شجر الرّمان (٢)



الجزء الأول هنا.


٦ مارس ١٩٦٨

بعد منتصف الليل. 

الباحة في الليل مثقلة بالورد. لا برائحته، بل بوعوده وأمانيه. 

تودّع زينب آخر ضيوفها بودّ وبالحلفان أنها ستردّ الزيارة قريباً، تلتفت بعد أن تغلق الباب لتطلب من أم سالم لمّ الفناجين المتبقية في السطح.

تتفحص الساحة بنظرة تبدو سريعة متفحّصة، لكن المناظر تمر بالحركة البطيئة أمام عينيها. تهزّ رأسها لتنفض أفكاراً لا ترحّب بوجودها، وبدلا من أن تجلس لدقائق أو لساعات بجانب شقائق النعمان، تتجاوزها بنفس السرعة. تدخل غرفة صفيّة بدون أن تدقّ الباب المردود.

تجدها جالسة على طرف السرير. تجفل قليلاً لرؤيتها. يستفزها ويقلقها التوهان الذي تعيشه أختها الصغرى. ألم يحن الوقت ليشتد عودها وتستجمع أمرها؟ لم تعد صغيرة، قريباً تصبح زوجة وأم، ربما.. 

ستفضحنا عند الرجل. ابن العمّة المحنّك الذي تزوج قبلها مرتين. أتظن أنه سيتحمّل سرحانها الطويل يوماً بعد يوم؟ 

وبدون إنذار، يتصاعد الدم إلى رأسها. من يظن نفسه؟ نزوجه صفيّة وهي في عمر ابنته. يحمد الله على النعمة، وإن ظنّ أنه يستطيع أن يوجّه لها كلمة لوم واحدة، فستقف هي في وجهه. هذا إن قالت لها الخائبة ما يجري بينهما. تكاد تحلف أنها ستتحمل منه الكلام الجارح دون أن تقول لأحد. وكأن لا ظهر لها. 

تسيطر على تيارات الغضب. لم يحنّ وقته بعد. تمدّ يدها وتنزع القرط الكريستالي من الأذن اليسرى، تميل بظهرها على التسريحة المقابلة للسرير، وتقول وعيناها مسبلتان، تدّعي الاسترخاء:

– حلوة أغاني الليلة.. 

– همم؟ جداً جدا.  

– لكنك كنتِ مشغولة قليلاً..

تفتح عينيها بترقّب، تنتظر الجواب. التقت العينان بالعينين، وساد صمت أطول بثوانٍ قليلة عما هو معهود. 

قالت: – يمكن. رأيت في المنام ما أقلقني. 

اقتربت بدون أن تشعر. توقفت أمامها: – خير؟ 

– حلمت بجدّي والمزرعة. 

وماذا أيضاً؟ 

– ما يدريني. أخشى أن يأتي الدور علينا قريباً. 

يا صفيّة تعوّذي من الشيطان. 

– زينب علينا أن نستعد، لا يمكننا ترك مصيرنا بأيديهم. خوّانين. 

ماذا تقصدين؟ تريدين السفر؟ 

– لا أريد السفر. لكني أريد أن أستعد إن أُجبرت على السفر. فتحت الخزينة… 

صاحت بدون أن تقصد: 

فتحتِ الخزينة! أجننتِ؟ ماهذا المنام الذي رأيتِه؟!

– هصص. نعم فتحتها، وأخرجت السندات والصكوك. وجوازات السفر. ربما نحتاج أن نتحرك على عجل!  

وماذا سيقول بن عمر؟ 

ردت صفيّة بعناد: وماذا سيقول؟ 

سيقول بأننا صغّرناه أمام أبناء العمّ والعمّات. سيقول بأننا اتفقنا من وراء ظهره وسرقنا الورث الذي أقنعهم..

– يكفيك يكفيك.. فتحتها لمصلحتنا جميعاً. لن نسرق حق أحد، سنحتفظ بها إن اضطررنا للخروج من البلد.

يعود الاثنين من البستان. ألا يمكنك انتظاره يومين ونرى مايقول؟

– يا زينب لا يمكننا الانتظار. ماذا لو قاموا علينا الليلة؟ ماذا لو أتت العساكر وحاوطوا البيت؟ 

سنهددهم ببن عمر. 

– بن عمر يأتي الاثنين. 

سكتت. لا يفاجئها إصرار صفيّة. لطالما صدقت رؤاها وكأنما حكمة الأهل على مدار السنين تجمّعت في مناماتها. ماذا لو صدقت الرؤى مرة أخرى. لا سمح الله. لا قدّر الله. 

أين وضعتها؟ 

– الجوازات في الخزانة. بقية الورق قسّمته بين حقيبتي وحقيبتك. 

وجواز أمك؟ 

– مع جوازاتنا. 

لا تتركي غرفتك مفتوحة إذن. كلما خرجت ودخلت أغلقيها بالمفتاح. الدار أمان لكن الشيطان شاطر. 

– طيّب. لا تخافي. 

– كيف لا أخاف؟

هذه المرة سكتت صفيّة. هزّت رأسها في تفاهم مشترك. وذهبت لغرفتها. في وسط الغرفة، توقّفت. فتحت كفّها، وحدّقت بالقرط البرّاق في وجوم.

قبيل الفجر

صوت يشقّ هدوء السَحر. ضربات عالية على الباب الكبير. تستيقظ مفزوعة وتشعر بمعدتها وكأنها تحمل الصخر. هذه نبؤة صفيّة لا شكّ. وما عندنا رجل يقف لهم. أنا الرجل. 

تنفض الغطاء الثقيل عن ساقها. تتحرك بلا تفكير، تغطي رأسها بالشال الذي ارتدته الليلة الماضية ليقيها من البرد، تخرج من الغرفة بدون أن تمسح عن عينيها أثر النوم. الباحة خالية، ولكن نساء الدار يتجمعن في الردهة البعيدة المؤدية للمطبخ. شيءٌ ما في تجمعهنّ يثير رعبها أكثر بكثير مما تفعله الطرقات المتتالية. أين سالم يا تُرى؟ ترجو ألا يمسّه الأذى. 

تصل إلى الباب. ومن وراءها تظهر والدتها، تحتمي باللحاف، وتتمتم مشدوهة: زينبصفية زينبصفية. تفتحه، فتمتد يدٌ جريئة فوراً من خلفه، قبل أن يظهر هو. يدفعها بغلظة ويقول: أيقظي ستّك. 

تعود إلى الوراء قليلاً قبل أن تستطيع الاتزان من جديد. في لحظة ما يتجمّع الفزع كلّه ليصبح غمامة بيضاء فوق رأسها، وتستبدله بالغضب، بالطبع الساخن الذي ورثته، فيما يقال، عن جدّها الأكبر. 

ردّت في حدّة: أنا ستّك، ابعد يدك وإلا قصّوها لك. ماذا تريدون؟ 

يشير إلى الرجال من خلفه، فيدخلون فناء الدار. يتجاوزون العشرة بالتأكيد. يقول:

– اعذرونا ما كان القصد. الوضع ليس آمناً لكم. أرسلوني لأنقلكم إلى الشمال ريثما تعود الأمور إلى طبيعتها. 

من أرسلك؟ 

– المحافظ. 

وأبو ابراهيم يرسلك هكذا في أنصاف الليالي؟ يدري عن درزينة الرجال وعن دكّ أبواب الناس؟ 

– كل هذا لحمايتكم، العذر منكم. 

سنرى ما القصد في الصباح. يزور الأهل المحافظة ويعرفون القصة. تفضّل أنت ورجالك من هنا.

– لا أستطيع يا سيدتي. هذه الأوامر وأنا هنا لتنفيذها فقط. 

إذن أوقظ المحافظ بنفسي وأتركه يتحدث إليك. لنرى كيف ستنفّذ الأوامر وقتها. تفضّل من هنا قبل أن… 

– لا أستطيع يا سيدتي، المعذرة. 

وبينما والدتها لازالت تتمتم باسميهما، وبينما لازالت صفيّة في غرفتها رغم كل هذا الضجيج، وبينما لم تتجرأ ولا واحدة من نساء الدار على الوقوف بجانبها، يتوزّع الرجال في صحن البيت. يفتحون الأبواب، يدخلون الغرف، يمسك أحدهم بمرفق والدتها ويدفعها إلى خارج البيت برداء نومها ولحافها، تمتد يد كبيرهم إليها، فما تدري إلا ويدها هي الأخرى ترتفع لتصفعه بظاهر كفّها. تمتد أيادٍ أخرى لتمنعها من الحركة، تصيح بأعلى صوتها، وتنطلق من فمها شتائم لم تكن تعرف قبلاً ما معانيها.

تخرج صفيّة من الغرفة وهي في حالة توهانها إياه، لكنها مع ذلك تحمل حقيبتين في يدها وتقول للجندي الذي يقودها: حقيبة يدي وحقيبة يد أختي، لا تتوقعوا منّا أن نخرج من البيت بدون حقائب؟ 

ماذا عن رداء النوم الذي يصل لنصف ساقي يا صفّو؟ تفكّر زينب. ولثوانٍ، أثناء مقاومتها الشرسة للأيادِ الحديدية، تظن أنها ستنفرط ضحكاً. 

ثم فجأة تنتبه إلى العويل الحزين الذي يصل إليها رغم كل الحوادث فيما حولها. أم سالم، تعقد يديها فوق رأسها وتنوح فيما يشبه الغناء: 

الويل الويل ياهلي. وين الرجال يا سالم؟ الويل الويل ياهلي. الويل الويل. 

ترتخي عضلاتها. تتوقف عن المقاومة. وتتركهم يقودونها مع أهلها لسيّاراتهم.

شوكولاتة رديئة. يوم شجاع.

تعدّ القهوة. تعود إلى مكانك المفضّل وتحاول الاسترخاء. تتذكر الرواية التي كنت تقرأها في أغسطس الماضي وتتساءل إن كان من المفيد أن تعيد قراءتها بعد مضيّ السنة. تأكل قطعة شوكولاتة من شوكولاين، أخذتها من درج الثلاجة، من بواقي عيد الأضحى. مغطاة بطبقة بيضاء رفيعة تعرف جيداً أنها زيت الشوكولاتة الرديئة (متى سنستيقظ ونتوقف عن شراء باتشي وشوكولاين؟)، ولكن تختار تجاهل الأمر.

تبدأ في ارتشاف القهوة. تكتشف أن طعمها يشابه في جودته الشوكولاتة. الله يكرم النعمة. لابأس، منبّهات تقودك إلى مكان مختلف عدا المكان الذي تود أفكارك قيادتك إليه. تفتح الكيندل على الرواية. الصفحة الأولى تنتظر عنايتك، وأنت مشغول عنها بنشر تدوينة كتبتها في ملاحظاتك. تعرف جيداً أن ” التجربة التدوينية” قد انتهى بشكلٍ ما وقتها معك. بنهاية أغسطس الأشياء التي كنت تريد فهمها، واختبارها وتمحيصها، حول النشر في الفضاء العام، قد حصلت عليها تقريباً. حان الوقت لتوجيه هذه الطاقة إلى أمور أخرى وإلى كتابة أكثر انتقائية. مع ذلك، الروتين يحكمك، خصوصاً أن أغسطس لم ينته بعد. نسخ، لصق، نشر.

ثم. سربرايز. بدلاً من أن تبدأ في قراءة الرواية، تعود لاستكشاف أفكارك. تتأمل في العبارة التي كتبتها في ساعات الفجر الأولى:

” تسلّقت الجبل. وصلت إلى مساحة مستوية من الأرض. تتلفت حولك، ما العمل الآن؟

تتنازعك الأفكار. والشكوك.”

وتسأل نفسك. طب وبعدين؟ ما فائدة أن يكون القلق هو الشعور المسيطر عليك؟ اللوم؟ الرغبة في السيطرة بدون ترك الزمام؟

كيف يمكن أن تكمل العبارة بطريقة طيبة؟ كيف تحيّد صراع الأفكار، وتعود بالشكوك إلى صناديقها؟

الرواية القديمة بداية طيبة. تأخذك من سياقك، تغمسك تغميسة لذيذة في عالم آخر، وتذكّرك في الوقت نفسه بسياق آخر كنت فيه سابقاً.

ثم؟ هالله هالله بالتهوين. هوّن عليك ما تجد، لا لأن وقعه عليك هيّن، بل لأنك تحتاج قصة لطيفة خفيفة الروح، تغيّر من هذا الوقع. القصص متغيّرة، لم إذن لا تختار من المتغيّرات أطيبها؟

حسن الأسمر يشدو ” أعمل لك إيه حيرتني“، بنسخة معدّلة من الأغنية الأصلية، أدخل عليها صاحبها عبقرية الكورال الذي يردد ” حيّ، حيّ”.

ماذا أيضاً؟ ماذا يمكنك أن تفعل؟

الكتابة. العميقة المتأمّلة. عما ترغبه، عن الممكن والحلم، عن الأمنيات، وعن النهايات الطيّبة المعقولة.

على الأقل هذا ما تستطيع فعله هذا الصباح. قبل أن تسحبك تيارات باقي النهار. تؤمن أن التغيير، والحلول، لن تأتي في هذه اللحظة. كل ما يمكنك فعله هو الإمساك المتفائل بالدّفة، وقبول أن البطء هو عنوان المرحلة.

جوّز بنته صاحبنا

أعرف جيداً ما يعنيه أن يكون لديك ظهر ودود.

حاضر وراءك طوال الوقت، يحميك، وتركن إليه. وإن احتجته ليمهّد لك الطريق، وجدته أمامك قبل أن يتكون على لسانك السؤال.

أعرف جيداً ما يعنيه أن يكون لديك ظهر ودود.

كثيف الحاجبين. يلتقيان تلقائياً عند أي لحظة شكّ في أن هناك ما يؤذيك. أو من يؤذيك. صوته هادئ، حضوره مهيب، ومستعد أن يتفاهم مع الدنيا بأكملها كي تتسق لك الأمور.

أعرف جيداً ما يعنيه أن يكون لديك ظهر ودود.

يضع رصيده كله على الطاولة أمامك. تحت أمرك الحساب وصاحب الحساب يقول لك. دفتر علاقاته تحت أهبة الاستعداد لأن يطوّع معارفه وأهله والأصحاب لخدمتك، ولأهلك وأصحابك. كرمه لك لا يراه كرماً، ولا يحتاج أن يمد يده إليك. يتوقع أن تمد يدك وتأخذ كل ما تريد، وفوقها كمشة ورد.

أعرف جيداً ما يعنيه أن يكون لديك ظهر ودود.

عيونه حكيمة وطيّبة، تضحك لك ولمن أحبّك. مش سهل بيتنسوا. ايش ما صار في هذا العالم، يقف وراءك، ليس فقط يحبّك ويريد لك الخير، بل مستعد أن يحفر في الجبل لأجلك، ويعتبر الحفر أمراً عادياً ومنطقياً. بل ويدعك أنت أيضاً تعتقد ذلك.

أعرف جيداً ما يعنيه أن بكون لديك ظهر ودود.

من أرض مكناس

تتخلى عن مكان العارف ببواطن الأمور.

حيث لا دهشة من الأحداث، لأنك تعرف مسبقاً عنها.

حيث التأكّد من لا جدوى من الأمل، لا مكان للصدّف، لا سعادات، صغيرة أو كبيرة، تُوزّع بالعدل.

لا. لا تريد أن تكون هناك.

تفضّل أن تشرق الدنيا وأنت قائم تنتظر المطر، فتجد طريقة ما للفرح بالشمس. تفضّل أن تؤمن بخيرية الناس، كما هو إيمانك بأن الظلم والطمع والشر سيجد طريقاً بينهم. تفضّل أن تفوّض أمر التدبير لصاحب التدبير، وأن تعطي أحسن ما عندك، ثم تجلس تحت ظل شجرة، تأكل تفاحة وتشرب الماء.

تتخلّى عن مكان العارف ببواطن الأمور، وترضى بأن تضع قلبك على راحتيك، وتسلّم الأمر، والأمل، كله لله.

بهيّة يا بهيّة

بيتي هذا الأسبوع يضيء بـ جُرم.

بوستر متوسط الحجم، وصلني قبل أسبوعين عبر البريد ملفوف بعناية أحببتها وقدّرتها، ولكنها لم تستطع حمايته تماماً من ” التعفّط” وعثرات الطريق. ففردته على طاولة عريضة وغطّيته بمجلّدات ثقيلة، بدأت بأقربها إلى قلبي وأكثرها اتساقاً مع هوّية جُرم الثقافية والبصرية، قاموس المورد لمنير البعلبكي، نسخة ١٩٨٢.

اعتدت على منظر المجلّدات فوق الطاولة حتى نسيت ما تحتها، لغاية الخميس عندما كنت أستعد لاستقبال ضيوف قربهم من قلبي يسمح لهم باعتلاء أي سطح يرونه مناسباً للجلوس، فأعدت المُجلّدات لرفوفها، وقضيت دقائق أمام البوستر أفكر. هل أعلّقه الآن، أم أنتظر حتى يخلو البيت من الضيوف وأعيشه كتجربة فردية مثل أغلب الأشياء التي أبتاعها لنفسي. في الثانية الأخيرة وجدت أن ألق ألوانه يستحق الاحتفاء الجماعي، وكأن بهاه أكبر من أن تحتويه أحاديثي الصامتة معه. يحتاج إلى الضوضاء، إلى الضحكات العالية والعيون المترقّبة، إلى الجاكيتات والفساتين والعقود الكبيرة على الأعناق ولمعان الأساور المركّبة فوق بعضها وتلويحات الأيدي الممتلئة بالخواتم.

اختياراتي عادةً فيها بعض النتوءات المختلفة عن اتساق الذوق العام لأهلي وأصحابي، لا أبتاع الأشياء لجمالياتها، بل للقصص التي أفهمها والمعاني التي تمثلها. وأتعب أحياناً عندما أشعر بأن موضوع النقاش هو فضول البعض بشأن اختلافي، وليس القطعة بحد ذاتها التي ابتعتها. لذلك علّقت بوستر جُرم وأنا أستعد نفسياً لأسئلة من قبيل ” ما الذي جعلك تشترينها” ” لم لفتتك هذه ولم تلفتك كذا”. مالم أعمل حسابه أن قطع جُرم، يبدو ذلك، تعيد تركيز الحكايات لتلتف حولها، وحولها فقط.

بيتي هذا الأسبوع أضاء بـ جُرم. وأعني ذلك حرفياً.

أحاديث كثيرة بدأها البوستر، وتمحوّرت حوله. ونقطة من نقاطي الصغيرة، هاشم، بسنواته الخمسة، يقف حارساً وناقداً. يؤكد لكل من يتوقف للحظة أمامه أن البنت المستلقية على الأرض ” مبصوطة” وليست ” طفشانة”، حسب الخلاصة التي توصلنا إليها عندما رأى البوستر لأول مرة وأمطرني بأسئلته عنه.

غريب. غريب جداً. كيف يمكن لبوستر بخمسة وثلاثين ريالاً، أن يأتي بكل هذه الطاقة الاجتماعية الكريمة التي لا يمكن قياسها.

هيلا هيلا وهيلا وهيلا

أحب الأفعال الرتيبة التي تعتمد على التكرار بدون أخذ قرارات.

أقطّع السلطة. جزر وخيار وخسّ وجرجير وطماط وحبتين ليمون. تشوب تشوب تشوب تشوب. بسكّين حادة كبيرة حدّت لتقطّع اللحم.

الكافتيره على النار. الشاي، بالطقوس المحددة التي ابتكرتها الأسرة وصقلتها عبر السنوات، ينتظر الاكتمال. أحمد منيب يغنّي للمراكبي، أن شدّ القلوع، مافيش رجوع. بأنغام تبدو نوبية، وبصدر واسع لا يبدو أنه مُقدم على مغامرة من أي نوع.

تشوب تشوب.

عمرو موسى في الجزء الأول من مذكراته ” كتابيه” يتذكر أنه استعان بالسفير منير زهران رحمه الله للتحدّث باسم مصر في مؤتمر ما. ووصف مواقفه بالصلابة، وبأنه يستطيع أن ” يوقف المراكب السائرة”. ووجدت أن وصفاً في هذا السياق هو أرفع شهادة وطنية يمكن أن تقال عن سفير.

ألا شدّ القلوع يا مراكبي. ألا ليس هناك رجوع يا مراكبي.

ستائر مخمليّة

هذا الصباح بنفسجي. مع إني لا أحب اللون، ولكن يروقني أن لون هذا الصباح بنفسجي.

صباح الخير.

ليلة الأمس كانت اجتماعية حافلة، لكنها ولله الحمد لم تكن سمّية. ولا أخذت من طاقتي فوق ما أود لها أن تأخذ.

فاليوم الصباح بنفسجي. مثل سيّدة لديها الدراماتيكس الكافية بأن تسدل الستائر- التي يجب أن تكون مخملية وتصل للأرض- على شبابيك المخدع. لازم يكون مخدع، غرفة لا تفي بالغرض. تعتمد على مصباح خافت للإضاءة رغم أننا في عزّ النهار، وتقول للوصيفة أنها ليست مستعدة لرؤية أحد اليوم. عندها صداع.

خليط بين أودري هيبورن ومريم عزّ الدين وديكورات فيلم ” لا أنام”.

أمّا أنا، فأراجع مشتريات الليلة الماضية على كمبيوتري. أحمّل فيلم ” دعاء الكروان” من إيجي بيست كي أشاهده على شاشة التلفزيون في وقت آخر وأتصفّح تويتر على جوالي. أذهب لصلاة الظهر، ثم أعود للمكتب وأبدأ العمل.

سالمة يا سلامة

لم أستطع النوم. الليل دامس في الغرفة عدا خطوط من ضوء فرّت من قبضة الستائر. أرتدي شرشف الصلاة. أنتظر الفجر، وبيدي مسبحتي.

هناك شيء غريب يحصل، مخي يخبرني أن ” انتبهي انتبهي”، وأنا غارقة في أفكاري وتساؤلاتي. انتبهي انتبهي. هناك شيء ما خطأ. غير متّسق مع السياق.

لما زاد إلحاح عقلي عليّ، تركت أفكاري ورفعت رأسي في فحص دقيق لمحيطي. لا شيء خطأ. كل شيء كما يُفترض أن يكون. كدت أعود لاستغراقي لولا النافذة. النافذة على يدي اليمين تحمل أصواتاً طفولية تلعب. وكأنما الساعة الرابعة والنصف عصراً في يوم مدرسي، بدلاً من أن تكون قبيل الفجر.

لسبب ما، لا أدري بالضبط ماهو، بدلاً من أن يشعرني الأمر بالاستغراب كعمّة تستعد أن تمارس سلطتها الأبوية وأطل عليهم من نافذتي ” لين دحين مانمتوا؟ فوراً روحوا اتوضوا وصلّوا وعلى غرفكم تناموا”، أشعرني بالبهجة والتفاؤل.

في المساء المبكّر أتت أختي لتريني ” سنابات” لمناسبة سعيدة في العائلة. الصورة الأولى مجموعة من الناس الأعزّاء، ومنهم العزيز الذي هو في نفس الوقت الطرف الآخر في تلك الحكاية التي أفضّل تجاهلها. أو تجاوزها.

قلبي انثنى على نفسه. وكأنما أصيب بمغص حاد. اعتذرت بسرعة عن مشاهدة بقية الصور، ورغبت- برفق- أن أتجاوز هذه المشاعر، وحدّتها، وكأنما هي ردّ فعل فوري للصورة ينتهي بغيابها عن عيني. قبل أن أنام عاد قلبي لينثني مرة أخرى. ثنية بسيطة جداً، تذكرني أن هناك ألم ما، حتى وإن استطاع عقلي أن ينسى المسألة تماماً.

لم أستطع النوم. وبالرغم من أنني أستطيع مغادرة الضيق الذي يعتمل في صدري (أهو ضيق، أم شيء أكثر عمقاً؟) لعوالم أخرى، كأن أقرأ، أو أتابع حلقات عدة من مسلسل مفضّل إلى أن يغلبني النعاس، إلا أنني فضّلت اللجوء إلى الخيار الأنضج. أن أحلل المسألة، وأن أصل بها إلى معنى وقصّة ترضيني.

قضيت الليلة أتفاهم مع الأمور التي كانت تحدث صار لها شهور، أسجّلها بعقلي، أضعها في ملف نايلون، وأدسّها- وأنا أصفّر وكأنني لست عامدة- بين الملفات بحيث لا تظهر لي إلا إن اضطررت. مجموعة من الحقائق، مغلّفة بمشاعر معقّدة.

بدأت بالحقائق. ما الذي حدث فعلاً، بدون التفسير الذي تحمله هذه الأحداث. وبعد الحقائق، كتبت تفسيري لها. وأي أعذار، أو قصص أخرى، يمكن أن تكون لهذه الحقائق بعيداً عن نظرتي الشخصية. ثم. لم اتخذت القرار بعدم التفاهم مع العزيز ذاك، وأنا دائماً أفضّل أن أتحاور وأزيح الأحجار عن الطريق. في النهاية وصلت إلى فهم، ليس مريحاً كثيراً، ولكنه جميل. عن موقفي وموقف الطرف الآخر. وانزاح الثقل الحزين عن صدري.

صوت الأطفال الضاحك الصبي تسلل إلى قلبي كما يتسلل نور الصباح. الأيام التالية- كتبت التدوينة الجمعة- كانت مفاجئة في سلاستها. وجدت القبول في علاقتي مع الآخر. والتسامح المؤقت الذي يضبط المشاعر، ويقود العلاقة لمكان محايد، حتى يأتي جديد ما يخرجها منه ويعرّفها مرة أخرى.

خد سوسو 🤷🏻‍♀️

أعاني من بعض الصعوبات المتعلّقة بعملي. أستطيع حلّها بالاستعانة بمتخصصين، ولكنّي لا أريد.

أعرف أنني إن طلبت المساعدة سأحل ظواهر المشكلة، وستبقى بواطنها معي. ستبدو الأمور أنيقة ومرتبة، بدون أن أمر بمرحلة النمو الصعبة الضرورية. خيار الصبر على الصعوبات، تفكيك أسبابها والوصول إلى خلاصات وترتيبات داخلية بشأنها، ، بدلاً من أراكم عليها البطّانيات وأبتاع مختلف الحلول التجميلية، هو خيّار صحّي. لكني أحب أن أسجّل امتعاضي الشديد من لجوئي إليه.

أيوة. أفضّل البطانيات. ماذا يقول فؤاد المهندس في ” سكّ على بناتك”؟ ” مالها سوسو؟ خد سوسو”.

ثم إني أكره المظاهر الرثّة. أكره أن أصبر على الكركبة والعفرتة بينما أتعامل مع جوهر المشاكل. نزعتي إلى الكمال- رغم أنها تحت السيطرة وتفاهمنا جيداً- تعود لتسبب لي صداعاً طفيفاً، يمكن تجاهله في أغلب الوقت ولكني مدركة لوجوده، ويُضاف إلى الأعباء اليومية التي أحتاج لإدارتها.

أهلي يتوارثون دعاء ” اللهم أعدنا إليك بالجميل مش بالصميل”. والصميل هي العصا الضخمة، كناية عن العودة الهيّنة بالإحسان واللطف، بدلاً من عودة الشدائد والكُرب، حفظنا الله وإياكم. بالتالي قد يبدو خيار ” سوسو” هو الخيار المُفضّل، لكنه خيار وقتي، فوري، وسرعان ما سيتبخر في الهواء، وتظل الأمور الثقيلة كما هي، تحتاج إلى تفكيك، أو ستدفعني إلى طلب المزيد من ” السوسوهات”. الحلول السطحية التجميلية، ” نرمي فلوس على المشكلة” كما يقول الأجانب.

اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً. وأنت تجعل الحزن إن شئت سهلا.