أتت من البلاد البعيدة

جدّتي لأمي أفريقية. ليست من أصول أفريقية. بل هي سيّدة أفريقية، عاشت حياتها بين أوغندا وكينيا. ابنة سيّد القبيلة، لديها قطيع من الغنم، مزرعة، ومدرسة صغيّرة يدرّس فيها سيدي، العربي القادم من عدن، ويدير.

عندما كانت والدتي في الرابعة من العمر اندلعت حرب أهليّة في البلاد. ذهب سيدي وستي بها وبأختها لأخته التي لم تتزوج بعد، لكن كلمتها مسموعة وقاطعة كحدّ سكين. قال أنه سيعود مع زوجته وأولاده الصبيان إلى أوغندا. وسيترك الطفلتين في عهدتها. أعرف تفاصيل كثيرة عن العمّة العزباء التي أصبحت أماً لأمّي. وأعرف كيف أن لفظة ” عمتي” عندما تنطقها والدتي تكون محمّلة بمزيج سمائي من الحب والتقدير والهناء.

عادت ستي إلى بلادها. وعاشت مع سيدي حتى كبر الشباب وتفرّقوا للدراسة في أرجاء البلاد. ثم مرض سيدي مرضاً لا يهدد حياته، إنما يبدو أنه كان رسالة واضحة ليعود من وطن الحياة المشغولة إلى وطن الحياة الهادئة. عاد إلى أهله هو وجدّتي التي لم تتعلّم العربية، تتحدث مع سيدي والأولاد بالسواحيلية. زوّج ابنتيه. قبّل أوائل الأحفاد. ثم رحل.

بقيت جدّتي. سيّدة مهيبة في لغة جسدها، في المسافة بينها وبين الآخرين. حتى في عربيّتها المكسّرة. واختار لها الله أن تعيش سنواتها الأخيرة، ربما في منتصف تسعينياتها، معزّزة مكرّمة لم تفقد توائمها النفسي ورضاها عن محيطها.

عُرفت عائلتي بأنها ولّادة النساء القويّات. العوائل المجاورة تعلي قيمة المرأة المطيعة. عائلتنا تعلي من شأن المرأة المقتدرة. ومن دواعي اعتزازي بسيدي الذي لم أعرفه هو أنه عندما اختار أن يتزوج من أقصى الأرض، اختار جدّتي التي تشبه في رفعتها وحكمتها واستقلاليتها ما عُرف عن سيدات العائلة. جدّتي أتت من بلاد بعيدة. لكنها لم تكن بعيدة لا عنّا، ولا عن أحفاد أحفادها.

من إرثها الباقي لنا قطعة مثلثة مخبوزة. اسمها ” مِندازي”. بالسواحيلي طبعاً. فيها سكّر موزون وقوام بين الرقة والتماسك يدفّي القلب في شتاءاته.

أحب المندازي. لكنّي أحب فكرته وارتباطاته أكثر.

لا نخبز المندازي في بيتنا. أحياناً يصلنا هديّة من خالة مريم، ابنة أخ جدّتي، وخالة قريبة حبيبة متفرّدة لوحدها. لكنّي في الأسابيع الماضية وجدت نفسي أفطر على مخبوزات مسكّرة بدون أن أعرف السبب، كل ما أعرفه هو أن قلبي، قلبي وحده، يحتاجها.

في يوم ما، وعلى حين غرّة، أدركت أنني أبحث في هذه المخبوزات عن الطمأنينة التي كنت أجدها في المِندازي، وعن السكون الذي يحيط بجدّتي، وأنا الآن أقترب من أربعيناتي، امرأة ناضجة تحبّ جدّتها الراحلة بعيون فيها النديّة. ندّيّة العمر.

يعني لي السكون وقت ما يموج الموج. يعني لي الهدوء الداخلي وقت الاضطراب الذي يقترب من الغليان. يعني لي الثبات وقت ما تضيق الحال.

أتذكّر جدّتي، وألتمس منها الإرث والمدد.

4 رأي حول “أتت من البلاد البعيدة”

  1. رحمها الله وأحسن إليها وأحاطك بالسكينة والطمأنينة دائماً.
    كلمّا ازددت عمراً تنبهت إلى الألفة التي كانت تحيط العالم بوجود الجدّات، وكيف كان يبدو كل شيء في مكانه المناسب.

    Liked by 1 person

  2. يرحم اجدادك واجدادنا يا عزيزتي فطوم🖤
    بحثت عن المندازي لاهتمامي بالطبخ التقليدي فوجدته يكاد نسخة أخرى عن الخمير العدني أو الباخمري الحضرمي، لذيذ وسهل وغني، يحق لك أن تشتهيه بصراحة😅

    إعجاب

    1. آمين يارب، شكراً لك ♥️ أعرف الخمير الحضرمي، قوامه ولونه يشبه المندازي، لكن طعمه مختلف بشكل جوهري عنه، المندازي مسكر أكثر، ومافيه نكهات عدا الخبز، وطبقة الخبز فيه أرق من الخمير 🌟🌟

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s