أنا. مصممة أزياء.

في مرحلة ما من حياتي كنت شريكة في علامة تجارية لصناعة الأزياء. بدأناها من الصفر. أنا وصديقة العمر. ثم وضعناها على الرف لأسباب شخصية لاعلاقة لها بالعمل. وأعني بذلك أن العلامة نجحت بشكل جيّد. وبيعت بالكامل المجموعة الأولى والثانية من القطع. ولم ننتج الثالثة.

قبل أيام كنت أتحدث مع شركة ما لأقدم لهم خدماتي. وكان الحديث الأوّلي مبشراً، خصوصاً أنّه يتعلّق باتجاه جديد أستكشفه مؤخراً وأودّ- إذا ربنا راد- أن يكون جزءاً من هوّيتي المهنيّة خلال السنوات القادمة. المهمّة التي تحتاجها الشركة، وكان الحديث عنها، تتطلّب- كما رأت السيدة التي أتحدث معها- معرفةً جيدة بتصميم الأزياء. ولأن ثلاثة أرباع المشاريع التي آخذها في حياتي تشتمل على مهمّة جديدة لم أكن قد أدّيتها قبلاً، فقد تلقّفت السؤال بعادية، وأحلتها إلى مجموعة مشاريع (صحيح مافيها تصميم أزياء) ولكنها تخدم الغرض نفسه ويتضح فيها قدرتي على التعامل مع الأمر.

بعد انتهاء الاجتماع بساعات، تذكرت. مش أنا كان عندي كذا؟ ومن كان مسؤولاً عن اختيار الأقمشة ورسم الموديلات وتأسيس المجموعات؟ أنا! شريكتي الغالية كانت تشاركني الرحلة، تختبر بأصابعها الأقمشة، وتجرّب الأفكار على نفسها أولاً لأنها إن لم تقتنع بالموديل فغالباً لن تستطيع أن تبيعه للآخرين.

التصميم كان جزءاً هامشياً من الأمر. الأصل كان أنني رأيت فجوة في السوق، فهالله هالله، خلينا نعبّيها.

كيف الإنسان يتغيّر؟ يكبر؟ يرى جزءاً آخر من الفيل لم يكن بمقدوره رؤيته؟

المهم أنني عدت لأتحدث مع السيدة اليوم وذكرت لها الأمر الذي ” غفلت” عنه وضحكنا ضحك طفلين معاً. هه. أرسلت لها صور التصميمات وتلقتها بصدر رحب.

أقدّم من وقت لآخر استشارات لأصحاب الأعمال التجارية الصغيرة. هناك نمط متكرر يظهر في أغلب الأحاديث مع مقدمي الخدمات: أشعر بإني لا أدير عملاً تجارياً، وكأن ما أقدمه تسلية مؤقتة مش ” بيزنس محترم”.

ردّي على هذا النمط له عدة محاور وعلى عدة مستويات تتناسب مع الطبيعة الشخصية/ العملية لمن أتحدّث معه. لكن هناك أمر جوهري أصرّ على البدء به: آخر خدمة قدّمتها كانت لمن؟ واتحوّلت لك الفلوس في البنك ولا لأ؟ السنة الماضية تعرف كم مبيعاتك؟ ومهما كانت الإجابة، أتبعها بـ: خلاص هذا واقع لا يمكنك إنكاره. السوق قال أنا مستعد أدفع لك فلوس عشان خدمتك. هذا يعني إنك تجارة، شئت أم أبيت. كل الكلام الثاني يتعلق بإدارة صوتك الداخلي، نظرتك لنفسك، ومجموعة من الخطوات اللي تسمح لعملك أن يُدرّ عليك دخلاً منتظماً يمكن التنبوء به.

أدركت اليوم أنني أحتاج لمحاضرة من هذا النوع.

الواقع الذي لا يمكنني إنكاره هو أنني ” مصممة أزياء”. الإدراك الذي لم أتحكم فيه بعد ينظر إلى الجملة السابقة ويهزّ رأسه. يطلب مني إني ” ما أصدّق نفسي”.

هذا وأنا لا أضع بيني وبين التصميم- على الأقل بشكل واعٍ- حدوداً عالية. لا أعتقد، مثلاً، أن مصممي الأزياء هم درجة أعلى قليلاً من البشر. ولا أتمنى أن أكون مصممة أزياء لكنّي، أووه، لست مؤهلة لذلك. كل مافي الأمر أن الواقع (كوني مصممة أزياء) يتنافى مع صورتي الثابتة التي أعرفها جيداً عن نفسي. والصورة، إن لم أقم بتحريرها وتعديلها، يمكن أن تنتصر على الواقع.

ثم إن عقولنا شاطرة جداً في إيجاد مبررات تخدم الصورة. أعترف أنني وأنا أكتب ما سبق منعت نفسي قسراً من أن أضيف ” كنت” إلى وصف مصممة الأزياء. العقل يريد أن يقول أنك كنتَ كذلك. هذا ليس مبرراً لأن تسِم نفسك بهذه الصفة وتكركب علينا الصورة المسبقة. لندّعِ أنها من الماضي، وكونها ماضٍ لا يسمح لك بأن تضيفها إلى قائمة مايمكنك فعله.

أو. أو. هل تريد أن تقول أنك مصمم أزياء، وتضع نفسك في نفس قائمة زهير مراد وإيلي صعب (أحترم الاثنين ولكن جمالياً لا أجد ما يلفتني في أعمالهما إلا فيما ندر). تصاميمك كانت تجارية بحتة. لذلك دعنا ندّعِ أنها لم تكن تصاميم من الأصل، كل هذا كي نحتفظ بسلام الصورة المسبقة عن نفسك. أنت. لست. مصمم. أزياء.

ولذلك، رغماً عن قناعاتي الحاليّة، وعن اعتقاداتي وصورتي عن نفسي ورغماً عن تغميضة العينين بقوة والشعور الـ cringe بأني أصف نفسي بما ليس فيّ وبما لا أحتاج من الأصل أن أدّعيه: أنا مصممة أزياء.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s