تورتة مدورة شمعة منوَّرة

مؤخراً أفكر كثيراً بما بتّ أسمّيه متلازمة ” تورتة مدورة شمعة منورة”.

تقدّم أعمالك مثلما تريد أن تقدّم أعمالك. بنفس المستوى الخلّاق الذي يروق لك، وليس بما تستدعيه هذه الأعمال من عادية/ تقليدية.

في الماضي كنت أنتظر المشاريع التي تسمح لي بأن أجرب أشياء جديدة، بينما أعمل على الأشغال اليومية. وكان السؤال الذي ألتفت إليه من حينٍ لآخر هو: كيف أحصل على المزيد من المشاريع من هذا النوع. التي تطرح أسئلةً لا معتادة، وغالباً عصيّة على الصياغة.

المستوى الجديد الذي وصلت له، مؤخراً وبالصدفة البحتة، هو أنني أتولى المشاريع التقليدية، و” أدسّ” فيها الشيء الجديد الذي يتحدى تقليديتها، ويجعلها مساحة من الفرح الخلّاق بالنسبة لي. في كل الأحوال استقبال العميل لها سيكون معقولاً. لو التفت العميل إلى الجديد وتلقاه بقبول حسن، شيء ممتاز. وإن لم ينتبه، يظل المشروع، بأصوله وهيكلته، قد حاز القبول. وأضفت إلى تراكمية أعمالي تجربةً جديدة مبهجة. على الأقل بالنسبة لي.

اسم المتلازمة، وتقريباً ثلاثة أرباع فكرتها، أتى من أغنية اكتشفتها قبل شهور لسيّد مكاوي رحمه الله. اسم الأغنية ” تورتة مدورة”، وكلماتها ولحنها فيها مساحات سعيدة وخلّاقة تتجاوز حدود اللزمن وحتى السياق.

” تورتة مدورة، شمعة منورة، ويا ترى جرا ايه؟ ايه يا ترى؟”

ما جرى هو أن الإذاعة المصرية تحتفل بعيد ميلادها الخمسين. الأغنية ظهرت في 1984، وبعد 35 سنة أسمعها لأول مرة فتبث فيّ سعادة لا علاقة لها بالسياق الذي كُتبت فيه. أو ربما لها كل العلاقة.

ايش أكثر عادية من أن الإذاعة الحكومية تطلب من شاعر أن يكتب لها كلمات بمناسبة عيدها؟ مهمة تقليدية ” تقتل الإبداع”. ويقوم بها الشاعر- افتراضاً- عشان يغطي طلبات البيت لهذا الشهر.

الشاعر، نادر أبو الفتوح هو – إن كنت مثلي تسمع باسمه لأول مرة- صاحب إنتاج ضخم أثرى طفولة المصريين في الثمانينات والتسعينيات، لم يستجب لعادية المهمة، ولا لرسميتها. كتب كلمات يستطيع المتذوق العادي أن يسمع فوراً التركيبة المختلفة فيها حتى على الأغاني الغرامية التي قد نتوقع أن تأتي منها التركيبات المختلفة. وبالتالي سيّد مكاوي، رحمهم الله جميعاً، أيضاً استقبل الجمال غير العادي في الكلمات، ولحنها وغناها بطريقة غير عادية.

الأغنية هنا: https://soundcloud.com/omayma-mahran/4ntdptt84acq

الإذاعة مبسوطة. المهمة أُدّيت بنجاح. ولكن في نفس الوقت، ظهرت تحفة فنية لم يزدها العمر إلا صباً وأناقة.

ماذا لو كنا نسأل الأسئلة الخطأ. ماذا لو لم يكن يفترض بنا أن ننتظر، أو حتى أن نسعى لما هو “مختلف”. ماذا لو كان الأطيب أن نعيد ابتكار، تأطير، القصص التي تعوّدنا على سماعها؟ أن تكون هذه مساهمتنا؟

تبدو الأمور، عندما ننظر إليها بهذا الشكل، أكثر منطقية. أكثر طيبة. أكثر لذاذة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s