سلمى. بماذا تفكّرين؟

لا أذكر أين سمعت التشبيه عن قلب تغسله الدموع كما يُغسل الرخام، فيُترك ناصع البياض زاهي الأركان.

يبدو أنه تشبيه مناسب لما فعله الموسم الثاني من ” آفتر لايف” على نتفلكس. واجهت صعوبة ما في بدايته، ولكن قلبي مال واستمال مع الحلقات المتتالية.

هذه ليست تدوينة عن المسلسل. إنما عن موقفٍ ما من الحياة يروق لي كثيراً، وبتّ أستكشفه السنوات الماضية، وآمل أن تكون لدي السعة لأن أتبنّاه بكلّي. بلا ابتلاء ولا غمّ.

أن تتعامل مع الصعوبات الحياتية في السياق الأكبر. والسياق الأكبر لا يسمح للصعوبات أن تعرّفه، بل هو دائماً متسق مع أن الطيبة موجودة، وغالبة، وتنتظر منّا اكتشافها لتنير أركان الحياة الأخرى.

ولا أعرف مرجعاً فكرياً يمكن أن تستند عليه هذه الفكرة/ الموقف سوى الإيمان بالله. لا أستطيع أن أجد لها معنىً بمعزل عن الاستسلام الكامل لقضاء الله، ولعنايته. ولكل الأفكار الفرعية التي تدور في هذا الفلك. أحياناً أفكر، هذه الفكرة جديرة بالتبنّي للكل، لمن اهتدى ولمن لم يهتدِّ بعد. ولكني حقاً لا أستطيع أن أفهمها بدون علاقتها بـ أننا في النهاية أتينا إلى هذه الدنيا تحكمنا قوانين فيزيائية كونيّة إلهيّة، نفهم بعضها ونعجز عن فهم البعض الآخر، ولكنها في النهاية تعدنا بأن أمر المؤمن كله خير، وأن الحياة الدنيا التي نودّ أن تكون طيّبة وأن نكون من ضنائن خلق الله عليه، فيحيينا في عافية ويميتنا في عافية، هي جزء زمني محدود على خط لا ينقطع من حياة أصلية للروح.

لطالما مّلتُ إلى رؤية الجانب المشرق من الأمور. ولكني لم أعدّ أعرف موقفي على أنه تفاؤل بحت، وإن كنت لازلت أراه نقطة انطلاق قادت إلى ما أنا عليه الآن. ما أتحدّث عنه هو أن نكون بصفّ رؤية كبرى للأمور، فيها الحق ينتصر سواءً لحقنا على انتصاره أو فاتتنا اللحظة، والحزن ينجبر، والحياة تداوي وتهادي بنعم وألطاف من الله. وبمجرد أن نختار هذه الرؤية، تتحوّل إلى مانفستيشن/ تجلّي يقود الأمور إلى الضفّة الخضراء. فتظل في دائرة مستمرة لا تعرف أوّلها من آخرها، وكأنك في لعبة دولاب الملاهي.

ولأني لازلت أطوّر فهمي لهذا الموقف، أدبيّاته وأصوله وقواعده، أجدني أبحث عن ملامحه لدى آخرين، أستقي منهم ما وصلوا إليه وأضيف أفهامهم على فهمي. المشكلة أن الصوت الغالب على الأعمال الأدبية و الفنّية هو صوت البكائيات، الدراما المنفعلة التي تصل بالمشاعر إلى آخر حدودها.. وإن فكّرت فيها ستجدها فكرة منطقية تجارياً وفنّياً. اسمها أصلاً ” دراما”. ولكنّي أحنّ وأحتاج إلى أعمال درامية تتعامل بذكاء مع هذه الدراما بدلاً من الطريق الأسهل في جرّ المشاهد/ القارئ إلى ذروات متطرّفة من الحزن، اليأس، الغرام، الأمل.

من حظّي أني تعرّفت في السنوات الأخيرة على أعمال ليان موريارتي. تتعامل مع مسائل صعبة وحقيقية بأنامل ممرضة متمرّسة. تداوي وتطيّب، تعرف عمق الجرح وتحيط بالمآسي التي تتعامل معها، لكن الشفاء لا يغيب عن نظرها للحظة. وقبلها روايات صوفي كينسلا، على خفتها الريشية أو غالباً بسببها، ساعدتني على التعامل مع قرارات صعبة في حياتي لم أستطع معالجتها بالاعتماد على كتب جادّة ناصحة ومفترض أن تكون فعّالة.. ولهذا سأظل ممتنة لكينسلا العمر كله.

وطبعاً، قبل هذه وتلك، كانت الأعمال الكاملة لايليا أبي ماضي. أتذكر أنني كلما احترت حيرة المراهقة الوجودية أيام المرحلة المتوسطة والثانوية، فتحت المجلّد العملاق عشوائياً، وقرأت القصيدة أياً كانت، وأخذت من حكمتها المتفائلة جواباً أعوجاً وطيّباً وقريباً من القلب والعقل على ما يحيرني من حياتي.

وإن أزحت كل الطبقات التي تحيط بكتابتي في هذه المدونة، سأجد أن رغبتي في الإضافة، في المساهمة، لهذه النظرة التي لا يُسمع صوتها بشكلٍ كافٍ في هذا العالم، هي الأساس.


العنوان مُقتبس من قصيدة المساء لايليا أبي ماضي والرسمة للأسف أحتفظ بها دون مرجع.

رأيان حول “سلمى. بماذا تفكّرين؟”

  1. جميلة يافاطمة، تكتبين وكأنك تنظرين إلى الأشياء من الأعلى ، حيثُ يعود كُل شيء إلى حجمه الطبيعي الذي تٌضخمه ذواتنا لنشعٌر بالتقزّم يعود ذلك إلى إنسانيتنا والإفراط في العاطفة،لكننا في الأخير نريحٌ ظهورنا إلى لطف الله ، ونتمتم ” إن المؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف” ..
    ونتنهّد براحة.
    تحيّتي 🙂

    Liked by 1 person

    1. يا مرحبا!

      شكراً لك. صحيح؟ التقزّم لم أفكر به الحقيقة، لكنه طريقة جيدة للنظر إلى الأمور. ماذا يقول إقبال؟ ” ما كان حزناً مرة أصبح اليوم سلاماً”. أو شيء كهذا. شكراً لك هيفاء.

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s