نهار مش فايت

الأحد.٢٢ يناير.

فاتحة الأبجورة من الصباح. إشارة لا علاقة لها بالمنطق أن اليوم منطقة عميقة، تقدّم فيها بحذر.

أرتدي فستاناً جديداً طلبته قبل أسابيع، واكتشفت أن ياقته أثقل مما يتحمّله عنقي، حتى في أبرد أيام جدّة. طلبت من والدتي، يخلّيها، أن تجرّب إن كان باستطاعتها نزع التطريز عن الياقة مع الاحتفاظ بالقماش سليماً. وفعلت. تبقّى من الفستان المزخرف بالألوان قطعة لونية واحدة ممتدة من كتفي حتى أخمص قدمي. فستان جديد. بهوّية مختلفة تماماً عمّا كنت أنتظره.

أرتديه ليعين ويساعد في هذا النهار الذي يبدو أنه ” نهار مش فايت”.

عندي قطعة كوكيز كبيرة، أعرف أنها لذيذة جداً. لكني لا أشعر برغبة في تناولها. كل ما أريده هو أن أفتح غلافها، تكون عندي صديقتي الحبيبة، أقسمها نصفين، أعطيها النصف بيدي اليمين، وأحتفظ بقسمي الذي – تلك اللحظة فقط- يصبح له معنى.

محاطة بالونس من كل اتجاه. الحمدلله على نعمه وكرمه والناس الطيبة في حياتي. لكن العشرة تترك بصمتها الفريدة على روحك. ليست العشرة فحسب، أكتفي بها لأني لا أريد أن أبتعد أكثر، بالتالي مكان الرفيقة العزيزة خالي يشكو من غيابها المادي. أريد أن تكون موجودة. وأريد أن أتقاسم معها صباحاتي. وقطعة الكوكيز.

تأتي العصرية. أقرر أن أدخل المطبخ وأجهّز لي شوربة بطاطس بالذرة الحلوة. أهل البيت لا يشاركوني ولعي بالشوربات. ومهما جرّبت أن أنقّص الكمية، فالشوربات أصلها الوسع والبركة. لا أريد أن أطهو شوربة لشخص واحد. وبينما أستغرق في الخطوات الشافية لطهي أحبه في مطبخ أحبه لوحدي، وفجوات الكلام في البيت زمّت شفايفها في صمت ونيس بانتظار الغروب، يدق الجرس. ترفع والدتي سماعة الإنتركم، وترحّب بالغاليين. زوجة عمي الأصغر والأصغر منه، كانتا توصّلان الابنة لمشوار مسائي، وبدل العودة لمنزلهما البعيد قررتا المرور علينا و”نصلّي المغرب سوا”.

تحدّث عن الأنس الرزق. العجيب المفاجئ بدون انتظار. غداء اليوم كان سليق. أصرّ والدي عليهما إلا أن يذوقاه بدل الشاي الملبّن المتوقع تقديمه في هذا الوقت. أُعدّت السفرة وقُدّمت الملاعق والصحون. وأنا أشارك بقليل من الحديث والكثير من الضحك من مكاني في المطبخ. ربما ربع ساعة، والشوربة جاهزة. والكميّة التي كنت أتوقع أن تظلّ معي لأسبوع قادم شاركتها معهما، وفي حافظة حرارية للبنات اللاتي يحببن الشوربة أيضاً في البيت.

انتهى اليوم مبكراً. الأباجورة ظلّت مفتوحة طوال الوقت الذي قضيته بعيداً عن الغرفة. عدت إليها الثامنة والنصف مساءً. منهكة، متونّسة، متآنسة، والحياة طيّبة وتجبر الخاطر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s