إجت الصيفية ١٩٩٩

في آخر التسعينيات كنت أعود من المدرسة الأربعاء الظهر وأبدأ إجازتي الأسبوعية في غرفة المكتبة الملحقة بصالون بيتنا القديم.

غرفة صغيرة. أتفاجئ بأنني لا أمتلك صورة لها. هي ليست صغيرة كثيراً، ولكنها كانت تبدو لي دافئة وحميمية مقابل اتساع الصالون الذي يستضيف العشرات من أصدقاء والدي كل أسبوع.

تحت الشباك، وبين مكتبتين ممتلئتين بمجلدات الكتب التي لم تكن تثير اهتمامي إطلاقاً، هناك مرتبة صغيرة. سرير نهاري كما عرفت بعدها بسنوات من إيكيا أن هذا اسمه. لاشك أن هناك مردافاً أكثر أصالة للسرير النهاري في إرثنا العربي. هذه المرتبة باردة دائماً. فيادوب، أغسل عني عبء النهار بالاستحمام، ألبس بيجامة مريحة، أتغدى سريعاً مع الأسرة، وأقضي الظهيرة والعصرية على المرتبة العزيزة. أقرأ العدد الجديد من زهرة الخليج. آكل قطعة صغيرة من الكنافة مررت على محل الحلويات لأجلها بعد زيارتي لمكتبة الحي في طريق العودة من المدرسة. أنهي المجلة. أبدأ في رواية من روايات ما وراء الطبيعة أو سفاري. أنهيها. أقرأ في رواية من روايات أجاثا كريستي بترجمة عمر عبدالعزيز. أغرق في نوم لذيذ وهني وأنا في منتصفها.

أستيقظ في العصرية المتأخرة. عادة على صوت والدتي تستعجل أختي الكبرى كي لا تتأخر على زيارة جلسة الأربعاء في بيت جدّي. أشعة شمس كسولة تتسلل من الستارة إيذاناً بقرب المغرب. أنتظر في سكون على أمل أن يخرج الكل من البيت وأبقى وحدي. لم أكن أعرف أن هذه الأمنية، الأمنية التي رافقتني طيلة سنوات طفولتي وصباي بأن أجد لنفسي مساحة لا محدودة من السكون المنفرد، لها اسم. ليست شيئاً غريباً، منبوذاً، يجب علي الاحتفاظ به لنفسي. في ٢٠١٠ فقط، بنهاية العقد الأول من الألفية فقط، عرفت من غلاف مجلّة أن الأمنية وكل ما يرافقها من تفضيلات صغيرة وكبيرة، تندرج ضمن طبع شخصي أتشاركه مع كثير من البشر. طبع شخصي مشروع بدون استهجان. كل مافي الأمر أنني، وغيري كثير، نستمدّ الطاقة من عوالمنا الداخلية. وأننا، بعد إذن الأسرة الإكستروفرتية، إنتروفرتيون.

قبل أذان المغرب تخرج الأسرة. من طقوس جلسة الأربعاء صلاة المغرب جماعة. هذا من حسن حظي بالطبع. أصلّي المغرب. أرفع سماعة التليفون بحيث يعطي أي متصل الخط المشغول. أنتقل إلى الصالون الكبير بسجادته الحمراء القانيّة التي أصرّ والدي على اختيارها قبل ذلك بسنوات، ووافقت والدتي بحكمتها، لم تتصادم معه، ولكنها أتت بسجادة عملاقة عجمية تغطّي ثلاثة أرباع المساحة الحمراء ويتكفّل الكنب بالباقي. الوسع يناسبني. السقف العالي يناسبني. امتلاء كل ذرات الهواء بالموسيقى يناسبني. الستريو الأسود الكبير، يعلوه جرامافون أشغّل فيه اسطوانات والدتي التي كان يحرص خالي الأكبر على شرائها لها عند عودته السنوية من القاهرة التي يدرس بها. أستمع إلى ” أمل حياتي” أو ” فكروني”، تليها ” فاتت جنبنا”. وأفكر في الأمور.

يأتي العشاء، أعيد سماعة التليفون إلى مكانها وأتحدث مع صديقتي التي أقابلها كل يوم في المدرسة ولا نفترق. لكن حديث الأربعاء جرعة التفاهة والحماس فيه مختلفة. تكلمني من سطوحهم. نتحدث عن الألبومات التي نسمعها، وائل كفوري وعبدالمجيد عبدالله وهشام عباس ومجموعة أغاني مختلفة أخرى. نقتل الكلمات ومعانيها نقاشاً. نفطس من الضحك على أشياء وأفكار. تحدثني عن رواية عبير التي تقرأها حالياً (أكون قد قرأتها مسبقاً وسلّفتها لها في- أيوة هو ذاته الكليشية- في علبة مناديل كلينكس أو خبأناها في فتحة مكيف الفصل).

ساعة من الحديث أو ساعتين. ننهي المكالمة ونحن لازلنا في منتصف ضحكنا. أعمل لي ساندويتش جبنة بوك مع عصير. آكل وأنا أنهي رواية أجاثا. أنتبه للساعة. الأسرة ستأتي قريباً وأنا الصبيّة، ودون أن أعرف لم، أريد أن أكون نائمة قبل أن أشهد حماسهم والطاقة التي تفيض من خواتي العزيزات بعد الجلسة. أردت- كما أفهم الآن- أن أحتفظ بحصاد الطاقة التي حصلت عليها في رفقة هدوئي، كما هي. على الأقل لهذه الليلة.

هذا هو صيف ١٩٩٩ عندي. هذه هي أحلى ذكرياتي.

أستطيع أن أحكي لك عن ذكريات أخرى كثيرة قد تجديها مرادفة لصيف ممتع لمراهقة في عمري. عن طلعة مع صديقات بدون معرفة أهالينا وانحشارنا في سيارة صغيرة بيضاء تحت المطر وطالب جامعي لا نعرفه يغني من تسجيل في الكباين وصل لواحدة منا ” تدري ليش أزعل عليك”. أستطيع أن أحكي عن مغامرات عاطفية حصلت حولي، عن مصائب صغيرة وكبيرة تقع فيها الفتيات في هذا العمر ويتذكّرنها بكثير من الودّ في سنوات النضج. ولكن هذه ليست ذكرياتي الطيّبة عن هذه المرحلة. هذه ذكريات أخريات، منهن أختي الحبيبة الغالية. ذكرياتي الحلوة تتعلق بهدوء الغرفة الصغيرة. بالمرتبة بقماش سميك وردي وعليه رسمات شجرية بالأخضر الغامق. ببيت من ثلاثة أدوار خالٍ إلا مني ومن سكوني. بزهرة الخليج وأحمد خالد توفيق وعبدالحليم وهو يتساءل إن كانت تلك التي ينتظرها في الطريق تنتظره أم تنتظر الصديق.

ولا. لم أكتب هذه التدوينة علّ مراهقة مثلي تعرف اليوم أن ماتريده من أيامها يختلف عما تريده صديقاتها. أولاً لأنني لم أكن في الأصل في صراع داخلي بين ما أريده وما يريده الآخرون. لم أكن أعرف الأسامي، ولكني كنت أعيش الاختلاف بدون عذابات. وثانياً، الصبيّات مثلي اليوم يعرفن جيداً معنى الطريق المختلف، وأيديهن- يخليهم لأهاليهم ويحفظهم- واصلة في المعرفة وواسعة حيلة.

أكتب هذه التدوينة لسبب تافه- التفاهة الظريفة الحلوة اللذيذة، أحسن نوع- وهو أنني عندما استمعت في أسبوع مضى لأغنية زياد برجي ” إجت الصيفية” وجدتها أغنية مثالية أسمعها في طريق العودة إلى المنزل على مسجل السيارة. أعادتني فوراً إلى غرفة المكتبة والمكالمات الطويلة ومشوار الظهرية كي أبتاع زهرة الخليج. وعدت لها وأنا مرتاحة مع نفسي ومع محيطي. عارفة قيمي وناسي ودنيتي. وأشياء كثيرة كنت أظن أنها ليست من نصيبي وقتها، صارت من نصيبي الآن. ممتنة، أمامي أفق ممتدّ، وورائي حياة طيبة فيها كرم من الله وفضل.

الحمدلله. وكل المنّة.

3 رأي حول “إجت الصيفية ١٩٩٩”

  1. ياه امتلئت روحي بالحنين من قراءة هذا النص، رغم اختلاف بعض التفاصيل إلاّ أن الاشتراك في “الانطوائية” وهدوءها الصاخب الذي أحب؛ أثار حنيني. 🤍❤️

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s