دورك جيّ

عندي صديقة ما عندها أي وسيلة تواصل اجتماعي. لا تويتر ولا فيس بوك ولا أي شيء آخر من هذا القبيل. وأتوقع أنها عملت خير في العالم بهذا الانقطاع، لأنها أيضاً تمتلك مجموعة من الآراء التي إن عرفتها:

  • لا يمكنك التوقّف عن معرفتها. تجاهلها وكأن لم تكن.
  • ستغيّر من وجه استقبالك للأمور بطريقة جذرية، فلا تعود الأمور التي عرفتها هي الأمور التي عرفتها.

لا تريد مثلاً أن تعرف رأيها في فنّ كاظم الساهر. أو الزائر المثالي لدبي مول. أو، لا سمح الله، الحياة السرّية لطبّاخ عالمي. آراؤها كذلك ليست صادمة. هي فقط دقيقة للغاية، وتمس وجهاً من أوجه الحقيقة، وإن لم يكن بالضرورة حقيقياً. هي نفسها تقرّ- بعد العديد من الأسئلة والمحاولات للوصول إلى أصل هذه النبؤات الخاطفة- أنها لا تفكر فيها ولا تسأل نفسها عنها. هي فقط تأتيها كلمح البصر. وكأنما قرأتها في كتاب. لكنك لو اختبرت هذا الرأي، أو ربما الوصف، في رواية، فستصدّقه بالكامل. وإن كنت من المؤمنين بنظرية العوالم المتوازية، فسيبدو لك منطقياً للغاية أن يحدث بالضبط ما تقوله في إحداها.

قبل أسابيع قابلتها في مكان ما. وبدأنا الحديث الذي لا ينقطع، ولعله لا ينقطع على سرر متقابلين ومن يقرأ عني وعنها. أخذنا الحديث لموقف مر بها في مطار ما بأمريكا. وكعادتي معها تأهبت لسماع فكرة عن شيء ما- بدا لي وقتها والله أعلم- أنني لن أنجو منها سالمة. سأتذكر رأيها كلما عنّت لي تجربة الشيء ذاك لآخر عمري. لكني كرهت أن أوقفها عن الحديث، ونحن في العادة نفعل ذلك بطيب نفس من الطرفين..

المهم ظللت أسمعها بعشرة بالمئة من تركيزي، والباقي كنت أدعو به في سرّي ألا تتحدث عن ذاك الأمر بما أظنها ستتحدث عنه. وإذا بها تقطع حديثها وتشهق ضاحكة لأنها تذكرت أنها عندما عادت من السفرة في وقتها- الحكاية حصلت قبل ٦ سنوات يمكن- وبدأت في وصفها وضعت يديني على أذنيّ وصرخت: لا لا. ما أبغى أسمع الله يخليك لا تحكيني!

فرطت من الضحك، وقلت لها عن مناجاتي مع ربّ العالمين خلال العشرين ثانية الأخيرة من حديثها. ولتمجيد الذكرى الحلوة قررت أنني سأضحّي راضية بنفسي وأعرف الحكاية كاملة. وتستطيع أن تخمّن الباقي. لا أظنّ أنني أستطيع نسيانها.


من وقت للثاني أشاهد حلقة من الحلقات القصيرة لمسلسل ” ستيت أوف ذا يونيون”. آخر حلقة شاهدتها كان فيها لحظة تصف حالة مفروض تكون شعورية، ولكني أشعر بها محسوسة أمامي. تقول له: لا تستطيع أن تتذكر المستقبل؟ يقول لها: نوبّ. أو على رأي الإخوة الشوام: بنوبّ.

أنا كذلك لا أتذكّر مستقبلي. في لحظة عابرة لكنّها حُفرت في ذاكرتي منذ سنوات ولا تزال، كنت عائدة من نزهة لوحدي على البحر، في سيارة خضراء لونها غامق. والسائق يعرف الطرق التي أفضّلها كما يعرف ظهر يده. فعاد بي من طريق خلفي ليس واسعاً ولكنه يبدو كذلك لأن الأشجار تظلله ونادراً ما يزدحم بأكثر من سيارة أو سيارتين. فأنا في السيارة أطل من الزجاج الأمامي على شارع ممتد. طويل. في ظهر سماؤه صافية وشمسه باردة. وفي وسط الطريق، بين مكاني في أوّله ونهاية الشارع، تقبع شجرة عملاقة بأغصانها، وتطرح مساحةً سوداء واسعة وملحوظة من الظل على أرضية الشارع.

وفكرت. في تلك اللحظة فكرت. أنني قد عرفت معنى الحياة.

اليوم عندما أقول أنني نسيت مستقبلي، تعود بي ذاكرتي فوراً إلى تلك اللحظة. إلى الشارع الطويل الممتد. غير أن عيناي لا ترى الشجرة ولا ترى الظل ولا ترى الامتداد. عقلي يعرف بوجودهم، ولكنه يتوقف عن رؤيتهم وكأنما نُصب بينهم وبيني جدار زجاجي شفاف. يسمح لي بالرؤية، مفروض، ويعزلني كذلك عنها.

في البداية أربكتني هذه الانقطاعة. ولكنني بعد ذلك بتّ أتعامل معها بعجب وباستكشاف وبكثير من الرغبة في التعلّم. وكأن اللارؤية كائن أليف قرر كوكب مجاور أن يهديه إلي.

هل رأيت كيف تصبح اللحظة، هذه اللحظة فحسب، صندوقاً بأربع أضلع؟ صحيح أنه يحجب الرؤية خارجه، لكنه في نفس الوقت ” يحفّ” اللحظة داخله بكل مافيها. لا يسمح بتسرّب دقائقها من بين يديك، كل ملل محسوب، مضطر أن يمر على جهازك العصبي والتنفسي بكل تفاصيله. ليس لديك ما تتطلع إليه إلى للأمام. ليس لأنك يائس مما قد يأتِ، أنت فقط ليس لديك الأدوات أو المعطيات لتستطيع أن تنسج سيناريو ما، أي سيناريو. فتفوّض قدمك، والطريق، للمشيئة الربانية تصوغهما كيفما شاءت.

لم أحكِ لصديقتي ولا شيء من هذا. كل ما فعلته هو أنني جربت أن أسحب مكعبّي الأبيض الذي يحبسني في اللحظة ليصبح جاراً لأفكارها ورؤاها. لا بأس أن أتبدّل وأتغيّر لحظياً، لتسبغ على بياض مكعبّي ألواناً ومفاجآت وطبقات من التعقيد التي لا تشبهني.

أحياناً كل ما نحتاجه هو جيران أعزّاء يؤنسوا الطريق الذي يرفض أن يمتدّ. إلى أن يرضى ويلين ويمتدّ.


عنوان التدوينة من أغنية مفضّلة عندي لويجز.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s