في العاصفة

أثناء دراستي في الجامعة حضرت دورة للاستعداد لاختبار الجي- مات. وكانت من ضمن الحضور سيّدة تكبرني بعدّة سنوات، في منتصف عشريناتها ربما. كل يوم من أيام الدورة تأتي بعباءة أكثر أناقة مما قبلها.

ألوان، وأقمشة، وغَزْل. التوازن الكامل بين الأناقة والعملية. ولا نقطة مبالغة. ولكن ولا نقطة أقل كذلك.

في آخر الأيام كنّا في المُصلّى عندما سألتها زميلة أخرى عن عباياتها. كنت واقعة في الحب من بعيد لبعيد، ولم أكن أظن أن الكل مثلي. المهم أنها أجابت ببساطة أنها تصممها بنفسها.

” حياتي كلها روتين، بين شغلي في اكس وبين بنتي. العبايات تدخّل ألوان لحياتي”.

في أبريل الماضي، ٢٠١٩، كنتُ أعاني من الدهشة.

دهشة مستمرة، وفيها تأهّب لإعادة تصنيف الأشياء، بدون أن يصل هذا التصنيف الجديد وأرتاح. لأول مرة أختبر كيف يمكن ألّا تكون الدهشة- الشعور الطازج المرح المفرح المنعش المنعنع- كيف يمكنها ألّا تكون بنّاءة.

وكأن الأطباق بدأت فجأة تطير من على الطاولة. والكراسي تتنحّى جانباً بدون أن يسحبها أحد. الستائر ترقص لرياح ذات صوت.

كل مرة تحصل أشياء لا تنتمي للعالم الذي تعوّدت عليه. وكل مرة أقابلها بنفس الدهشة. الدهشة التي- ويا للدهشة- ليست بنّاءةً أبداً. تستهلكني. عقلاً وانفعالاً ووقتاً. متى سيذهب شعور الاستغراب المتعب، متى سأستسلم أن هذا واقعٌ جديد وأحداث تتحرك على عجل؟ متى سيصبح المُستحدّث معتاداً؟ وهل علي أن أتوقّف وأجبر نفسي على الاعتياد؟

وبدون أي تفكير مسبق، في مقابل كل الأشياء الجديدة التي كنت أقابلها في حياتي، تكوّنت لدي عادات روتينية تشبّثت بها لشهور، وأكاد أجزم أنها أنقذتني.

أستيقظ أبكر مما هو معتاد، مع أنني بالأصل كائن صباحي. وبدلاً ما أنخرط في أعمال الاستعداد لليوم، شعري واستحمامي وترتيبات الصباح، ألجأ لمكاني المفضّل. أجلس فيه دقائق طويلة، لا أطالب نفسي بأي شيء، ولا أفكر في قائمة الأعمال الطويلة التي تنتظرني.

بعدها آتي بفنجان قهوة، أشربه على الريق ( أعرف! نتائج شبه كارثية لجهازي الهضمي). وأقرأ في رواية لنورا روبرتس بعنوان ” تربيوت”.. لم أقرأها سوى مرة واحدة قبل سنوات طويلة، وباتت تذكرني بوقتٍ هنيء عشته أثناء قراءتي. أقرأ أربع أو خمس صفحات منها.. وأنا بالعادة قارئة سريعة، أنهي ربع الرواية في جلسة واحدة. لكني في ذلك الوقت، أيضاً بدون تخطيط، كنت أحرص على أن يطول زمن الرواية معي قدر ما أستطيع.

بعدها أقوم لأمارس نشاطاتي المعتادة، وأدخل في ” الحوارات” المحمومة التي يعد بها اليوم. مع العمل، الأسرة، العالم الخارجي.

قضيت شهوراً لا بأس بها في هذا الروتين. وبات كأنه الجسر الذي استطاع أن يحمل مرحلتي الانتقالية بأمان. إلى أن عادت دهشتي إلى طبيعتها. وحلاوتها.

هذه الأيام أنا لست مندهشة. ولا حتى أقترب من المشاعر الفوضوية التي اختبرتها في أبريل الماضي. لكني أدرك وأرى أن للوقت أحكامه على آخرين، قريبين منّي وبعيدين. والنصيحة القيّمة التي أستطيع منحها لهم بعد عاصفتي تلك هي: جدّ لنفسك روتيناً. وتشبّث به. ستجده الجزيرة التي تسمح لك بالثبات، إلى حدٍ ما، في هذه العاصفة. أياً كانت.

إن كانت معادلة تلك السيدة- الأسطورة، والتي لازلت أحفظ اسمها الكامل، أن تدخل فوضى الألوان على حياة ملتزمة بالروتين الصارم، أدخل بعضاً من صرامة الروتين على أيام تتسم بالفوضى الكاملة، أو تكاد.