الرصاصة لاتزال في جيبي

عندي عدو واضح، أحاربه في صوتي وبصوتي.

النبرة الاعتذارية عند السيدات. ابتداءً من استخدام ” أعتقد، وربما، ويمكن” في أمور ينبغي أن تكون عباراتنا حاسمة وقاطعة فيها، لأنها لا تحتمل الربما واليمكن، مروراً بالمحاولات الحثيثة للهروب من الثناء المُستحَق والتشكيك في مصداقيته وحجمه، وانتهاءً بتصغير الإنجازات، والتعامل مع الإنتاج على أنه ” أقل” مما يجب، وأن هناك آخرين يقدمون أكثر.

ومالنا نحن والآخرين يا رفيقتي التي ما تسمع الكلام؟

اليوم وصلني إيميل من سيّدة كلمتها مسموعة في مجالها. تؤلف الكتب، وتكتب المقالات، وتحاضر. ومع ذلك حديثها عن نفسها اعتذاري. انتفضت أعصابي. هذه العبارة الملائمة لوصف ماحدث. ليس فقط لوجود هذه النبرة الاعتذارية، بل لأنني كنت متوقعة كثيراً مقاومتها إن اقترحت عليها تعديلها. رددت عليها مع ذلك بأفكاري، والمفاجأة السعيدة أن توقعاتي كانت مخطئة تماماً. تقبّلت الفكرة بدون مقاومة (وبدون اعتذارات أخرى)، وتخلّصت مما لا يليق بمشوارها.

لم نعتذر؟ ولم اعتذاراتنا خفيّة كدبيب نملة، ومع ذلك يلتقطها الآخرون ويسمعها الكل- فيما يبدو عدانا- بوضوح؟ هل لأننا لا نرى استحقاقيتنا؟ هل لأننا نشعر بأن من التهذيب ألا نفترض قيمتنا، بل ندع الآخرين يضعوا لها تعريفاتهم ويمنحونا التقدير المناسب..؟

هل لأننا نريد أن نحمي أنفسنا بشكل استباقي من ” الحقائق” التي نشعر بها عن ذواتنا، ونخشى أن نستفز الآخرين فيطلقوها في وجهونا، وإن أطلقوها تأكدت.. لكن طالما هي في ظلام أعماقنا، فهي بين الشك واليقين؟

ربما هذا وأكثر. كل واحدة منّا وحقائبها التي تحملها من طفولتها وتجاربها. لكن في النهاية النتيجة واحدة وإن اختلفت الرحلة. لنتعامل مع محتويات هذه الحقائب، لنتوقف عن دعم الأفكار الآيلة للسقوط بمزيد من الدعائم المؤقتة، ونختار أن نرى ونعيش ونعرض حقائقنا بدون حاجة للاعتذار عنها.

الراقصون في العتمة

نعم. أنا مُدركة لقتامة الألوان التي تحيط بنا، وبناسنا. ولكن هذا جزءٌ من القصة، ولم نصل بعد إلى بقيّة الطريق.

مدركة أن هناك هجوماً يطل برأسه من وقتٍ لآخر على ما نمثّله، وفي هذا الهجوم الكثير من اللاعدل. الجفاء القاسي. والغباء الذي يؤدّي للظلم والسواد. وأننا، في مقابل ذلك، نصرف طاقاتنا الغالية في كثير من الأوقات لإدارة ” حمول” التعاملات. وفي بقية الوقت، للتداوي منها.

مع ذلك، أرى أن هذا جزء من الطريق. وأمامي يمتد الشارع الواسع. والحياة الحلوة. الصح. الطيّبة. الصادقة. التي لا تخون، ولا تميل.

قبل فترة كنت أشوف برنامج عن أكشاك الشوارع. حلقات، وفي كل حلقة يربط بين فقراتها المتنوعة تركيز معين على كشك له تاريخ وله ثقل ثقافي، وطعامي، ما. وكل حلقة من بلد.

الحلقة اللي كنت أشاهدها كانت من تايوان. والكشك المركزي هو كشك بدأه صيّاد وزوجته لتقديم يخنة السمك. رحل الجيل الأول، وتولى الابن وزوجته العمل، ثم كبرت الحفيدة، وانهمكت في العمل العائلي أيضاً.

الحفيدة كانت ملفتة لي من اللحظات الأولى لظهورها على الشاشة. في بداية ثلاثيناتها على ما يبدو. ولحضورها شفافية مريحة تتجاوز ما تعوّدت على التقاطه. والمعلّق يتحدث إن الحفيدة منذ استلامها للعمل قبل سنوات حوّلت الكشك إلى تجارة جيدة وافتتحت أكشاكاً في شوارع أخرى مع الاحتفاظ بالتحضير التقليدي نفسه للطعام.

في العشر دقائق الأولى من الحلقة ربما تظهر الحفيدة على دراجتها النارية متوجّهة لسوق الخضار. تقول بالصينية: ” بما أنني أنا الفتاة التي عادت لتتولى عمل العائلة…” وتسكت للحظات بينما أقرأ الترجمة، وأتوقع المصاعب التي ستواجه الفتاة التي تتولى في بداية عشريناتها تجارة كهذه في ثقافة أبوية كهذه، تكمل القول: ” فسأفعل وأقرر ما يحلو لي. أنا المسؤولة”.

تفاجأت كثيراً بالعبارة. لم أتوقعها على الإطلاق في سياق السيدة ولا سياق حديث البرنامج. كأنها نفحة هواء منعشة هبّت علي من حديقة ربيعية وأنا في وسط هذا الشارع.

العبارة لم تأتِ بصيغة تحدّي تعودنا عليها من البرامج التلفزيونية. التقاطي لها كان لأن النَفس مختلف تماماً. نفس عادل هادئ، وقوي بدون أن يكون متنازعاً، وذكي كثيراً كثيراً.

وتوقعت أن الأمر سينتهي هنا. لكن بمرور معظم الحلقة، شاهدت كيف أن الفتاة هذه عندما عادت من دراستها الجامعية في العاصمة بناءً على استدعاء والديها، وُضعت بين ٤ حوائط صغيرة. مطلوب منها أن تساعد في العمل، ثم تُعارض في أبسط قرارات التغيير. وذكرت تصرفات على أساس إنها تصرفات عادية، ولكني رأيت فيها تقويضاً متعمداً من قبل الأهل لسلطتها وحاجتها. ورق قلبي لها وهي تقول أنها كانت تذهب للصلاة في المعبد، وتسأل ” القوة السامية” الإرشاد. كل هذا الحديث في سياق ” الحكايات العادية”، لا في سياق المآسي والتحدّيات. وكيف وصلت إلى اتفاقية ما- ماكرة ومؤذية في سطحية مكرها واضطرارها لها- كي تدخل التغييرات التي يحتاجها الكشك وتمررها على والديها. لكنها فعلت ما يحلو لها. وستفعل ما يحلو لها.

هذا النوع من العشب الأخضر الذي أراه في عالمنا. وأراه يزهر ويتسلق. بدون أن ينتظر استئذان أحد. هو موجود مثلما القتامة موجودة. ونفَس الخير طويل. أنا مؤمنة به، ومؤمنة بك يامن تستمع إلى أغنية يبدو أن من حولك لا يستطيعون سماعها. الخير حال ومقيم. والشر آتٍ ولكنه لا يقيم والحمدلله. سترحل القتامة، وبرحيلها سنتفاجئ- مع معرفتنا- بانتشار الأخضر الذي أفلت من أيدينا وغمر الطريق بينما نحن مشغولون بالتفاهم مع فلان، والترتيب لعلّان، والتداوي من هذا وذاك.

الكثير من الودّ. وبوكيهات العشب.

 

 

هل أنت كائن فضائي؟

حصيلة اليوم.

البقاء حتى وقت متأخر على الجوال، أشرح لصديقتي العزيزة، الجميلة اللطيفة السُكّرة، كيف يمكنها أن تقدم لأطفالها الأعزاء شوربة بطاطس لذيذة لأنهم أعلنوا تمرّدهم على الشوربة التي تقدمها لهم كل يوم.

العالم بأكمله، بتلفزيونه ويوتيوبه وبلوجّاته وڤلوجاته، لم يستطع أن يقدّم لصديقتي ما تحتاجه. أن يعيد تعريف عملية الطهي لتتوائم مع هندسة عقلها. واليوم مشيت معها خطوة بخطوة، أدير مقود سيّارتي بحرص ومراعاة، كي تستجيب عباراتي لمنعطفات طريقها. والنهاية كانت طيّبة للغاية الحمدلله. قدّمت للثوّار ما يرضيهم. الابن الأكبر، قائد حملات المقاومة، غرف لنفسه، كما تقول صديقتي، مرّتين. ألف هنا وعافية على قلبه.


تفتّح قلبي على الحب حينما رُزقت بأوّل ” نقطة صغيرة” في حياتي. ابنة أختي. ثم تتالت النقاط، حفظهم الله ورعاهم، وماعرفت حبّاً عرّفني على أشياء بداخلي لم أكن أعرفها من قبل كحبّي لنقاطي الصغيرة. السيدات يعرّفن بأنفسهن على أنهن ” زوجة وأم”. هذا تعريف منطقي ومعقول، يشكّل جزءاً أساسياً من هويّاتهن.. عنّي أنا؟ أنا ” خالة وعمّة”. وهوّيتي تتسع وتكبر عندما أفكر في أنني خالة ” خرافية”. و” عمّة” دافئة ومُحبّة بدون أجندات. أعتني وأقود وأضمّ وأحب، وأوجّه وأؤدّب وأمارس السلطة الممنوحة لي بكل كرم، ومسؤولية. وشعور الحمد عندي لا تسعه بحور الأرض.

من نقاطي الصغيرة من لا يشبه أحداً على الإطلاق. وظهر هذا من وقت مبكر، مبكر للغاية. أعترف أنني منذ السنوات الأولى لحياته، يخلّي لي هو، ولكي أستطيع أن أصنّف شخصيته، وبالتالي أتعامل معه بما يناسبه، احتجت لأن أفكر فيه، بيني وبين نفسي، وبيني وبين والدته أيضاً لأنها كذلك كانت حائرة بأمره، بأنه ” فضائي”.

لا أرغب في أن أوضّح أكثر. كان طفلاً سعيداً، ظريفاً، ذكيّاً. يملأ حياتنا بالبهجة. ولكنه يفكر بطريقة لا تنتمي إلى كوكب الأرض. إن أردت أن تعرف أكثر عمّ أتحدث، يمكنك أن تقرأ ما كتبته السيّدة منى عن ” نهاية“. أساساً هذه التدوينة عبارة عن استجابات متقطّعة لما أثارته نهاية من ذكرياتي.

الآن هذا الطفل قد أصبح فتىً في أواخر أعوامه الدراسية. حفظه الله ورعاه. المفاجأة، لي ولوالدته، أن فضائيته أصبحت تأخذ شكلاً مألوفاً لنا. أصبحت ضمن السياق الاجتماعي المتعارف عليه وإن كان من الأطراف. يعني بين كل فترة والثانية يفاجئك بتصرفاته، لكنها مفاجأة لا تثير التساؤلات. المفاجأة التي أتحدّث عنها هي أنه، في فتوّته، بات يشبه من؟ يشبه والده.

يبدو أنني أحتاج لشرح ما أقصده بشكل أفضل. كنت أتوقع أن الطريقة المختلفة التي يرى فيها الابن العزيز الأمور من فترة مبكرة للغاية هي شيء يخصّه وحده. شيء فضائي يحتاج لأن نتعامل معه بحرص وفهم، كيلا يصطدم مع أعراف المجتمع. ولكن ظهرت أن هذه ” الفضائية” هي امتداد لفضائية والده. نحن فقط عرفنا والده في شبابه، عندما استطاع أن يصغي ويتفاهم ويجري التسويات مع طريقة التفكير الجمعي، كيلا يظهر مختلفاً كل الاختلاف.

النقطة الصغيرة، العزيزة، أيضاً أجرت التسويات مع المجتمع. لكني سعيدة للغاية، وشاكرة، أنها لم تتخلّ بشكل كامل، ولا حتى بشكل جوهري، عن فضائيتها. لازال التفكير مختلفاً، لازالت ردود الأفعال منعشة في جدّتها وطيبتها وغرابتها. لازالت العيون تلقط الدنيا حسب ” ضبط المصنع” كما تقول قصاصات. تلقطها بالزاوية الذهبية، العجيبة الحبيبة الغالية، التي كانت عليها في طفولتها.

لا أعرف فضائيين في حياتي غير نقطتي الصغيرة، لكني تقريباً متأكدة من أن صديقتي العزيزة التي لم يستطع العالم أن يقدم لها صياغة الطهي بطريقة تستوعبها، فضائية سابقة. وإن سألت والدتها العزيزة عن طفولتها، سأجد كل الدلائل التي تؤكد افتراضي هذا.

رفقاً بالفضائيين الصغار والكبار في هذا العالم. يستحقّون مكانهم على الأرض، ودنيانا تستحق أن نحصل منهم على كل الجمال المختلف بمجرد كينونتهم كما هم.

أن نكون شجعاناً لنحبّ

لا تختبئي مني. أنا إن آذيتكِ، أؤذي نفسي. لكن لا مفر.

لا مفر أن نؤذي بعضنا بعضاً. أن أمدّ قلبي على يدّي، وهو أغلى ما عندي.. وأن تمدّي قلبك على يدّك، وهو أغلى ما عندك..؟

لا مفرّ من الأذى يا صديقتي. لكن دعينا نجلس تحت مظلّته سويّاً. أن نصل إلى درجة الإيمان بأنني مخلصة في حبّي، وأنك مخلصة في حبّك، وأن الأذية تأتي من اللافهم، واللافهم، المخلص الصادق الأمين، سيذهب بنا إلى الفهم.

آمنةٌ أنتِ معي. وآمنةٌ أنا معك. لن أختبئ. ولا تختبئي.

شكّة إبرة. غمضة عين. ونهر رفقتنا يفيض ويمتلئ. وتخضرّ الضفتان.

من اختمار الحلم.. يأتي النهار

في الحلقة الخامسة من الجزء الأول من ليالي الحلمية. وأنا الآن دائخة. دائخة من الجمال. مغرمة بالجمال.

حرفياً. لدرجة أنني اضطررت لإيقاف المشهد- السبب المباشر لدوختي- وفتحت ملاحظات الجوال لأكتب وأعبّر وأُنفِّس. وأنفث حرّات الجوى كمان.

في أوّل رمضان عملت بحثي المعتاد الذي بتّ أجريه كل سنة تقريباً خلال الخمس سنوات الأخيرة. أبحث عن الدراما السورية، خصوصاً تلك التي أُنتجت لرمضان من دمشق، وليس من دبي أو من القاهرة. لم أجد شيئاً يستحق المتابعة، وكذلك كان الحال رمضان الماضي. بس رمضان الماضي أذكر كان هناك مسلسل أو مسلسلين يستحقّان، لكنهما قاتمين للغاية وأنا أحتاج الهواء والنَفَس المتأمّل في التعامل مع الأحزان. هذه المرة لم أجد شيئاً. الوجوه منفوخة، سيدات حُبسن بين عمر الخمسة والأربعين والستة والأربعين على رأي بيل بُر، وظللن في هذه المنطقة الغريبة الدِسيوتيبيه عشر سنوات. الممثلون العظماء.. أوّلهم بسّام كوسا، يُفترض أن يمثّل دور الجدّ، ولازال يمثّل أدوار منتصف العمر.

هذه المرة شملت المسلسلات المصرية ببحثي. على أمل أن أجد شيئا شبيهاً بـ” سابع جار“. لم أجد. فأغلقت نافذة البحث ورضيت بأنني لن أشاهد رواياتٍ متلفزة بلغتي وبقصص أهلي. وعُدت لمتابعة ذا سوبرانوز الذي أشاهده للمرة الأولى هذه الأسابيع.

المهم. قبل يومين أو ثلاثة شعرت أنني بحاجة ماسة لمشاهدة شيء عربي. ذا سوبرانوز- على عظمته السينمائية- لا يسدّ الحاجة الوجدانية التي أود لها أن تمتلئ. فكرت بقراءة رواية عربية ولدي خيارات أعرف أنها ستعجبني. ولكن الروايات العربية التي تخاطبني حقاً ترفع الغطاء عن بئري العميق.. تفتح خزانات المشاعر كلها بدون تحّكم منّي. ولا أميل لأن أتلقى مثل هذا النوع من السلطة الفوضويّة. إن كنت قارئاً لهذه المدونّة ربما تكون خمّنت سلفاً أنني أتعامل مع جرعات المشاعر كما يتعامل الصيدلاني مع جرعات الدواء. حريص على ضبطها، مُنتبه لكميّتها وكيفيّتها ومواعيدها، وتوظيفها لأغراضها الطبّية السليمة. المشاعر السداح مداح لا تناسبني. بل وأشعر أنها تضييع لطاقة بنّاءة وغالية يمكنني أن أحتفظ بها لنفسي. وأهبها للغاليين على روحي.

المهم. للمرة الثانية أقول ” المهم” بس مش مهم.. 🤷🏻‍♀️

خطرت ببالي ليالي الحلمية. وكنت قد شاهدتها للمرة الأولى ربما في ٢٠٠٨ أو ٢٠٠٩ لا أتذكر. أتذكر فقط تقديري لها واستمتاعي بنسيجها الدرامي. فقلت يللا.

شاهدت الحلقة الأولى. الثانية. هممم. لم تحرّكني كثيراً.. ولكنها بدت ترفيهاً جيّداً خلال اليوم. الحلقة الثالثة والرابعة خطفت قلبي. الخامسة؟ تعرف ما حصل.

درست في ٢٠١٨ منهج البحث النوعي على كورسيرا. الأستاذ في أولى المحاضرات كان يتحدّث عن علم الهرمينوطيقيا، أو علم التأويل. وهو أحد فروع علم المنطق. يُعنى هذا العلم بما تأتي به إلى طاولة النص كمُفسّر. يعني تجاربك وفهمك للحياة تتدخل تدخلاً مباشراً في صناعة تفسيرك للنّص. وبالتالي يكون المعنى مقاسمة بين صاحب النص وبينك كمُتلقّي.

بشكل عام مهتمّة بالتاريخ. بشكل خاص مهتمة بتاريخ العرب الحديث في بدايات القرن العشرين. بشكل أكثر خصوصية، هذه الشهور تحديداً، مهتمة جداً بالحرب العالمية الأولى والثانية. أقرأ عنهما الكتب، ومؤخراً شاهدت وثائقي على نتفلكس عن الحرب العالمية الثانية وما حصل للألمان. بعدها قرأت هذا الكتاب، وأُصبت بالإحباط لأنني كلما حاولت أن أجد تقييماً شبه مُحايد- شبه، راضيين بالشبه ومتوقعينه كمان- لما حدث بين هتلر والحلفاء، لا أجد ذلك. الهولوكوست جعلت من أي محاولة محايدة لرواية تلك السنوات شراً محضاً. بعدها أعدت قراءة رواية مفضّلة عن جاسوس ألماني يعيش في لندن خلال سنوات الحرب.

أتيت لمشاهدة ليالي الحلمية، والتي تدور أحداث حلقاتها الأولى في قاهرة بداية الأربعينيات من القرن العشرين (الحرب العالمية الثانية كانت بين ١٩٤٠ و١٩٤٥، ووقتها مصر كانت تحت الاحتلال البريطاني. الاستعمار كما يقولون).. أتيت لمشاهدتها وأنا مِحمّلة بالعجب، والفضول والأسئلة والخيالات، مما أحطت نفسي به خلال هذه الشهور. وقدّمت لي هذه الحلقات قطعاً إضافية، صاخبة ومثيرة وجميلة، للحلقات التي تدور بداخلي. فأتلقاها بعمق. وأتلقاها بحب. وأتلقاها بشكر. ثم أدوخ من الجمال.

أتيت أيضاً لمشاهدة الحلمية وأنا مبهورة بفكرة العلاقات الإنسانية وتحوّراتها، وليس تحوّلاتها فقط، على مدار عقود من الزمن. فلان الصغير بات كبيراً، وفلان عرف فلان في ذاك المكان ثم صادفه مرة أخرى في مكان آخر. الرفاق في سنوات الحب توزّعوا، ثم تجمعوا والنفوس تغيّرت. الجميل الذي امتدت به يديك دون قصد، وبات صاحبه يطاردك من مكان لزمان، كي يرده لك مراراً وتكراراً وأنت تقول آمين آمين.

وفي حلقات الحلمية، ما أعرفه عن مستقبلها، تحوّرات كبرى. فدائيون يحاربون الإنجليز، ضبّاط أحرار يقومون على البلد، سفراء تجّار وتجّار سفراء. ومقاهي وعمّال مصانع وأولاد يقاسون الحرمان في الصغر ويتخطوّنه في الكبر. أشيااااء تحصل يا رجل.

وأتيت لمشاهدة الحلمية وأنا أحاول استعادة إيماني بمستقبل روائي لا تحكمه الشفاه المنفوخة والجيل الأوّل الذي لا يريد أن يتنازل عن مكانه للجيل الثاني والثالث. لا يريد أن يتعلّم حلاوة أن تكون معلّماً، أن تشرف على النبات الحلو ليكبر ويقوى عوده، وأن تستمتع بالجلوس على جنب، مكانتك محفوظة وحقوقك على العين والراس، بينما تحمل الأجيال التي سقتها أمطار شبابك الراية وتكمل المسيرة.

لم أكن أريد التنازل عن الإيمان بأن في مستقبل الأيام الكثير من الأعمال العربية الحلوة. الصادقة. المهمّة. وأننا سنعيش موسيقى روحٍ تجلّت لعشرات، بل مئات، اللحظات القادمة.

وليالي الحلمية، بأحداثها المتسارعة، بتمثيل أبطالها الصغار قبل الكبار، بتعقيد مشاعرها ولقطاتها الفاتنة، أعادت إليّ إيماني. ولا تقل لي بأن هذا زمن قد راح. لا. نحن العرب نحمل جذوة القصّة، شعراً ورواية، في أعمق نقطة من أرواحنا. الشفاة المنفوخة ستذهب، وسيأتي قومٌ آخرون، نحبّهم ويحبوننا.

الفاتحة على روحك يا أسامة أنور عكاشة.


عنوان التدوينة من تتر المقدمة لليالي الحلمية. من كلمات الشاعر سيد حجاب.

جسر بلا ماضي

الحقيقة الصادمة هي أنني، وعلى مدار سنوات طويلة من العمل الحرّ، كنت أعمل مع قطاعات مختلفة لا أحتفظ بذكريات مُلهمة كثيراً عنها. هذه عبارة مهذبة لوصف الحال، لكنها أيضاً مُنصفة ولا تسم الأمور بطابع شخصي لا ضرورة له.

هذه الأيام أحاول أن أكون بذاتي الحقيقية في العمل على مهل، وليس نسخة جامدة مُختارة بعناية كي أحتفظ برواق حياتي الحقيقية خالصاً لنفسي وللدائرة المقربة مني. وعندما أحاول أن أمدّ الجسور بين مشاريعي الماضية وحاضري، أجد الصفحة بيضاء تقريباً.. وكأنني أبدأ من الصفر، بلا ماض. ولست متأكدة أن هذا التخيّل يروق لي أيضاً.

غالباً لأنه ليس الحقيقة. ولكنه يبدو وكأنه حقيقة.

ماذا عن أولئك العملاء الذين ظلّت سيرتهم العطرة في الذاكرة؟ هناك خمسة أو ستة أسماء.. ربما أكثر قليلاً، لازلت أحتفظ لهم بكثير من المودّة الشخصية، وأرجو أن يكون مستقبلي عامراً بالتعامل مع شخصيات مثلهم. مع ذلك كنت حريصة في وقتها على أن تظل الجُدر عالية وحاضرة بيني وبينهم. لا يرون مني سوى ما يخصّ أعمالهم. أي محاولات لفتح النوافذ والأبواب كانت تشعرني بكثير من عدم الارتياح، وأحتاج لصدّها بتهذيب.. لكنّه في النهاية صدّ. الشخصيات الوحيدة التي ظلّت بحياتي للآن من سنوات الريبة هي شخصيات شاهدت صدّي ولم تعبأ به. لم تصلها الرسالة، أو كانت ماكرة- المكر الطيّب الصبور- لتواضب على الحضور من وقتٍ لآخر. هذا استثمار- من ناحيتهم- أشعر بكثير من التقدير لأجله، ولكني أعرف أيضاً أن لا شخص مجبور عليه.

فأن أعود لفتح الأبواب التي حرصت على سدّها؟ لا ترضاها مرؤتي عليّ، ولا على الآخرين. خصوصاً أنها قد تُفسّر، احتمال ضئيل ولكن وارد، أنها رغبة في تجديد العلاقات المهنيّة للحصول على مكسب ما. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، بالتالي تظل التحايا الودود متوجّهة إليهم بدون أن يتلقوّها فعلاً. لا بأس، ليست لدي مشكلة مع هذا.

لم أكتب بهذه الصراحة، وأنشر الكلام على الملأ؟ أعود لأسأل نفسي مرة واثنين وثلاثة. هل أنت متأكدة. فاطمة. هل أنت متأكدة. ما الفائدة أصلاً. وأجيب بأنني لست متأكدة. لا ولست متأكدة أن هناك فائدة تُرجى لمثل هذا الكلام. لن أعتب على نفسي إن تذكرت ما نشرته بعد ساعات فشعرت بالهلع والـ ڤورنبليتي هانج- أوڤر كما تصفه برنيه براون. والفائدة ليست في المحتوى. ٩٩٪؜ منكم لم يمرّوا بما أتحدث به، وأشكّ أن الحديث مفهوم بكل زواياه لأن التجربة خاصة جداً وتنطلق من تقاطع بين سماتي الشخصية وحياتي العملية التي لا تتفق خطوطها مع المسارات الوظيفية المعتادة. لكن في كل الأحوال، لا أنوي أن أضع حدوداً لاستكشافي للفضاء العام. مجرد رغبتي في استكشافه، وأنا المتحفّظة التي لا تأبه بالمشاركة العامة، مثير للدهشة، ومساحة بنّاءة- آمل- لأتعلّم معانٍ تخصّني، وصيغاً للوصل الإنساني، تغنيني، ولعلها تغنيّك أنت أيضاً.

في النهاية ربما أحتاج للصبر. لا. دائماً نحتاج للصبر. أحب الأشياء على مهل. أجد فيها المعنى والقيمة. لكن هذه الأمور تأتي على مهل المهل. ومن ” لا بأس” إلى ” لاباس”.

جمعة مباركة.

سلمى. بماذا تفكّرين؟

لا أذكر أين سمعت التشبيه عن قلب تغسله الدموع كما يُغسل الرخام، فيُترك ناصع البياض زاهي الأركان.

يبدو أنه تشبيه مناسب لما فعله الموسم الثاني من ” آفتر لايف” على نتفلكس. واجهت صعوبة ما في بدايته، ولكن قلبي مال واستمال مع الحلقات المتتالية.

هذه ليست تدوينة عن المسلسل. إنما عن موقفٍ ما من الحياة يروق لي كثيراً، وبتّ أستكشفه السنوات الماضية، وآمل أن تكون لدي السعة لأن أتبنّاه بكلّي. بلا ابتلاء ولا غمّ.

أن تتعامل مع الصعوبات الحياتية في السياق الأكبر. والسياق الأكبر لا يسمح للصعوبات أن تعرّفه، بل هو دائماً متسق مع أن الطيبة موجودة، وغالبة، وتنتظر منّا اكتشافها لتنير أركان الحياة الأخرى.

ولا أعرف مرجعاً فكرياً يمكن أن تستند عليه هذه الفكرة/ الموقف سوى الإيمان بالله. لا أستطيع أن أجد لها معنىً بمعزل عن الاستسلام الكامل لقضاء الله، ولعنايته. ولكل الأفكار الفرعية التي تدور في هذا الفلك. أحياناً أفكر، هذه الفكرة جديرة بالتبنّي للكل، لمن اهتدى ولمن لم يهتدِّ بعد. ولكني حقاً لا أستطيع أن أفهمها بدون علاقتها بـ أننا في النهاية أتينا إلى هذه الدنيا تحكمنا قوانين فيزيائية كونيّة إلهيّة، نفهم بعضها ونعجز عن فهم البعض الآخر، ولكنها في النهاية تعدنا بأن أمر المؤمن كله خير، وأن الحياة الدنيا التي نودّ أن تكون طيّبة وأن نكون من ضنائن خلق الله عليه، فيحيينا في عافية ويميتنا في عافية، هي جزء زمني محدود على خط لا ينقطع من حياة أصلية للروح.

لطالما مّلتُ إلى رؤية الجانب المشرق من الأمور. ولكني لم أعدّ أعرف موقفي على أنه تفاؤل بحت، وإن كنت لازلت أراه نقطة انطلاق قادت إلى ما أنا عليه الآن. ما أتحدّث عنه هو أن نكون بصفّ رؤية كبرى للأمور، فيها الحق ينتصر سواءً لحقنا على انتصاره أو فاتتنا اللحظة، والحزن ينجبر، والحياة تداوي وتهادي بنعم وألطاف من الله. وبمجرد أن نختار هذه الرؤية، تتحوّل إلى مانفستيشن/ تجلّي يقود الأمور إلى الضفّة الخضراء. فتظل في دائرة مستمرة لا تعرف أوّلها من آخرها، وكأنك في لعبة دولاب الملاهي.

ولأني لازلت أطوّر فهمي لهذا الموقف، أدبيّاته وأصوله وقواعده، أجدني أبحث عن ملامحه لدى آخرين، أستقي منهم ما وصلوا إليه وأضيف أفهامهم على فهمي. المشكلة أن الصوت الغالب على الأعمال الأدبية و الفنّية هو صوت البكائيات، الدراما المنفعلة التي تصل بالمشاعر إلى آخر حدودها.. وإن فكّرت فيها ستجدها فكرة منطقية تجارياً وفنّياً. اسمها أصلاً ” دراما”. ولكنّي أحنّ وأحتاج إلى أعمال درامية تتعامل بذكاء مع هذه الدراما بدلاً من الطريق الأسهل في جرّ المشاهد/ القارئ إلى ذروات متطرّفة من الحزن، اليأس، الغرام، الأمل.

من حظّي أني تعرّفت في السنوات الأخيرة على أعمال ليان موريارتي. تتعامل مع مسائل صعبة وحقيقية بأنامل ممرضة متمرّسة. تداوي وتطيّب، تعرف عمق الجرح وتحيط بالمآسي التي تتعامل معها، لكن الشفاء لا يغيب عن نظرها للحظة. وقبلها روايات صوفي كينسلا، على خفتها الريشية أو غالباً بسببها، ساعدتني على التعامل مع قرارات صعبة في حياتي لم أستطع معالجتها بالاعتماد على كتب جادّة ناصحة ومفترض أن تكون فعّالة.. ولهذا سأظل ممتنة لكينسلا العمر كله.

وطبعاً، قبل هذه وتلك، كانت الأعمال الكاملة لايليا أبي ماضي. أتذكر أنني كلما احترت حيرة المراهقة الوجودية أيام المرحلة المتوسطة والثانوية، فتحت المجلّد العملاق عشوائياً، وقرأت القصيدة أياً كانت، وأخذت من حكمتها المتفائلة جواباً أعوجاً وطيّباً وقريباً من القلب والعقل على ما يحيرني من حياتي.

وإن أزحت كل الطبقات التي تحيط بكتابتي في هذه المدونة، سأجد أن رغبتي في الإضافة، في المساهمة، لهذه النظرة التي لا يُسمع صوتها بشكلٍ كافٍ في هذا العالم، هي الأساس.


العنوان مُقتبس من قصيدة المساء لايليا أبي ماضي والرسمة للأسف أحتفظ بها دون مرجع.

في العاصفة

أثناء دراستي في الجامعة حضرت دورة للاستعداد لاختبار الجي- مات. وكانت من ضمن الحضور سيّدة تكبرني بعدّة سنوات، في منتصف عشريناتها ربما. كل يوم من أيام الدورة تأتي بعباءة أكثر أناقة مما قبلها.

ألوان، وأقمشة، وغَزْل. التوازن الكامل بين الأناقة والعملية. ولا نقطة مبالغة. ولكن ولا نقطة أقل كذلك.

في آخر الأيام كنّا في المُصلّى عندما سألتها زميلة أخرى عن عباياتها. كنت واقعة في الحب من بعيد لبعيد، ولم أكن أظن أن الكل مثلي. المهم أنها أجابت ببساطة أنها تصممها بنفسها.

” حياتي كلها روتين، بين شغلي في اكس وبين بنتي. العبايات تدخّل ألوان لحياتي”.

في أبريل الماضي، ٢٠١٩، كنتُ أعاني من الدهشة.

دهشة مستمرة، وفيها تأهّب لإعادة تصنيف الأشياء، بدون أن يصل هذا التصنيف الجديد وأرتاح. لأول مرة أختبر كيف يمكن ألّا تكون الدهشة- الشعور الطازج المرح المفرح المنعش المنعنع- كيف يمكنها ألّا تكون بنّاءة.

وكأن الأطباق بدأت فجأة تطير من على الطاولة. والكراسي تتنحّى جانباً بدون أن يسحبها أحد. الستائر ترقص لرياح ذات صوت.

كل مرة تحصل أشياء لا تنتمي للعالم الذي تعوّدت عليه. وكل مرة أقابلها بنفس الدهشة. الدهشة التي- ويا للدهشة- ليست بنّاءةً أبداً. تستهلكني. عقلاً وانفعالاً ووقتاً. متى سيذهب شعور الاستغراب المتعب، متى سأستسلم أن هذا واقعٌ جديد وأحداث تتحرك على عجل؟ متى سيصبح المُستحدّث معتاداً؟ وهل علي أن أتوقّف وأجبر نفسي على الاعتياد؟

وبدون أي تفكير مسبق، في مقابل كل الأشياء الجديدة التي كنت أقابلها في حياتي، تكوّنت لدي عادات روتينية تشبّثت بها لشهور، وأكاد أجزم أنها أنقذتني.

أستيقظ أبكر مما هو معتاد، مع أنني بالأصل كائن صباحي. وبدلاً ما أنخرط في أعمال الاستعداد لليوم، شعري واستحمامي وترتيبات الصباح، ألجأ لمكاني المفضّل. أجلس فيه دقائق طويلة، لا أطالب نفسي بأي شيء، ولا أفكر في قائمة الأعمال الطويلة التي تنتظرني.

بعدها آتي بفنجان قهوة، أشربه على الريق ( أعرف! نتائج شبه كارثية لجهازي الهضمي). وأقرأ في رواية لنورا روبرتس بعنوان ” تربيوت”.. لم أقرأها سوى مرة واحدة قبل سنوات طويلة، وباتت تذكرني بوقتٍ هنيء عشته أثناء قراءتي. أقرأ أربع أو خمس صفحات منها.. وأنا بالعادة قارئة سريعة، أنهي ربع الرواية في جلسة واحدة. لكني في ذلك الوقت، أيضاً بدون تخطيط، كنت أحرص على أن يطول زمن الرواية معي قدر ما أستطيع.

بعدها أقوم لأمارس نشاطاتي المعتادة، وأدخل في ” الحوارات” المحمومة التي يعد بها اليوم. مع العمل، الأسرة، العالم الخارجي.

قضيت شهوراً لا بأس بها في هذا الروتين. وبات كأنه الجسر الذي استطاع أن يحمل مرحلتي الانتقالية بأمان. إلى أن عادت دهشتي إلى طبيعتها. وحلاوتها.

هذه الأيام أنا لست مندهشة. ولا حتى أقترب من المشاعر الفوضوية التي اختبرتها في أبريل الماضي. لكني أدرك وأرى أن للوقت أحكامه على آخرين، قريبين منّي وبعيدين. والنصيحة القيّمة التي أستطيع منحها لهم بعد عاصفتي تلك هي: جدّ لنفسك روتيناً. وتشبّث به. ستجده الجزيرة التي تسمح لك بالثبات، إلى حدٍ ما، في هذه العاصفة. أياً كانت.

إن كانت معادلة تلك السيدة- الأسطورة، والتي لازلت أحفظ اسمها الكامل، أن تدخل فوضى الألوان على حياة ملتزمة بالروتين الصارم، أدخل بعضاً من صرامة الروتين على أيام تتسم بالفوضى الكاملة، أو تكاد.

سرّ الندى والضياء

أحب اللؤلؤ.

أهدتني أختي الكبرى حليّة لؤلؤية قبل سنوات، اشترتها أثناء تجوالها في الحي القديم لمدينة عربية. غير غالي الثمن. بل عرفت منها أن سعرها لم يتجاوز الخمسة ريالات.

وفي كل مرّة أرتديه، كنت أشعر بأن هناك ” أمر ما” يحصل. شيء ما يحصل لوجهي. يغيّره. لكني لم أتوقف للتفكير فيه إلا بعد مدة طويلة. في يومٍ ما فهمت. وجهي يُشرق باللولو. تكتسب انحناءاته وزواياه والخبايا الصغيرة فيه إشراقة ذهبية تشبه قلبي عندما يرق، وعقلي عندما يترقرق.

بعدها بمدة زرت مع والدتي محلّ الذهب الذي لا نبتاع تقريباً من سواه. ولفتت انتباهي في مكانٍ قصي من المكان مجموعة من الأشياء المذهلة التي يبدو أن الطلب عليها قليل، وفي زاوية تكاد تكون مهملة. فسألت عنها، وقيل لي أنها من تصنيع ” غسّان”. وأنا في العادة أعرف تصاميم غسّان، وما رأيته منها كانت أشياء ” ماسخة” وبدون شخصية. يبدو أن المجموعة التي أعجبتني من تصاميم شبه قديمة. ولا يركز المصنع على الإعلان عنها.

عندما أبديت اهتمامي بها، تطوّع البائع بأن يريني المجموعة بجانبها، وكلها يندمج فيها اللؤلؤ بالذهب بشطارة وحرفية، وخطوط أبداً لم تكن أجنبيّة. والتفتّ البائع لي فجأة وقال: ” وهذا طبعاً ذهب بحريني”، وغالباً الكل يعرف أن هناك ذهب بحريني ما عداي. الكلمة حملتني على بساط الريح. لخالد الشيخ وهو ينادي أن بسّك من الروحات، وزاير المنامة لعلّه يحمل الأخبار الزينة.

اللؤلؤ حجري المفضّل، ومن البحرين يأتي ذهبي المفضّل.

وهذه حكاية اليوم. ورد، وأشواق، وأسرار.

الأرنب والسلحفاة: بين التنافسية والصبر

اعتدت لفترة من حياتي أن أصمم ” تيمة” لكل أسبوع. أن أبدأ أيامي بفكرة مجرّدة تحرّكني طيلة أيام العمل. أطبعها على ورقة إيه فور وأعلّقها على الجدار المقارب لمكتبي طيلة الأسبوع، وأنزعها في نهايته استعداداً للفكرة الجديدة.

 img_2061

من التيمات العزيزة على قلبي للآن كانت كلمة ” مطالع”. أحب شعور إطلالي على شيء، ورؤيتي له مرأى العين، وإن كان بعيداً. فكرة إني قريباً سأصل إليه مادام في مرمى البصر.

بيني وبين السلحفاة التي تسابق الأرنب أوجه شبه كثيرة. ليس بالضرورة أن يكون فوزها على الأرنب من ضمنها.

في طفولتي كنت أشعر بالانزعاج كلما سمعت عن قصة الأرنب والسلحفاة. انزعاج طفولي حقيقي، متعكّر المزاج. وكأن هناك خطأ شنيع وقبيح ومزعج في لوحة ما أمامك، وأنت لا تعرف ما هو بالضبط. والكل يطالبك بأن تستمتع بهذه اللوحة بدون أسئلة، لدرجة أنه لا يخطر ببالك أن السؤال مطروح.

هناك حكمة عميقة من القصة. غير تلك القريبة من اليد. الحكمة المتاحة: لا تصبح مثل الأرنب، تطمئن لقدراتك وتلعب وتضيع وقت، لأن هناك من سيفوز عليك. حكمة أخرى، أقل عدائية ولا تسبب الاختناق مثل الأولى: المثابرة تأتي بنتيجة، حتى عندما تكون الظروف كلها ضدّك. وكالعادة مع الحكم المتوارثة التي تضع إطاراً خانقاً للتفكير، وضعت القصة ورائي، ولم أعد أفكر بها، أو أحاول تصحيحها.

قبل سنوات تعرّفت على ماركوس باكنجام، وكانت مدرسته الفكرية مدهشة في إجابتها على كل سؤال لم يخطر ببالي أن أسأله. من ضمن القواعد التي يذكرها باكنجام، أن السمات النفسية محايدة، لا تحمل قيمة في حد ذاتها، بل طريقتك في التعامل معها وتبنّيها هي ما يعطيها هذه القيمة.

هذه السمات تتحول، في مرحلة ما، إلى نقاط قوة. تحمّلها ما أردت من خير أو شر. مثلاً، نقطة القوة في قدرتك على إقناع الآخرين. قد تكون خيراً بأن تسمح لك بتوجيه الآخرين إلى قرارات/ طرق/ أفكار بنّاءة، أو قد تسمح لك بالتلاعب بهم لتحقيق مكاسب خاصة في أجندتك. النقطة في حد ذاتها لا تحمل قيمة خير أو شر، ليست إيجابية أو سلبية.

وهذه الفكرة، وبالصدفة أثناء الحديث مع صديقة عزيزة عن فكرة الصبر، سمحت لي بأن أفهم قصة الأرنب والسلحفاة. وأن أصل بالتالي إلى الحكمة التي قادت، وتقود، كثيراً من قراراتي المهنيّة.

الفرق بينهما، السلحفاة والأرنب، هو اختلاف نقاط القوة. نقطة القوة لدى السلحفاة هي الصبر. الدأب والمثابرة إن أردت معانٍ مختلفة لنفس الفكرة. والصبور، الدؤوب المثابر، تحرّكه الغاية. التحدّي كان مُصمماً لأن يكون سهلاً على السلحفاة. أعطِها غاية، ودعها تنطلق. فكرة أنها بطيئة ليست فكرة مثبّطة لها، لأن هناك فكرة أعمق وأهم تعمل كحافز. إطلالها على خط النهاية، ورؤيتها له مرأى العين، وإن كان بعيداً. هي متيقنة من الوصول مادامت الغاية في مرمى البصر.

التحدّي، في نفس الوقت، كان مُصمماً ليجبر الأرنب على الهزيمة. نقطة القوة لدى الأرنب ليست في سرعته. بل في تنافسيته. ومن تكن التنافسية قوّته، تحرّكه الرفقة التي يتشارك معها الطريق. فإن كانت الرفقة سُلحفائية، تباطأت جهوده لتتماشى مع ” فكرته” عن منافسيه. أعطِ الأرنب أرانباً مثله، وشاهده وهو ينطلق.

المشكلة عندما تجرّم الثقافة فكرة التنافسية في حد ذاتها، تحكم عليها على أنها تحمل قيمة أساسية في سلبيتها، بدلاً من أن تكون نقطة قوّة خالية من الأحكام، ولا تضطرّ أصحابها للاعتذار، أو لقبول فكرة ” شرّيتها” المطلقة، وبالتالي ارتكاب التجاوزات الأخلاقية التي تبررها.

ليس هناك بطل في هذه القصة. هناك فروق شخصية استجابت للظروف المحيطة. الحكمة الوحيدة التي يمكنني استخلاصها من هذه القصة بضمير مرتاح وبدون اختناق هو أن الحياة الطيّبة- المهنيّة على الأقل- تبدأ بمعرفة ما إذا كنت أرنباً، أم سلحفاة. ثم تجد البيئة المناسبة لتسمح لك بقطع الأميال كما تريد.