الكاتبين معاً صدفة خيرٌ من ألف ميعاد. أقرأ عن الفنان المتحمّس الجاد في شبابه. مغامراته وإقدامه الفنّي ومراحله، ثم أتصفّح بعضاً من رسوماته وهو مستلقٍ على سريره قد أنهكت جسده الشيخوخة، يرسم على الآيفون، وأحياناً على الآيباد، منظر النافذة والزهور المختلفة التي تسكن المزهرية. الرسومات كأنها رسومات طفل. أعرف أنها بالتأكيد ليست رسومات طفل. لكن: كأنّها.

دايفيد هوكني، الفنان، يعطيني الأمل. وأنا للأمل، كما تعرف لمى، دائماً شرّاي. 


* عنوان التدوينة شطر من أغنية عبادي الجوهر” سكة طويلة”.

أضف تعليق