Where Do the Children Play

كيف نحافظ على ثورية الأفكار التي تتسلل إلى وعينا الساهي؟

عندما تستيقظ في منتصف الليل. تمدّ يدك إلى الكرّاس والقلم على الكمودينو. تدوّن الحلم قبل أن يطير من بين يديك، ثم تتوقف للحظات، قبل أن يكمل القلم رحلته وتكتب خلاصة ما عن حياتك، في تلك اللحظة الغافية اليقظة.

متابعة القراءة Where Do the Children Play

😒 😖 😤

اليوم قررت الاستسلام للروتين الجديد الذي يطالبني به يومي.

منذ أسابيع وأنا أقاوم. آكل وأنا لا أشعر برغبة في الأكل لمجرد أن وقت الفطور قد حان ولا أحب فكرة الفطور المتأخر. أبدأ عملي وعقلي يطلب مني أن أعطيه وقت أطول قليلاً ليتفاهم مع الدنيا من حوله. أستهلك مواداً متخصصة وأنا أميل لغيرها لأنني في العادة أرغب باستهلاكها.

متابعة القراءة 😒 😖 😤

لا أجندة هاهنا

قهوة. نهار متأخّر يتسّرب ضيّه بلا عجل من بين الستائر. أغانٍ حلوة وطيّبة. وصحبة أحبّها، نتونّس مع بعضنا بالرفقة الهادئة الصامتة.

الجو معتدل بدون مكيّف. تأتي من السيب المجاور رائحة الكيكة من الفرن. تتناغم مع رائحة البخور التي لازالت عالقة بأطراف الجدران من أمس.

أعرف أن في الجنّة مالا عين رأت، ولكن عيني ترى جنّة الدنيا في هذه اللحظات.

عندما أتوقف عن انشغالي بالدنيا. عن المطالبات والخطط والأولويات وحتى المعاني والسعي الجميل لحياة ذات قيمة. صلينا وذكرنا الله، كما تقول خالتي الكبرى حفظها الله وأطال في عمرها، وبقي أن [ نكون ] بدون أي أجندات أخرى. حُيّزت لنا الدنيا ولم نعد نُلقي لها بالاً.

ويكَ عنترُ أقدِمِ

خلال الأسابيع الأولى من وظيفتي الأولى اشتكيت لمديري أنني لا أعرف ” قواعد” العمل. قال لي مطمئناً بأن أدائي جيّد كفاية، ولا داعي للقلق. وأن القواعد وُجدت لكي تكسر. قلت له، يإخلاص الطالبة المُجدّة، بأنني أحتاج أولاً أن أعرف القواعد كي أستطيع كسرها. ضحك كثيراً واعتبر ردي ماكراً. ولم يكن كذلك.

متابعة القراءة ويكَ عنترُ أقدِمِ

ناحية سُهيل اليماني

وكأنني أطارد هبّة ريح. ذكيّة وقادرة وذهبية. لست قادرة على الإمساك بها. هي في السماء وأنا على الأرض. تهبّ. وأنا أركض وراءها. أريد أن أحبسها بين يديّ لثوانٍ فقط، كي أفهم ماهيّتها، وبعدين أعود لأطلقها كي تروح لنصيبها. لكني لا أعرف. لازلت أركض. ولازالت هي تهبّ.

في اللحظة التي هبّت على سمائي، رأيت لمحة منها. لمحة عن التدوير. عن تحويل الخطوط المستقيمة المتجهة إلى الشمال إلى دوائر تدور وتدور، وتعطي ظهرها دائماً لوجهتها. هل تفهمين من هذا شيء؟ لا؟ وأنا كذلك. يمكنك إذن أن تشاركيني بعض الإحباط الغاضب الذي أحسّه. ويا ليت الأمر اقتصر على الغضب. بل غالباً ترتخي أكتافي نزولاً إلى الأسفل، وتكتسي سمائي بلونٍ كابي حزين.

أستمع إلى أغنية وصلت إليها بالصدفة، الورد والفل لمحمد مرشد ناجي. لا أفهم ٩٠٪؜ منها، بالتأكيد سأفهمها لو ركزت قليلاً، ولكن صوته يقدّم لي ملاذاً من دفقات أفكاري المتضاربة، ولا أريد لمعاني الكلمات أن تقاطع هذا الاستناد.

إليزابيث جيلبرت في كتابها “ السحر الكبير” تتحدث عن حديثها مع أحد كتّاب الأغاني المشهورين. لا أتذكر اسمه. لكنها تقول أنه عاش حياة الفنان المعذّب الذي يبحث عن الإلهام، وينسى عذاباته أحياناً عندما يرى قعر الكاس. في مرحلة متقدمة من حياته، ربما في ستينياته، اكتشف أنه لا يحتاج إلى مطاردة أفكاره. ذات يوم كان يقود سيّارته على الطريق السريع، وإذا بفكرة ما تصل إليه. بدون قلم وبدون ورقة، لم يستطع الإمساك بها، وباتت تهدده أنها ستتركه وتذهب. فجأة عصّب. قال لها: ألا ترين أنني مشغول؟ ألا ترين الطريق؟ لذا من فضلك، إما أن تنتظري لوقت أنسب، أو اتركيني واذهبي لشخص لديه القدرة والاستعداد لاستقبالك فوراً. لن أظل تحت رحمتك. أو هكذا قال.

أفكّر في هبّة الريح وأقول لنفسي ربما عليك أن تقولي لها كما قال لها ذلك الفنان على الطريق السريع. عقلك الباطن استقى كونها هبّة ريح من هذه الحكاية أصلاً. لكن ليس لدي ترف أن أتركها وأمشي. قد قلت لكِ أنها هبّة ريح؟ وأنّها قوية وذكية وقادرة وذهبية؟ هل تأتي هذه الزائرة بسهولة؟ ماذا لو أن لديها شيئاً مهماً تقوله لي؟ ماذا لو أن في رسالتها الوسَع والترف والبراح؟

قاب قوسين. لا أكثر.

أحيانا تتفقون في كل شيء. الحب موجود، الضحكات موجودة، السند والرفقة كذلك. لكن تختلفون على عمق العلاقة. أنت تريد أقل، ترتاح مع الأقل، هو يريد أكثر، لا يرغب سوى بالأكثر.

لا تستطيع أن تفي بما يريد. لا يقبل ألّا تفي بما يريد. فتنتهي الصحبة، ويعود كلٌ منكما إلى مكانه، خالي الوفاض من الودّ الذي كان يعدكما بمظلّته للعمر.

لا تلمه. واكتفِْ بالأوقات الحلوة الطيبة التي وهبّت لكما عندما كنتما على هذا الوفاق. قبل أن يفرّق العمق بينكما.

اسمه موجود

أبو بنات خالتي. المعزَة التي يعبّر عنها هذا الوصف أكبر بكثير من أي معزّة أخرى يمكن أن يصفها وصف ثاني.

أبو بنات خالتي الذي توفّي في حادث قبل أن آتي إلى هذه الدنيا. في ليلة السابع والعشرين من رمضان.

أسمر. ويحب الإلكترونيات. يفكك ويصلح ويتعامل مع الصناعة الداخلية لكل الأدوات وكأنها مدن يعرف تفاصيل طرقها جيداً.

وكان يضحك ويهز رأسه كلّما صبّت عليه سيدة من سيدات العائلة الكبار، يُفترض أن تكون بمقام خالته، سلسلة من الكلمات اللائمة التي لا تهدف لشيء واحد. ليس وراءها غرض سوى تنفيس الغضب من هذا العالم. وهو يتلقاها بصدره وبين ذراعيه، ويضحك.

ويقول للآخرين، ومنهم والدتي: معليش مسكينة مسكينة.

كيف يمكنك أن تتلقى كل هذا اللوم، صباحاً ومساءً، تضعه في جيب الصدر وتربّت عليه، فيتحول بحنّيتك إلى عصفور؟

لا يمكنك أن تعرف أنك ستذهب سريعاً، وأنها ” مش مستاهلة”، ولّا يمكنك؟

أبو بنات خالتي الذي مات في أوّل ثلاثينياته. الأسمر الحبيب واسع الصدر. الضاحك المبتسم للعذّال. اسمه موجود.

قال بن هاشم

أحب وأحترم أن الحل الذي تقدّمه أنغام لـ ” وإن شاوروا وقالوا عليك طيّب“، لا يتعامل ” معهم” بأي حال من الأحوال. لا تنصح بأن يصدّهم، ألّا يصغي لهم، أن يقول لهم ما يستحقون سماعه.

هي أيضاً لا تهرع مدافعة عنه أمامهم. لا تطلب منه أن يترك لها أمرهم وهي ” حتورّيهم”. أبداً.

تقول له: ” خلّيك هنا من قلبي قُريّب”. هذا هو الجواب. لا تعترض التيارات الدافقة، لا تشغل نفسك بها. تشبّث بقرب محبّيك، وتمسّك بحقيقتك التي يعرفوها عنك وإن غابت في مجاهيل دواخلك.

المهم أنني قبل قليل أنهيت جدولاً أعمل عليه منذ بداية النهار، وأشعر بأنني علي الأقل أزحت حجراً عملاقاً من طريقي، ولن أفكر في بقية الأحجار اليوم. خصوصاً أن عندي شعور مسيطر بأن اليوم هو الخميس، وغداً إجازة. كلما تذكرت أن باقي لي يوم آخر قبل أن ينتهي الأسبوع أستطيع فيه أن أكمل باقي مهامي، أتنفس الصعداء.

بالأمس صدرت رواية كورمرن سترايك الجديدة. لا أتذكر أنني كنت على هذه اللهفة بانتظار رواية سوى في الصف الثاني المتوسط، عندما قرأت الجزء الأول من رواية ليوسف السباعي، واضطررت أن أنتظر سنة كاملة، سنة كاملة ياربي، حتى تأتي لي ابنة خالتي بالجزء الثاني من مصر في الإجازة الصيفية، لم تكن متوفرة في السعودية.

بالطبع انتظاري اليوم هادئ وعلى رواق، ولكن فيه لهفة لازالت. ابتعتها، وكنت قد وعدت نفسي أن أراقب النسبة التي تظهر في هامش الكيندل، وتقول لك كم قرأت من الرواية. قلت أنني في كل يوم سأقرأ ٥٪؜ كي تظل معي أطول وقت ممكن. ظهرت الرواية من الباب، قفز الوعد من الشبّاك. مع التأنّي والحرص، الرقم الآن ١٧٪؜. بل إني أكتب هذه التدوينة كجزء من خطة إطالة الوقت الذي أقضيه مع الرواية هذه الليلة.

جدّتي لوالدي، رحمها الله، كانت شاعرةً عذبة اللغة ومعانيها تمس القلب. أحمل أبياتها معي أحياناً كتميمة تحمي أيامي. لا أختار ما أحمله، يتشكّل البيت قدّامي بدون اختيار. هذه الأيام البيت غريب في بساطته، لا يعني شيئاً غير معتاد وعادةً أبياتها تحمل طبقات من المعاني. بل هو شطر بيت. لكنه يؤثر فيّ، وأتلمّس نتوءات حروفه كقلادة.

قال بن هاشم دعيت المعتلي يرحم عباده.

يارب، يارب. ارحم عبادك.