وأنت، يا مغرور، اخترْ لك طريق

هذه الأيام ملائمة لأتعلّم فيها بعضاً من التواضع.

لسنوات كنت أنصح الآخرين بأن يتولّوا أعمالهم بأنفسهم. خطوة وراء خطوة، تستطيع أن تصل بنفسك إلى نتيجة ما. لم الاستعانة بالآخرين في أمر يمكنك أنت أن تفعله؟

هذه الأيام فهمت لم. لأن الغيم على عيونك شاسع المساحات. لأن الموضوعية التي لطالما ظننت أنها أمر مفروغ منه هي هبة من الرحمن، لكن فرط الشعور، على الجهة المقابلة هو أيضاً هبة لا ينبغى أن نغلق بوجهها نوافذنا.

تستطيع أن تخوض البحار، أن تصبر على الصعاب. تستطيع أيضاً أن تُعطي لنفسك فرصة. قليلاً من الراحة. أن تفرد قبضة يدك وتمدّها.


عنوان التدوينة من النداء الحكيم الذي أطلقه محمد البلوشي في ” كل شي معقول“.

الصورة للعزيزة رهف، في إطار مساعيها المثابرة لتحويلها لميم 😂♥️

شوكولاتة رديئة. يوم شجاع.

تعدّ القهوة. تعود إلى مكانك المفضّل وتحاول الاسترخاء. تتذكر الرواية التي كنت تقرأها في أغسطس الماضي وتتساءل إن كان من المفيد أن تعيد قراءتها بعد مضيّ السنة. تأكل قطعة شوكولاتة من شوكولاين، أخذتها من درج الثلاجة، من بواقي عيد الأضحى. مغطاة بطبقة بيضاء رفيعة تعرف جيداً أنها زيت الشوكولاتة الرديئة (متى سنستيقظ ونتوقف عن شراء باتشي وشوكولاين؟)، ولكن تختار تجاهل الأمر.

تبدأ في ارتشاف القهوة. تكتشف أن طعمها يشابه في جودته الشوكولاتة. الله يكرم النعمة. لابأس، منبّهات تقودك إلى مكان مختلف عدا المكان الذي تود أفكارك قيادتك إليه. تفتح الكيندل على الرواية. الصفحة الأولى تنتظر عنايتك، وأنت مشغول عنها بنشر تدوينة كتبتها في ملاحظاتك. تعرف جيداً أن ” التجربة التدوينية” قد انتهى بشكلٍ ما وقتها معك. بنهاية أغسطس الأشياء التي كنت تريد فهمها، واختبارها وتمحيصها، حول النشر في الفضاء العام، قد حصلت عليها تقريباً. حان الوقت لتوجيه هذه الطاقة إلى أمور أخرى وإلى كتابة أكثر انتقائية. مع ذلك، الروتين يحكمك، خصوصاً أن أغسطس لم ينته بعد. نسخ، لصق، نشر.

ثم. سربرايز. بدلاً من أن تبدأ في قراءة الرواية، تعود لاستكشاف أفكارك. تتأمل في العبارة التي كتبتها في ساعات الفجر الأولى:

” تسلّقت الجبل. وصلت إلى مساحة مستوية من الأرض. تتلفت حولك، ما العمل الآن؟

تتنازعك الأفكار. والشكوك.”

وتسأل نفسك. طب وبعدين؟ ما فائدة أن يكون القلق هو الشعور المسيطر عليك؟ اللوم؟ الرغبة في السيطرة بدون ترك الزمام؟

كيف يمكن أن تكمل العبارة بطريقة طيبة؟ كيف تحيّد صراع الأفكار، وتعود بالشكوك إلى صناديقها؟

الرواية القديمة بداية طيبة. تأخذك من سياقك، تغمسك تغميسة لذيذة في عالم آخر، وتذكّرك في الوقت نفسه بسياق آخر كنت فيه سابقاً.

ثم؟ هالله هالله بالتهوين. هوّن عليك ما تجد، لا لأن وقعه عليك هيّن، بل لأنك تحتاج قصة لطيفة خفيفة الروح، تغيّر من هذا الوقع. القصص متغيّرة، لم إذن لا تختار من المتغيّرات أطيبها؟

حسن الأسمر يشدو ” أعمل لك إيه حيرتني“، بنسخة معدّلة من الأغنية الأصلية، أدخل عليها صاحبها عبقرية الكورال الذي يردد ” حيّ، حيّ”.

ماذا أيضاً؟ ماذا يمكنك أن تفعل؟

الكتابة. العميقة المتأمّلة. عما ترغبه، عن الممكن والحلم، عن الأمنيات، وعن النهايات الطيّبة المعقولة.

على الأقل هذا ما تستطيع فعله هذا الصباح. قبل أن تسحبك تيارات باقي النهار. تؤمن أن التغيير، والحلول، لن تأتي في هذه اللحظة. كل ما يمكنك فعله هو الإمساك المتفائل بالدّفة، وقبول أن البطء هو عنوان المرحلة.

جوّز بنته صاحبنا

أعرف جيداً ما يعنيه أن يكون لديك ظهر ودود.

حاضر وراءك طوال الوقت، يحميك، وتركن إليه. وإن احتجته ليمهّد لك الطريق، وجدته أمامك قبل أن يتكون على لسانك السؤال.

أعرف جيداً ما يعنيه أن يكون لديك ظهر ودود.

كثيف الحاجبين. يلتقيان تلقائياً عند أي لحظة شكّ في أن هناك ما يؤذيك. أو من يؤذيك. صوته هادئ، حضوره مهيب، ومستعد أن يتفاهم مع الدنيا بأكملها كي تتسق لك الأمور.

أعرف جيداً ما يعنيه أن يكون لديك ظهر ودود.

يضع رصيده كله على الطاولة أمامك. تحت أمرك الحساب وصاحب الحساب يقول لك. دفتر علاقاته تحت أهبة الاستعداد لأن يطوّع معارفه وأهله والأصحاب لخدمتك، ولأهلك وأصحابك. كرمه لك لا يراه كرماً، ولا يحتاج أن يمد يده إليك. يتوقع أن تمد يدك وتأخذ كل ما تريد، وفوقها كمشة ورد.

أعرف جيداً ما يعنيه أن يكون لديك ظهر ودود.

عيونه حكيمة وطيّبة، تضحك لك ولمن أحبّك. مش سهل بيتنسوا. ايش ما صار في هذا العالم، يقف وراءك، ليس فقط يحبّك ويريد لك الخير، بل مستعد أن يحفر في الجبل لأجلك، ويعتبر الحفر أمراً عادياً ومنطقياً. بل ويدعك أنت أيضاً تعتقد ذلك.

أعرف جيداً ما يعنيه أن بكون لديك ظهر ودود.

من أرض مكناس

تتخلى عن مكان العارف ببواطن الأمور.

حيث لا دهشة من الأحداث، لأنك تعرف مسبقاً عنها.

حيث التأكّد من لا جدوى من الأمل، لا مكان للصدّف، لا سعادات، صغيرة أو كبيرة، تُوزّع بالعدل.

لا. لا تريد أن تكون هناك.

تفضّل أن تشرق الدنيا وأنت قائم تنتظر المطر، فتجد طريقة ما للفرح بالشمس. تفضّل أن تؤمن بخيرية الناس، كما هو إيمانك بأن الظلم والطمع والشر سيجد طريقاً بينهم. تفضّل أن تفوّض أمر التدبير لصاحب التدبير، وأن تعطي أحسن ما عندك، ثم تجلس تحت ظل شجرة، تأكل تفاحة وتشرب الماء.

تتخلّى عن مكان العارف ببواطن الأمور، وترضى بأن تضع قلبك على راحتيك، وتسلّم الأمر، والأمل، كله لله.

بهيّة يا بهيّة

بيتي هذا الأسبوع يضيء بـ جُرم.

بوستر متوسط الحجم، وصلني قبل أسبوعين عبر البريد ملفوف بعناية أحببتها وقدّرتها، ولكنها لم تستطع حمايته تماماً من ” التعفّط” وعثرات الطريق. ففردته على طاولة عريضة وغطّيته بمجلّدات ثقيلة، بدأت بأقربها إلى قلبي وأكثرها اتساقاً مع هوّية جُرم الثقافية والبصرية، قاموس المورد لمنير البعلبكي، نسخة ١٩٨٢.

اعتدت على منظر المجلّدات فوق الطاولة حتى نسيت ما تحتها، لغاية الخميس عندما كنت أستعد لاستقبال ضيوف قربهم من قلبي يسمح لهم باعتلاء أي سطح يرونه مناسباً للجلوس، فأعدت المُجلّدات لرفوفها، وقضيت دقائق أمام البوستر أفكر. هل أعلّقه الآن، أم أنتظر حتى يخلو البيت من الضيوف وأعيشه كتجربة فردية مثل أغلب الأشياء التي أبتاعها لنفسي. في الثانية الأخيرة وجدت أن ألق ألوانه يستحق الاحتفاء الجماعي، وكأن بهاه أكبر من أن تحتويه أحاديثي الصامتة معه. يحتاج إلى الضوضاء، إلى الضحكات العالية والعيون المترقّبة، إلى الجاكيتات والفساتين والعقود الكبيرة على الأعناق ولمعان الأساور المركّبة فوق بعضها وتلويحات الأيدي الممتلئة بالخواتم.

اختياراتي عادةً فيها بعض النتوءات المختلفة عن اتساق الذوق العام لأهلي وأصحابي، لا أبتاع الأشياء لجمالياتها، بل للقصص التي أفهمها والمعاني التي تمثلها. وأتعب أحياناً عندما أشعر بأن موضوع النقاش هو فضول البعض بشأن اختلافي، وليس القطعة بحد ذاتها التي ابتعتها. لذلك علّقت بوستر جُرم وأنا أستعد نفسياً لأسئلة من قبيل ” ما الذي جعلك تشترينها” ” لم لفتتك هذه ولم تلفتك كذا”. مالم أعمل حسابه أن قطع جُرم، يبدو ذلك، تعيد تركيز الحكايات لتلتف حولها، وحولها فقط.

بيتي هذا الأسبوع أضاء بـ جُرم. وأعني ذلك حرفياً.

أحاديث كثيرة بدأها البوستر، وتمحوّرت حوله. ونقطة من نقاطي الصغيرة، هاشم، بسنواته الخمسة، يقف حارساً وناقداً. يؤكد لكل من يتوقف للحظة أمامه أن البنت المستلقية على الأرض ” مبصوطة” وليست ” طفشانة”، حسب الخلاصة التي توصلنا إليها عندما رأى البوستر لأول مرة وأمطرني بأسئلته عنه.

غريب. غريب جداً. كيف يمكن لبوستر بخمسة وثلاثين ريالاً، أن يأتي بكل هذه الطاقة الاجتماعية الكريمة التي لا يمكن قياسها.

هيلا هيلا وهيلا وهيلا

أحب الأفعال الرتيبة التي تعتمد على التكرار بدون أخذ قرارات.

أقطّع السلطة. جزر وخيار وخسّ وجرجير وطماط وحبتين ليمون. تشوب تشوب تشوب تشوب. بسكّين حادة كبيرة حدّت لتقطّع اللحم.

الكافتيره على النار. الشاي، بالطقوس المحددة التي ابتكرتها الأسرة وصقلتها عبر السنوات، ينتظر الاكتمال. أحمد منيب يغنّي للمراكبي، أن شدّ القلوع، مافيش رجوع. بأنغام تبدو نوبية، وبصدر واسع لا يبدو أنه مُقدم على مغامرة من أي نوع.

تشوب تشوب.

عمرو موسى في الجزء الأول من مذكراته ” كتابيه” يتذكر أنه استعان بالسفير منير زهران رحمه الله للتحدّث باسم مصر في مؤتمر ما. ووصف مواقفه بالصلابة، وبأنه يستطيع أن ” يوقف المراكب السائرة”. ووجدت أن وصفاً في هذا السياق هو أرفع شهادة وطنية يمكن أن تقال عن سفير.

ألا شدّ القلوع يا مراكبي. ألا ليس هناك رجوع يا مراكبي.

ستائر مخمليّة

هذا الصباح بنفسجي. مع إني لا أحب اللون، ولكن يروقني أن لون هذا الصباح بنفسجي.

صباح الخير.

ليلة الأمس كانت اجتماعية حافلة، لكنها ولله الحمد لم تكن سمّية. ولا أخذت من طاقتي فوق ما أود لها أن تأخذ.

فاليوم الصباح بنفسجي. مثل سيّدة لديها الدراماتيكس الكافية بأن تسدل الستائر- التي يجب أن تكون مخملية وتصل للأرض- على شبابيك المخدع. لازم يكون مخدع، غرفة لا تفي بالغرض. تعتمد على مصباح خافت للإضاءة رغم أننا في عزّ النهار، وتقول للوصيفة أنها ليست مستعدة لرؤية أحد اليوم. عندها صداع.

خليط بين أودري هيبورن ومريم عزّ الدين وديكورات فيلم ” لا أنام”.

أمّا أنا، فأراجع مشتريات الليلة الماضية على كمبيوتري. أحمّل فيلم ” دعاء الكروان” من إيجي بيست كي أشاهده على شاشة التلفزيون في وقت آخر وأتصفّح تويتر على جوالي. أذهب لصلاة الظهر، ثم أعود للمكتب وأبدأ العمل.

سالمة يا سلامة

لم أستطع النوم. الليل دامس في الغرفة عدا خطوط من ضوء فرّت من قبضة الستائر. أرتدي شرشف الصلاة. أنتظر الفجر، وبيدي مسبحتي.

هناك شيء غريب يحصل، مخي يخبرني أن ” انتبهي انتبهي”، وأنا غارقة في أفكاري وتساؤلاتي. انتبهي انتبهي. هناك شيء ما خطأ. غير متّسق مع السياق.

لما زاد إلحاح عقلي عليّ، تركت أفكاري ورفعت رأسي في فحص دقيق لمحيطي. لا شيء خطأ. كل شيء كما يُفترض أن يكون. كدت أعود لاستغراقي لولا النافذة. النافذة على يدي اليمين تحمل أصواتاً طفولية تلعب. وكأنما الساعة الرابعة والنصف عصراً في يوم مدرسي، بدلاً من أن تكون قبيل الفجر.

لسبب ما، لا أدري بالضبط ماهو، بدلاً من أن يشعرني الأمر بالاستغراب كعمّة تستعد أن تمارس سلطتها الأبوية وأطل عليهم من نافذتي ” لين دحين مانمتوا؟ فوراً روحوا اتوضوا وصلّوا وعلى غرفكم تناموا”، أشعرني بالبهجة والتفاؤل.

في المساء المبكّر أتت أختي لتريني ” سنابات” لمناسبة سعيدة في العائلة. الصورة الأولى مجموعة من الناس الأعزّاء، ومنهم العزيز الذي هو في نفس الوقت الطرف الآخر في تلك الحكاية التي أفضّل تجاهلها. أو تجاوزها.

قلبي انثنى على نفسه. وكأنما أصيب بمغص حاد. اعتذرت بسرعة عن مشاهدة بقية الصور، ورغبت- برفق- أن أتجاوز هذه المشاعر، وحدّتها، وكأنما هي ردّ فعل فوري للصورة ينتهي بغيابها عن عيني. قبل أن أنام عاد قلبي لينثني مرة أخرى. ثنية بسيطة جداً، تذكرني أن هناك ألم ما، حتى وإن استطاع عقلي أن ينسى المسألة تماماً.

لم أستطع النوم. وبالرغم من أنني أستطيع مغادرة الضيق الذي يعتمل في صدري (أهو ضيق، أم شيء أكثر عمقاً؟) لعوالم أخرى، كأن أقرأ، أو أتابع حلقات عدة من مسلسل مفضّل إلى أن يغلبني النعاس، إلا أنني فضّلت اللجوء إلى الخيار الأنضج. أن أحلل المسألة، وأن أصل بها إلى معنى وقصّة ترضيني.

قضيت الليلة أتفاهم مع الأمور التي كانت تحدث صار لها شهور، أسجّلها بعقلي، أضعها في ملف نايلون، وأدسّها- وأنا أصفّر وكأنني لست عامدة- بين الملفات بحيث لا تظهر لي إلا إن اضطررت. مجموعة من الحقائق، مغلّفة بمشاعر معقّدة.

بدأت بالحقائق. ما الذي حدث فعلاً، بدون التفسير الذي تحمله هذه الأحداث. وبعد الحقائق، كتبت تفسيري لها. وأي أعذار، أو قصص أخرى، يمكن أن تكون لهذه الحقائق بعيداً عن نظرتي الشخصية. ثم. لم اتخذت القرار بعدم التفاهم مع العزيز ذاك، وأنا دائماً أفضّل أن أتحاور وأزيح الأحجار عن الطريق. في النهاية وصلت إلى فهم، ليس مريحاً كثيراً، ولكنه جميل. عن موقفي وموقف الطرف الآخر. وانزاح الثقل الحزين عن صدري.

صوت الأطفال الضاحك الصبي تسلل إلى قلبي كما يتسلل نور الصباح. الأيام التالية- كتبت التدوينة الجمعة- كانت مفاجئة في سلاستها. وجدت القبول في علاقتي مع الآخر. والتسامح المؤقت الذي يضبط المشاعر، ويقود العلاقة لمكان محايد، حتى يأتي جديد ما يخرجها منه ويعرّفها مرة أخرى.