سنوات الريبة. وشجرة الياسمين.

بدأت في قراءة كتب عن حياة العمل المستقل بعد تخرّجي من الجامعة. والجامعة التي أقصدها ليست الكلّية التي ارتدتها لأربع سنوات بعد الثانوية، وإنما الشركة التي التحقت بها بعد ذلك، وكانت تجربتي الجامعية الحقيقية.

بعد تخرّجي، كنت أشعر بأني أريد أن ” أختبر” أشياءً أكثر. أريد أن ” أرى” و ” أبدأ” أشياءً أكثر. كنت متحمّسة حماس منتصف العشرينات، بدون أعرف بالضبط ما الذي أود أن أكونه.. ولكن الرحلة نفسها تكفي.

بعد شهور من استقالتي، كلّمتني صديقة عن شركة للخدمات الإبداعية والتسويق، تبحث عن مستقلّين لتنفيذ مشاريعهم مع عملاء جدد، وسألتني إن كنت مهتمة لتمرر رقم هاتفي لصاحبة الشركة. قلت أنني مهتمة ” جداً”. وبعد أيام قليلة اتصلت بي السيدة التي كانت في عمر مقارب لعمري، ودعتني لأزور مكتبهم لنتفاهم على ما يمكننا العمل عليه.

كانت الزيارة طيّبة كثيراً. أو يمكن لم تكن طيّبة. أكيد أنها لم تكن طيّبة. ولكنني في ذلك الوقت رأيتها زيارة ممتعة. مكتب مطل على منظر جدّاوي فاتن، بواجهات زجاج عملاقة، وممتلئ  بطاولات لم تُشغل بعد. كلهم شباب.. مثلي.. يستكشفون ويتعلمون. اتفقنا على عدّة مهام في نفس اليوم، وبدأت فعلاً العمل معهم كمستقلّة. وكانت هناك إشارات صغيرة، صغيرة للغاية، تحذرني من أشياء في تعاملاتنا.. ولكن قررت تجاهلها. لم أدقّق والشغل مستعجل؟ انتقلت لي حالة الإحساس بالطوارئية، بالإضافة إلى الحلم الأخضر، حلمهم هم الذي لم يطلبوا مني أن أؤمن به أو أنتمي إليه، لكني شعرت بأنني جزء منه.. فقدمت لهم العمل بدون حديث عن المقابل المادي.

طلبوا العمل خلال وقت قصير، وقدّمته. وبعد يومين عادوا للاتصال بي، وأخبروني بنتيجة العمل السابق، وعرضوا علي العمل معهم على مشروع آخر. وكان جوابي بالإيجاب. إيجاب متحمّس أيضاً.

أولويّتي وقتها، كما كنت أقول لنفسي، هو أن الفلوس لا تهم. أريد العمل مع أناس طيبين على مشاريع ممتعة وبدون ضغط. بعد انتهاء المشروعين، فكرت أن علي أن أقدّم فاتورة من نوعٍ ما. وبعد تفكير كانت 9000 ريال، والرقم كان طيّب ومعقول. لازلت إلى الآن أرى ذلك. خصوصاً أنني كنت أعرف أسعار السوق، وراعيت أنني لم أقدم العمل إلى العميل مباشرةً، بل عن طريق وسيط، وأحتاج أن أراعي وساطته. القصة، باختصار، انتهت بأنني لم أحصل منهم على مقابل للعمل.


ليست هذه النهاية هي ما يجعل قصة عملي معهم يستحق الذكر. إنما كون هذه السيدة، وعملها، كان أوّل الخيط في عدّة تعاملات مع آخرين لم تنته كما بدأت. كنت أفترض حسن النية من ناحية، وأفرّط في اهتمامي بترتيبات أخرى من ناحية أخرى. واستمر الحال كذلك لما يقارب السنة أو أكثر قليلاً. في النهاية، كل افتراضاتي السابقة التي كنت أدرجها تحت مسمّى ” حسن النيّة” تحطمت إلى شظايا. يبدو أنني كنت طيّبة كثيراً، وأن ممارستي لهذه الطيبة هي سبب الأذى. عليّ أن أتوقّف.

ووصلت إلى مجموعة من الخلاصات الجديدة المنفصلة- بعض الشيء- عمّا تعوّدت عليه وما أعرفه عن نفسي.

الخلاصة الأولى كانت: ” ما صديقنا إلا أنا”. وهذا يعني أنني لست مستعدة، ولست راغبة، أن أفترض أن علاقات العمل ممكن أن تؤدّي إلى صداقات من أي نوع. صداقاتي ودائرتي الاجتماعية، ولله الحمد، مُرضية للغاية، وأي افتراض أن العمل ممكن أن يقدّم ناس جيّدة إلى حياتي الخاصة هو افتراض يقودني بالتأكيد إلى خيبة الأمل، إن لم يكن أكثر من ذلك.

الخلاصة الثانية كانت: ” ليس هناك حسن نيّة ولا سوء نيّة في العمل”. هناك تحديد واضح وصريح لحقوق الأطراف المختلفة. إن ذهبت إلى اجتماع أوّلي وكانوا في عجلة من الأمر و ” محتاجينه أوّل أمس”، أكون منفتحة للعمل فوراً، بمجرد أن يصلني إشعار وصول الـ 50% من المبلغ الذي اتفقنا عليه. ماذا عن أن المبلغ يحتاج موافقة الإدارة العليا؟ ماذا عن أن الرئيس التنفيذي على سفر؟ ماذا عن أن نظام الشركة يقتضي دفع الفواتير كاملة خلال 90 يوماً؟

ليست مشكلتي. هناك العديد من الشركات الأخرى التي ستتفاهم مع هذه الأسئلة. أنا لا أبدأ العمل دون أن أحصل على 50% من المبلغ.

الخلاصة الثالثة كانت: ” ماني مستعدّة”. لست مستعدّة لأن ” أتعاون”. لست مستعدّة لأن ” أتعرّف”. لست مستعدّة لأن ” أتفاعل” مع الكميونتي. لست مستعدّة أن يكون عندي ” كميونتي” من الأصل.

أكملت أربع سنوات على هذا الحال. أسمّيها الآن ” سنوات الريّبة”. خلال تلك السنوات، لم يكن يهمّني كونك عميل مهذّب و ” ابن ناس”، أو العكس. ما يعنيني هو أن تحصل على حقّك وأحصل على حقّي. وأن هبّات الهواء الطيبة، والمشاركة الحلوة مع الآخرين ليس مكانها العمل، وأريد أن أغلق شبابيكها تماماً. خصوصاً أنني قد رزقت ولله الحمد بأناس عملت معهم في فترة سابقة (أثناء وظيفتي)، يشاركوني الرحلة وهموم الطريق. لا أحتاج أكثر من ذلك.

وفعلاً خلال تلك السنوات، نجحت في الانفصال بمشاعري وطيبتي عن العمل. عميل جديد، مثلاً، طلب مني أن أتقدّم له بعرض عمل. وفعلاً قدمت اقتراحاً مفصّلاً للعمل. ردّ علي منفعلاً وكأنما كان العرض إهانةً شخصية لكرامته. كيف أجرؤ على وضع هذا السعر، وهل أظن أن باستطاعتي الضحك عليه؟ تركت رسالته لأيام، ثم عدت لأقول له بأنني أفهم المكان الذي ينطلق منه، وأشكره على الرد. وأنني أقدم له خياراً ضمن مجموعة خيارات السوق، فإن لم يناسب الخيار ميزانيته، أستطيع أن أوصي بمستقلّين آخرين يمكنهم العمل حسب ميزانيته. وبعد يومين أتاني رده بأنهم مستعدّين للعمل معي، وأنه سيحوّل نصف المبلغ الآن. وفعلاً عملت معه، واستمررت في عملي معه لعدة مشاريع قادمة بعدها.

على صعيدٍ آخر، كنت أعمل مع عميل استثنائي في تهذيبه ومروءته. عملت معه أكثر من مرة، وفي كل مشروع جديد، أتعامل معه مثله مثل أي عميل آخر. ليس لك عندي شيء. الكل متساوي. وكنت أرى المفاجأة على وجهه عندما يرى تشددي في تفاصيل يُفترض أن تذهب مع العشرة الطيبة. هذه المفاجأة الصامتة كانت تنغزني في كل مرة، لكني أتجاهل النغزات، وأتذكر أنه قد يكون يتعامل بحسن النيّة، ولكن أنا من قرر تركها.


بعد الخبرة الكافية، سنحت لي الفرصة أن أراجع مواقفي. وبعد أن أخذت هذه الصلابة مجراها، عدت- والحمدلله- إلى رُشدي.


ولأن التلميذ عندما يستعد، يظهر المعلّم، اطلعت في نفس الفترة على كتاب ” Give and Takeلآدم جرانت. وكنت قد شاهدته لسنوات دون أن أفكر في شرائه لأنه (مثل غيره من كتب تطوير الذات، كلام عن العطاء والكرم وما إلى ذلك، وأنا ما أبغى). ولكني اشتريته أخيراً وبدأت في قراءته.

تفاجأت في الحقيقة بكل تفاصيله. كيف يضبط مسألة ” النوايا الحسنة”. كيف يقسّم الناس لثلاث مجموعات رئيسية.

المجموعة الأولى هي مجموعة المعطاءين. الـ Givers.

المجموعة الثانية هي مجموعة المُعادلين/ الوسطاء. الـ Matchers. إن تعاملت معهم بالطيب، ردوا بالطيب. إن تعاملت بغيره، ردوا بغيره.

والمجموعة الثالثة هي مجموعة الآخذين. الـ Takers.

لا يمكنني أن أعطي الكتاب حقه من الثناء. ولكن الشاهد هنا، أن الكتاب أورد دراسة عابرة لأداء مجموعة من القطاعات (المبيعات، الأطباء، المهندسين…) لتقرير أي المجموعات ينتمي إليها أقل الناس أداءً. النتيجة كانت أن المعطائين، أصحاب النوايا الحسنة ممن بذلوا الجهد والوقت في مساعدة غيرهم، هم أقل الناس أداءً عبر القطاعات المختلفة.

عادت الدراسة لتقرر أي المجموعات ينتمي إليها أفضل الناس أداءً. أي المجموعتين الباقيتين تتوقع؟

المعطاؤن ظهروا أيضاً هنا.

الكتاب يعزو ذلك إلى أن هناك نوعين من المعطائين. هناك المعطاء الذكي. وهناك المعطاء.. اللي لك عليه.

المغفّل.

المعطاء- بشكل عام- يفضّل العطاء على الأخذ. في مقابل تركيز الآخذين بمصالحهم وتقييم ما يمكن أن يقدمه الطرف الآخر لهم، وانشغال الماتشرز/ المُعادلين بحساباتهم، يركز المعطاء على مساعدة الآخرين. المعطاء الذكي لديه ميزان لتقييم عطاءاته، في مقابل المعطاء الآخر الذي يفرّط في كل شيء لظنه أن العطاء بلا حساب هو الأصل.

ماهو ميزان تقييم عطاءاتك. ألا تفرّط في حقوقك، في حدودك، مقابل مساعدة الآخر. مساعدة بالوقت، بالطاقة، بالمهارة، بالمعرفة، وحتى بالمال، يجب ألا تضّرك، كي تنفع غيرك.

والحل، إن جعلتك قلة خبرتك وتربيتك المحميّة من النوع الثاني، ليس في أن تتحول إلى مُعادل. كما فعلت أنا خلال سنوات الريبة. بل أن تتحوّل إلى ممارسة عطائك بذكاء. لا تحتاج لأن تنفصل عن ذاتك لتنجح، أو تحمي نفسك من الأذى.

وهذا ما فعلته معي سنوات الريبة. تركت طبيعتي الأصلية محصورة في محيط حياتي الشخصية فقط. وهذا يعني أنني تخلّيت عن جزء أساسي، بُعد أساسي، من شخصيتي. أغفلته ودفعته للإنزواء. تجربة مُرضية، ولكن لا أرضى بأن تستمر لحياة كاملة. خُسارة أن تستمر لحياة كاملة.

خلال السنتين التي مضت، جرّبت أن أكون المعطاء الذكي. أن أعطي بلا حدود، ضمن الضوابط التي أضعها لنفسي، والتي لا علاقة لرأي الآخرين، ونصائحهم، بها. أن أمارس الكرم، وحسن الظن، والنوايا الحسنة التي تحمّل الجو بعطرها الثقيل كشجرة ياسمين عملاقة في ليلة صيف غاب عنها النسيم.

وإن خُيّرت؟ أختار دائماً شجرة الياسمين. مع كل الحب، والتقدير، والامتنان.. لريبة تلك السنوات.

 

One thought on “سنوات الريبة. وشجرة الياسمين.”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s