عنب في غصونه

قبل أسابيع جمعتني ظروف العمل بسيّدة ربما في منتصف ثلاثينياتها. لم نتحدث مطلقاً، كنّا في نفس الاجتماع نستمع إلى صاحب الشأن. بعدها بأيام تبادلنا رسائل قصيرة وايموجيّات الابتسامة المهذّبة وانتهى الأمر.

لكنّ السيدة ظلّت في بالي. وجدت فيها ملامح شخصية- ملامح وجه وملامح روح- أميل لوجودها في أطراف حياتي. وفكّرت: حلو لما تجمعنا الظروف بناس حلوة من بعيد.

بالأمس، وبعد ليلة عامرة باجتماع أحبابي من العائلة، عدت إلى إيميلي ووجدت أن أصحاب العمل الذي جمعني بهذه السيدة قد أشركوني في سلسلة إيميلات لم أكن في بدايتها. عدت إلى الردود على سبيل الاطّلاع والتسلية لا أكثر، فوجدت رسالة وجّهتها هذه السيدة للزملاء، تتهكم فيها على اقتراح قدّمته لهم.

جيّد أنني في الأربعين. لست متأكدة من مدى الضرر البالغ الذي يمكن أن يصيبني لو كنت في عشريناتي لازلت، ورأيت ما رأيت.

فوجئت بما قالته. فوجئت أيضاً بأن حسن ظني فيها لم يقابله حسن ظنّها فيني. لكنني- هذه من حسنات الرشد ولله الحمد- لم أتأذَّ. قيّمت ما قالته. وجدت أن عندها وجهة نظر، ولكنها وجهة نظر مخطئة لم تكن مكتملة، وأن اقتراحي- بعد تمحيص التهكّم- لايزال ذا جدوى وقيمة. وإذا هي شافته مثل ما شافته، فماهي مشكلة، أنا ماراح أزعل.. وهي طيّب ليش زعلانة؟ ” أهدا من كذا الأمور ماتستاهل الحدّة”.


لغاية عشريناتي كنت أشعر بالاكتئاب بمجرد أن أسمع طرف صوت أبوبكر سالم بلفقيه. رحمه الله. في منتصفها عملت مع زميل لبناني قررت شركتي استدعاءه خصيصاً لجدّة كي نعمل سوياً على مشروع. شاب في منتصف العشرينات هو أيضاً. شيعي غير متديّن. ولديه كاتلوج من أفكار مسبقة عن السعودية وبنات السعودية، وآتٍ في هذه الزيارة على غير رغبة منه. لكن على غير رغبة منه- وغير رغبة مني أنا أيضاً- اتفقنا. اتفقنا في العمل، واتفقنا على الرغبة في محاولة رؤية الطرف الآخر واحترام ما يمثله دون تجاوز. وفي خضم هذه المحاولات، حاول هو أن يعرّفني على عظمة ماجدة الرومي ومارسيل خليفة. طيّب ماذا عني أنا؟ علي أن أختار الشخصيات الفنيّة التي تمثل الجزيرة العربية وأنا أصلاً لا أسمع لمحمد عبده ولا لطلال وبالتأكيد لا لأبو بكر سالم.

لكن التفكير المنطقي يحكم. بما أننا نتحدث عن الجزيرة، وعن اليمن، فأبوبكر سالم رحمه الله لابد. طلبت من قريب لي أن ينتقي لي تسجيلات صوتية عالية النقاء لأهم أغانيه. وقبل أن أعطيها للزميل اللبناني، قررت ذوقياً يعني، أن أستمع لها.

أستمع لها دون تحيزات. دون أفكار مسبقة. وكما يمكن لزميل لبناني أن يسمعها لأول مرة.

ولحسن الحظ، ولرحمة ربي بي، أول أغنية على السي دي كانت ” عنب في غصونه“.

قال لي: هلّ تقنّعت منّي؟ قلت: لا يا ظنيني.

ماعرفت القَنَع ايش، وايشلونه.

عنب في غصونه.

أعرف هذه الأغنية جيداً. حضرت أفراح رقصت عليها السيدات واشترح عليها السادة. سمعتها في طفولتي في مسجلات السيارات وعلى شاشات التلفزيونات ومش بعيد حتى على أشرطة الفيديو. ومع ذلك، كنت أسمع هذه الأغنية لأول مرة في ذلك الوقت بالذات. لأنني تركت كل السياقات، كل السياقات التي تثير تحفّظاتي، وكل القصص التي تكبّلني بتحيّزاتها وتخيّلاتها، ورأيت فقط عناقيد العنب الأرجوانية على الغصون في قيظ الظهيرة.

وكيف لحسين المحضار، رحمه الله، أن يقول كل شيء.. كل شيء كل شيء.. في جملة غير ذات علاقة، كما فعل عندما اختار أن يقول عن العنب في غصونه.


استيقظت اليوم ورأسي ثقيل. وكأنني في بداية دور برد، أو بعد يوم اجتماعي ثقيل وطويل. التفتّ يمنة، التفتّ يسرة، فكرت في أمر الأمس، وفهمت أن للكلمات ثقل، وإن كبرنا على أذيّتها، لا نكبر على أعبائها على أكتافنا.

أدخل اجتماع آخر في الصباح. ” آتآمر” أنا وزميلة عزيزة على حديث أحدهم المبالغ فيه في الاجتماع. أتأمل في رزق الله من الناس والمحبّة. يصغر العبء. يصغر. يصغر. يصغر. يصبح ذرة. تتهاوى- غير آبهة بها- عن كتفي. أبتسم من قلبي لحسّ لمّاح وظريف عند زميلتي.

أفكّر: ” قصّروا في الجفا، لا تطيلونه“. وتأخذني أموري لشواطئ لا تشغلني فيها حدّة العابرين.

5 رأي حول “عنب في غصونه”

  1. الجميل أننا اقتربنا من السنّ اللي صرنا نشوف فيها العالم بشكل أفقي لا بشكل شخصيّ، نهتم فقط بمراقبة العنب وهو ينضج ببطء لذيذ على غصونه.
    ما يحتاج أقول انك لطفتِ الظهريات صح؟

    إعجاب

اترك رداً على هيفاء إلغاء الرد