في رفقة النساء للنساء

في وقت مفصلي من حياتي تعرّفت على مجلة نسائية بريطانية اسمها ” وومن آند هوم“. ومن اللحظات الأولى لتصفحها أدركت أنها متوجهة للسيدات في منتصف العمر وما بعده. لنقل من الخامسة والثلاثين وحتى الثمانين أو التسعين. ولسببٍ ما- ممتنة له للأبد- ابتعت ذلك العدد رغم أنني كنت في بدايات العشرينات. ولم أتوقف عن متابعتها بعد ذلك.

المجلة تتحدث عن الحياة اليومية للسيدة البريطانية. عاملة، ربة منزل، متزوجة، مطلّقة، عزباء أو أرملة. تتحدث عن الطبخ، وعن الديكور، وعن الهوايات والمسلسلات والكتب. ولكنها في أصلها تتحدث عن تجربة الحياة العميقة كامرأة. عن الفراق. عن الحب. عن الاعتماد. عن الصداقات. عن النجاح. عن النجاة من الأزمات. أو النجاة بعد الأزمات. عن التدّين، عن الأنشطة الاجتماعية، عن الأبناء، عن الآباء. عن الحياة بعد التقاعد. عن الحياة التي بدأت ولكنها في الحقيقة لم تبدأ بعد. عما يعنيه كونك أم، عما يعنيه كونك أنثى. عما يعنيه كونك زوجة وعما يعنيه كونك ابنة، وعما يعنيه كونك أنتِ.

هذه المجلة، منذ أن تعرّفت عليها في ٢٠١٠ وحتى اليوم، وفيها تعريف لرفقة النسوة النسوة.

أختٌ كبرى، تمسك يدك بحنّية حازمة، وبحزمٍ ضاحك. تشرح لك الطريق الذي مرت به، وتخبرك عن تجربتها التي قد تشابه تجربتك أو لا تشبهها، ولكنها دائماً دائماً تُلقي على قصتك الشخصية بُعداً أعمق، وتبصراً أحكم، لأنه آتٍ من خبرة المرور وخبرة التخطّي. 

ولهذا السبب وحده، تحمل رفقة النسوة ما تحمله من قدرة، تشبه السحر وماهي بسحر، على الشفاء والمرور بسلام من عنق الزجاجة.

النسوة اللاتي أقصد رفقتهن يفهمن حرقة المشاعر. يفهمن تشابكات الضعف والحيرة ونداء القلب وضبابية الأحكام العقلية. مررن بها. لم يتساهلن في أمرها. ولن يستصغرنها في غيرهن.  ولكنهن أيضاً تجاوزنها، على الأقل في تجاربهن الخاصة بها، ولم يبق من حرقتها سوى أثر قديم يسمح لهن بالتعاطف والمواساة. ثم، يستطعن بحكاياتهن، بحكمتهن، أن يقدمن لكِ تصوراً لوقتٍ قادم فيه تخطٍ للجروح، وتغلّبٌ على الأذى، وتعافٍ مما يلم بك. هن أيضاً، عبر هذه الحكايات والحكمة نفسها، يعدن بأيامٍ طيبة، وتجارب مفرحة، وتجاوزٌ مؤكدٌ وناضج.

وفي رفقة النسوة، النسوة الثلاثينيات كما الخمسينيات كما السبعينيات، وجدت الصحبة المتفهمة الحكيمة. وجدت المساحة التي أستطيع فيها أن أترك حذائي على الأرض، وأتكّوّر على الكنبة، أحتضن المخدّة المربعة، وأصيخ السمع.

ومنذ تعرّفي على جمال الصحبة، أصبحت صديقةً أفضل. وسمحت لنفسي بأن أدخل رحلة تعلّم عميقة لازلت في غمارها. أستكشف تضاريسي الداخلية، وأعتمد بكلّي على رفيقاتي اللاتي لطالما غفلت عن الحكمة العامرة الغامرة التي يمكنهن أن يملئن بها حياتي.

رفقة النسوة للنسوة هي حالة زئبقية. يصعب الإمساك بها. والحقيقة أنها لم تمر علي كمعرفة مكتوبة حتى اليوم، ولا أظن أنني كنت سأعرفها بهذا العمق لولا أن قيّض الله لي صديقتي الحكيمة من ناحية، وصادفتني المجلة البريطانية من ناحية ثانية. ولأنني اختبرتها بنفسي، ورأيت أثرها المزهر على حياتي كلها، أصبحت أبحث عنها وأتلمسها فيما يمر علي.

أراها في محاولات أوبرا للتواصل مع السيدات. في مجلتها التي تخصص صفحاتها عن التجربة الإنسانية، وفي كتابها الأخير عما “تعرفه حق المعرفة“. ولكن أوبرا بأمريكيتها الزاهية لا تروق لي كما يروق لي ” عجيز الإنجليز”. وأراها حتى في صاحبة يوسف التي دعت سيدات المدينة ليشهدن معها ما تشهده من افتتانها بسيدنا يوسف. وأراها في شراء الملايين لرحلة اليزابيث جلبرت ” طعام، صلاة، حب“، وأراها في تطييب الخاطر اللاتي تجده السيدات في أغنيتي ” ملعون أبو الناس العزاز” و ” مش مسامحة” لنوال الزغبي، رغم إن المستمعات قد لا يكن بالضرورة من جمهورها.

أتلمسها في كتاب شوندا رايمس، مؤلفة ومنتجة جرايز أناتومي وهاو تو جت أوي وذ مردر، عن رحلتها لسنة كاملة معنونة بـ ” سنة القبول“. قبول المغامرات والتحديات وحتى الأفعال البسيطة التي كانت تواجهها دائماً بالرفض. أتلمسها أيضاً في صوت فاطمة لوتاه الهادئ الدافئ في بودكاست ” أنا كفاطمة“، وتغمرني كمطر مع بسمة وبودكاست ” رفاق“.

أبحث عن رفقة النسوة للنسوة بكل أشكالها. الصريحة والمستترة وحتى المُتخيّلٓة. أنا الباحثة، وأنا المتلقّية. ومع الوقت، أدركت أنني بت أمثل ” رفقة نسوة” لأخرياتٍ أصغر مني. وأن الكرم الذي غمرنني به النسوة في حياتي، دفعني أنا أيضاً لأن أعطي من تجربتي. وبمجرد أن انتبهت لهذا النمط، راق لي أن أصيغ عطائي بناءً على قاعدتين صاغت عطاء الأخريات لي.

١- الرفقة تأتي عبر المشاركة. المشاركة تأتي بالتدريج. تُكتسب عبر الوقت ولا تُستحق بمجرد الطلب.

لست شخصيةً عامة. لا أظهر في المجلات وليس لدي منبرٌ أتوجه عبره للجمهور. رفقتي تأتي عبر تقديمي النصح والإرشاد لمجموعة من النسوة الأصغر عمراً، أقل خبرة، أو ببساطة يقبلن على تجربة جديدة قد مررت بها، بغض النظر عن المرحلة العمرية أو العملية اللاتي وصلن إليها.

ولأن طريقتي في تقديم الرفقة حميمية وشخصية، أحتاج أولاً أن أعرف الرفيقة الجديدة. هل مستعدة للتعلّم، أم أنها تقاومه كما كنت أقاوم في سنواتي الأولى بعد الجامعة. هل تدرك أن المساحة التي أقدمها لها من حياتي هي مساحة عزيزة ولا أقدمها للجميع، أم أنها ترى هذه المساحة دردشة وتسلية بين أصدقاء جدد. دليلك في هذا مدى الاحترام التي تبديه الرفيقة لوقتك ولنصائحك. استئذانها برسالة مثلاً قبل أن تتصل عليك. قراءتها لكتاب نصحتها بقراءته. رجوعها لك أثناء الأوقات المفصلية في حياتها، وعودتها بالأخبار الطيبة لتعتزي بنجاحاتها.

بالطبع الأمر لا ينطبق على أولئك النسوة اللاتي قدمن تجاربهن من منابر عامة، وإن كن يحتجن أيضاً- كما أرى- لمراجعة دقيقة لما هو شخصي فعلاً، ولما يمكن مشاركته في العلن. مثلاً، حديثي الآن هو علني، قد يتقبله البعض ويرفضه البعض الآخر. أحتاج قبل أن يصل إلى يد الجماهير أن أراجع تفاصيله، هل هي فعلاً تفاصيل لا أمانع أن يطلع عليها الجميع؟

٢- إن التمست رفقتك سيدة، لا تتركيها لخيبة الأمل.

خيبة الأمل عند طلب المساعدة مرّة مرتين. المرّة الأولى لأن طلب المساعدة صعب، ويتطلب شجاعة ما في كثير من الأحيان. وعندما يُقابل الطلب بالتجاهل، فأنت تخذلين هذه الشجاعة وتطلبين منها التراجع. والثانية تأتي لأنها أتتك وهي تفترض فيك حسن الرفقة. الأخوّية النسائية. وردّها يضعف إيمانها بهذه الأخويّة أو يقتله.

إن لم يكن لديك القدرة على المساعدة، اعتذري، ولو بعد حين. المهم أن يصل الاعتذار، وألا تكون نهاية القصة ” لم تحصل على أي رد”.

من اللقطات المضيئة في حياتي كانت عندما رددت على فتاة راسلتني لطلب الاستشارة ورددت عليها رداً سريعاً أعدها فيه بالعودة وترتيب موعد معها لانشغالي وقتها. ثم مضت الشهور، والسنة، ولم أعد للاتصال بها. وكلما تذكرتها، شعرت بالضيق وتأنيب الضمير. وذات يومٍ أخضر، فكرت بأنني سأتصل بها وأعتذر، وإلا ظللت العمر بأكمله أصم نفسي بالتخلّي عمن طلبتني في وقت ضيقتها. واتصلت بها فعلاً، وتحمّلت مسؤولية الإخفاق كاملة بدون أعذار، فإذا بها تقبل اعتذاري بقلبٍ رحب، وتطمئني عن أخبارها الطيبة، وتذكر لي أنني رددت عليها في وقتها بينما كانت تنتظر الرد من جهاتٍ أخرى ولم يأتِ مطلقاً. ومن هنا بدأت رفقتنا من جديد.

تسلم لنا الرفقة، ونسلم لها.

___

* الرسمة لفنان روسي معاصر اسمه أندري كوْن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s