الحياة، أحياناً، تكون شديدة الوطأة على منكبيك.
أتساءل من وقت لآخر، كيف يمكن أن نتعامل مع شدة هذه الحياة. وأفكر، إجابة حقيقية ومدروسة، بأن الحل الوحيد هو الحب.
كلما حاولت أن أجد حلاً آخر، سيناريو أكثر عقلانية. أكثر عملية. أقل رومانسية. لم أجد. مع أنني حاولت. لا أودّ أن آتي لاجتماعنا هذا بإجابة مستفزّة كهذه الإجابة، لكن كل الدلائل والبراهين تقول أن هذا هو الحل الوحيد.
لأن الشدائد في الحياة أشكالها متنوعة. انتهت شدّة المرض- حفظنا الله وإياكم- أتت شدّة المال، لم تأتِ شدّة المال، أتت شدّة التعامل مع الوجه العكِر. شدة في الحرب. شدة في السلام. أمر مفروغ منه، وإن كان الواحد يرجو من الله العيش في عافية.
وإن حاولت التعامل مع كل شدّة بنوعها من الحلول، قضيت حياتك تطارد وجهات مختلفة. ثم إن بعض الشدائد أمورها داخلية. لا يمكنك أن تفعل شيئاً خارجياً لحلّها.
الحل. إذن. هو الحب.
لكني لا أقصد حب الذات. هذه بديهية. ولست أنا أفضل من يفكر لك ولي في هذا الأمر. هناك عشرات البودكاستات والكتب بالتأكيد التي تتحدث عن قبول الذات، الرفق بها، التسليم بأنها تفعل أفضل ما عندها. ما أقصده بالحب هو أن تتجاوز وقع شدّتك على نفسك قليلاً، يعني ٩.٥٪ من يومك، وتفكر بالآخرين حولك. حولك يعني أسرتك القريبة والأصدقاء.
لأن. أياً كانت شدّتك هذه فردية، فغالباً أن الآخرين لديهم شدّة يعانون منها ووقعها عليهم قوي، يمضّهم كما تمضّك شدتك. وحياتهم ناشفة. شديدة. ويقضون يومهم يقطّعون أغصان وأشواك مجازية كما يفعل العابرون في أحراش الأمازون فقط كي يشقّوا الطريق ويدخل قليلاً من النور.
ولما أغرق في شدّتي. ويغرق أحبابي في شدّتهم. وكلنا نبان طبيعيين. متماسكين. عاديين. لكن يادوب. بالكاد. أين يذهب الرفق وتذهب الصحبة ويذهب الاعتناء؟
الحل إذن، أقول هذا وأنا أهزّ رأسي يمنة ويسرة، أن تخرج من شدّتك الصامتة قليلاً، وتعطي الآخرين بعضاً من الحب. مهمّة يمكنك القيام بها بدلاً عنهم، بطانية جديدة تطلبها لهم لهذه الأيام الباردة، كوب شاي، تجيب مقاضي السوبرماركت ولا ترفعها في أماكنها وتشيل الأكياس. مبلغ في تحويل مفاجئ. ساعة من الإنصات المستغرق وأنت عندك مئة شيء وشيء مطلوبين آخر النهار. التفكير المتأنِ في لغة الحب التي يحتاجونها منك- لا لغة الحب التي تفهمها وتحتاجها أنت- ثم تقديمها إليهم في وقت قصير خلال اليوم. كل يوم.
وكأن حياتك منعمة وهانئة ومرتاحة البال. وكأنك مش مضغوط ولا متعب وتحتاج منهم نفس هذه الرعاية ونفس هذا الحب.
وقبل كوب الشاي وقبل مقاضي السوبرماركت. هناك التفهم والتجاوز والتعامل مع تصرفاتهم الشديدة- غير المراعية- الأنانية، على أنها تعبير عن شدائد داخلية الله أعلم بمدى ضررها عليهم. وأنها- وإن كان وقعها عليك جارحاً- لا تتعلق بك، بل تتعلق بهم وبما يقاسون.
هذا أمر غير عادي. وممارسته تتطلب ” ملائكية” معينة صعب أن توجد في بشر. لكني وصلت إليه من الطريق الصعب. من البحث عن حلول مرتبة لحياة غير مرتبة. نبغى نقفل ملف المعاناة. نتمنى أن نفعل. لكن يبدو أن هذا أمر غير مطروح، لحكمة وإرادة ربانية نحمد الله عليها. فما يمكنني فعله، الشيء الوحيد بعد الدعاء واللجوء إلى الله، هو أن أجعل الحياة ” أسهل حبّة” على من حولي. أن أسمح لقطرات الندى بالتجمّع قليلاً على زجاج النافذة. لن أحل لا مشاكلي ولا مشاكلهم، لكن اليوم يصبح أسمح بعض الشيء. شيء صغير للغاية. لكنه مؤثر في المشهد العام للأمور، وبالتأكيد مؤثر في وعيي وإدراكي لترتيبات حياتي.
قبل أسابيع انتشر مقطع لفتى- هو رجل في عشريناته لكنه يبدو صبياً في الخامسة عشر!- وحديثه عن تقطيعه لرمّانة لزوجته. كان من المقاطع، والله أعلم، التي يمكن للناس أن تفهمها جيداً. أو ألا تفهمها على الإطلاق. عن نفسي وجدتها استجابة لنفس حديثي هذا الذي أفكر فيه منذ سنوات. قطّع حبّة الرمان لمن يسكن معك. لن تشفي من المرض. لن تصفّي السماء من الشكوك والهواجيس. لن تقضي الدين ولن تدفع الإيجار. لن تبعد المدير الوقح ولن تسرّع اجراءات القضية. لن تحل أي مشكلة. لكنها تخلّيك قابل للحياة أكثر. تبلع ريقك بسهولة أكثر. دفعة صغيرة من عصير البرتقال لمناعتك النفسية.
نهاركم طيّب، وجمعة مباركة عليكم.