شارع الخائفين

الباب مسدود بعناية. مسدود بحرص. مسدود بعناد. مسدود بحكمة وذكاء وعن نيّة متجددة لا تسمح بالتهاون أو التسويّات.

ثم. لأيام قليلة خلال السنة، أجد أن الجدار بأكمله، وليس فقط الباب الذي ينتمي إليه، وقد اختفى تماماً. وبتّ على بساط الريح. أسمح لها، للريح التي اخترعت الباب المسدود لأجلها، بأن تهبّ عليّ بكامل قوّتها. بعتوّها وقدرتها على الوصول إلى عظامي. ورغم البرد الذي تهددني به طيلة أيام السنة، وبرغم الجو الماطر والإعصار، أستقبلها بالدفا وكل الودّ.

هل جرّبت أن تعرف حقيقةً ما عن نفسك، فتدفعك معرفتك هذه لأن تمضي، وتتطرف، حتى تصل إلى القطب المعاكس لها؟

في طفولتي المبكّرة شاهدت مسلسلاً مع أكبر خواتي. متأكدة أنا أن اسمه ” شارع الخائفين”، ولكن بحثي على الإنترنت يقول لي أن المسلسل، من تأليف ممدوح عدوان، اسمه ” ليل الخائفين”. أفضّل التسمية التي، ربما ربما، اخترعها خيالي. المسلسل يحكي عن رجل تطارده عفاريته، اكتشف مسودّة لرواية لم تُنشر بعد، وهاجر صاحبها خارج البلاد. قرر أن ينشرها باسمه. ولمّا نشرها، كسّرت الدنيا. تخيّل بسّام كوسا، بكل عبقريته، يؤدي دور الرجل الناقص الذي يدّعي كمالاً ما، ثم يصدّقه العالم، ولا يصدّق هو نفسه.

يعود الكاتب الأصلي للبلاد. ويعرف بما فعله الدّجّال. ولا يكترث.

كيف لا يكترث؟

لأنه رمى حياته السابقة، حقيقته السابقة، وراء ظهره. ثم لم يكتفِ بذلك، بل راح إلى آخر الطريق. لست أذكر أحداث المسلسل فيما هو أبعد من ذلك، لكني أتذكر أمرين.

أوّلهما أن المسلسل صوّر العائد إلى البلد وكأنه دخل في اتفاقية ما مع الشيطان. رجل الأعمال الناجح الذي اختار رفقة المال على نبل الأدب.

وثانيهما، أن ارتياح العائد، وفي مشهد علق بذاكرتي: ضحكاته اللامبالية، كان فتحاً فكرياً بالنسبة لي. يمكنك، أيتها الفتاة الصغيرة، أن تختاري أي الحقائق تعيشين. يمكنك أن تذهبي إلى أقصى الأطراف، ولا تكترثين.

نجد ملاذنا في قصص الآخرين. وجدت ملاذي في تلك الشخصية التي استطاعت ألّا تبالي. ليس ادعاءً، ولا هروباً، وبالتأكيد ليس خوفاً. هو اختيار مستقل ومتسق مع معانيها المهمة. هذه فكرة أحبها، ولايزال وجودها وتحققها يشعرني بالأمان.. ويسمح للريح بأن تزورني إن أردت، فلا تزيدني إلا ثباتاً.

سماء رمادية

كنت في المطبخ ذات يوم ولمحت والدتي مارة في الردهة القريبة بطرف عيني، بينما ماجدة الرومي تغني آهاتها الأوبرالية في منتصف ” مع جريدة“. قلت لها: تعرفين هالآهات كلها على إيه؟ توقفت وقالت باسمة: على إيه؟ قلت: لأنه أخرج من معطفه جريدة، وما انتبه عليها وهي على طاولة مجاورة. وضحكنا سوية.

سمعت في النهار خبراً أقلقني، أحزنني، وأربكني. بالترتيب. وقضيت باقي اليوم أحاول أستجمع اطمئناني الذي كاد أن يذهب مني شعاعاً. تحدثت معي أختي الكبرى هاتفياً. وسمعت في صوتها الرفق الصبور الذي يفضّل أن ينتظرني كي أبدأ الحديث عما يزعجني، عن الاختلاف الطفيف الذي تسمعه في صوتي. حاولت أن أطمئنها علي بأن أتحدث عن مواضيع مختلفة. أن أبثّ في صوتي خفةً مبتهجة ما أدري من أين أتيت بها، ولكني متأكدة الآن أنها لم تنطلِ عليها.

أنهيت المكالمة. اكتشفت صينية حلا أرسلتها قريبتي بالأمس. أتيت بالصينية بأكملها إلى الطاولة، على أساس أن السكر سيقدم لي دعماً ما. أكلت ملعقتين بالكاد، وأعدت الصينية إلى الثلاجة.

عملت قليلاً على شيء يُفترض أن أقدّمه مبكراً في الأسبوع القادم وكنت قد قصّرت في العمل عليه الأسبوع الماضي. ثم اهتديت لمشاهدة مسلسل تركي ” التفاح الحرام” تتحدث عنه قريباتي بحماس، وأنا لست من متابعي الدراما التركية. لكن وقتها شعرت أنها- بخفّتها- قد تكون رفقةً طيبة. شاهدت الحلقة الأولى كاملة..

الآن أنا في ظلام دامس، قبل أن أغمر المكان به مررت بعيني على فستانين طلبتهما قبل أسابيع ووصلوا بالأمس. فكرت أن أرتدي أحدهما، الوردي المشجّر، اليوم. على سبيل المقاومة ورفع الروح المعنوية. لكني كرهت أن أحمّله هذا العبء العاطفي، وفضّلت أن أحتفظ بهما على الطاولة للتذكير بأن هناك أشياء جميلة تنتظر.

أكتب هذه التدوينة على ملاحظات الجوال، وأستمع لألبوم ” ابحث عني” لماجدة الذي قررت أن يكون الملاذ الآمن لمشاعري. اليوم انتهى. غداً يأتي بحكايا أطيب، وبنهار ممتد وبسماء زرقاء.

موسكو ١٨٩٦: عن الحياة والدين

عندما كنت في الثانية والعشرين من عمري التقيت في مناسبة اجتماعية بأحد معارفنا، وأخذنا الحديث عن اتجاهاتنا في الحياة.

في الثانية والعشرين كنت أنا أول من يعترف أن لا اتجاه لدي. لتتركني الدنيا في حالي، أنهي الجامعة المزعجة، وأعيش أياماً- أو شهوراً- في سكينة بدون أي ضغوطات.

المهم أن الحديث راح للأدب والفن. وفي تحويرة ما لا أتذكرها، قلت بأن الدين ينظم هذه الحياة أو شيء كهذا. فنظر إلى محدثي، وكان رجلاً في الستينيات من العمر، بخيبة أمل وعدم تصديق. وقال: وهل الدين بأهمية الشعر والفن للإنسانية؟

أتذكر أنني نظرت إليه حائرة لوهلة. عشت حياة محمية للغاية- الحمدلله عليها- وأقصى ما يمكن أن تفعله واحدة من صديقاتي أو عائلتي أن تسبح برداء السباحة في الشاليهات أو أن يكون لها أصدقاء عدة من الجنس الآخر. هذه قمة ” التمرّد” التي أعرفها، والتي يمكن أن أقف مشدوهة أمامها في صغري. أما أن تشكك في أن الدين يمكن أن يساويه، بل ويتفوق على أهميته، شيء آخر؟

١- بم يمكن أن أجيبك؟

٢- هل ربما علي أن أفكر في شرعية سؤالك بطريقة محايدة؟

لم أرد عليه. وظللت لفترة طويلة أفكر في إجابتي الشخصية، أنا فاطمة، على السؤال. ليس جواب أبي الحاد. ولا جواب أمي المستنكف، ولا جواب خواتي ولا صديقاتي ولا معلماتي. أنا أنا.

الجزء الأول من الإجابة، الـ ” لا”.. هذه سهلة. أساساً لم أكن يوماً ممن يعيشون للفن والأدب. صحيح، تبهجني الأغنية، وأتحرّك بكلّي مع رواية جيّدة. لكن لا أعيش على هذه العوالم. فيبدو أن أقارن أشياء ” ترفيهية” بشيء أساسي كمصيرنا على هذه الأرض تصرفاً تافهاً لا يمكنني ابتلاعه. المشكلة كانت في الجزء الثاني من الإجابة. لم؟ لم كان الدين يتفوق على الفن والأدب؟ إجابة الآية الكريمة ” وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون” كانت حاضرة لدي. ولكن من ناحية الشخص الذي يحدثني لا يعترف بمرجعية الأديان، يبدو ذلك، ومن ناحية ثانية، أنا نفسي لم أكن أستوعب الآية فعلاً. بل حضورها كان نتيجةً طبيعية للتربية الدينية التي تلقّيتها من الصغر.. دون أن يكون لدي مساحة لأن أختارها بنفسي.

لسنوات طويلة لم أته عن ديني ولله الحمد، ولكنه لم يكن المرجعية الوحيدة التي أرى فيها العالم، كما يختار والدي العزيز أن يفعل، وكما تربيت أن أفعل.

السنوات الأخيرة أجد نفسي وقد عدت، اختياراً تاماً، إلى يكون الإسلام هو مرجعيتي الأساسية، ونادراً ما أرغب في أن أحيد عن هذه المرجعية، كما كنت أفعل كثيراً في أوقات سابقة، لأجرب أن أضع نفسي في المرجعيات التي يعتمد عليها الطرف الآخر. مثلاً كنت عندما أتحدث مع مسيحي، أفهم رؤيته للأمور وأجدها منطقية لأني أحتكم إلى مرجعيته. بطّلت، في غالب الأمر، أن أُغيّب مرتكزاتي لأسمح بفهم الآخر.

ربما في الأمر ضيق أفق. وبالتأكيد لا يجوز أن أفعل ذلك إن كنت في مكان بأهمية التحاور مع الطرف الآخر أياً كان. لكني كفاطمة أميل الآن إلى أحادية رؤيتي، وسط التمييع الذي تتعرض له هويّتي الدينية من الآخر.

أتابع باهتمام محاضرات الشيخ حمزة يوسف. خطابه الديني يناسبني لأسباب ثلاثة. أولها كونه آتٍ من ثقافة مدنية تستخدم أدوات التفكير ذاتها التي أستخدمها في حياتي.

ثانيها تعوّده على إجابة أسئلة مصيرية تطرحها هذه الثقافة المدنية بشكل حاسم ومقنع. لازلت أتذكر جيداً كيف حسم لي التساؤل الذي تطرحه الأفلام مثلاً عن ” لم يفعل ذلك الرب”، تعالى الله عن السؤال. قال، عرضاً، بأن القاعدة هي ألا يُسئل ربّنا عما يفعل، وهم يُسئلون.

ثالثها كون الإنجليزية لغته الأولى، ففهمه للعربية منعش وطازج ويعيد طرح الأسئلة على معانٍ لطالما اعتبرناها منتهية لغوياً لتعوّدنا عليها. مثلاً العبارة الواردة في الحديث الشريف ” يُعزف على رؤوسهم بالمعازف” لطالما تعاملت معها على أنها في ذمّ الموسيقى، دون مراجعة لمعناها اللغوي. بينما يفسّرها الشيخ حمزة بحرفيتها، سمّاعات الرأس، سبحان الله. عندما تفكر بلغتك الأصلية، مهما بلغ ارتياحك للغتك الثانية، تترجم الكلمات حرفياً ولا تتعامل معها على أنها تشبيه لا يحتاج لتفسير.

هذا عن الشيخ حمزة يوسف بشكل عام. بشكل خاص، أهتم كثيراً بما يقوله عن أن الشعوب الغربية، أمريكا وأوروبا، هي شعوب متدينة حتى القرن العشرين. وأن التديّن أخذ المقعد الخلفي وتراجع بسبب أهوال الحربين العالمية الأولى والثانية. لم أجد له حتى الآن محاضرةً يُسهب فيها عن هذا الأمر، لكنني دائماً أشعر بوجل عندما أفكر كيف يمكن للإنسان التخلّي عن دينه. مركزه. والهدف الأساسي- نعم، مقتنعة تماماً ولله الحمد بما أقول- لوجوده. كيف يمكن أن يضيع أمانٌ غالٍ لهذه الدرجة من بين يديه. كيف يمكن لحضارة أن تُحرم من أن تجد شفاءها في رحاب الدين.

الثانية ٢٢- ٢٣

قبل أسابيع مر علي فيديو لشارع من شوارع موسكو في العام ١٨٩٦ بعد تلوينه. في واحدة من اللقطات، يعبر أحدهم الشارع، وقبل عبوره بثانية، يرسم علامة الصليب على صدره، والحافظ الله، كما يقول أحدنا قبل أن يعبر الشارع بسم الله الرحمن الرحيم.

توقفت مع هذه اللقطة كثيراً. بعدها بعشرين سنة، تقوم الثورة البلشفية على القيصر الروسي، ويتولى الشيوعيون الحُمر الحكم، وتتعرض الحياة الدينية الروسية للإقصاء الجبري، ثقافياً واجتماعياً وسياسياً. ونعرف الروس بالملاحدة.. وتضيع الإشارة الدينية تحت الأقدام.

إن عادت بي السنوات، ولا أريد لها أن تعود، لتلك المناسبة ولذلك الشخص، وطرح على السؤال نفسه: أتظنين أن الدين بأهمّية الفن والأدب للإنسانية؟ فسأرد عليه، وبأقصى نبرة شوارعية أستطيع أن أصل بصوتي إليها: ايش رايك؟

اللهم ثبّت قلوبنا على دينك.

أفكار عابرة

الأحد:

مولسكين أسود. ملمس غلافه لا يندرج تحت أي إحساس معروف مسبقاً، لكنه يعطي إحساساً بالأمان. وبأن الأمور تحت السيطرة

الاثنين:

الغيوم في السماء. مرة أخرى.

الليل دامس. ولا صوت حولك.

الثلاثاء:

منذ أن بلغت الثلاثين، وشقاوتها تتحول رويداً رويدا إلى طيبة قطن وردي كغزل البنات، كندف ثلج بيضاء، كنتف من غيم في سماء صافية زرقاء.

الأربعاء:

أحاول استعادة الفكرة الضبابية الشفافة التي كانت تلوح أمامي كسراب، عن علاقة الاجتماع ومشاعري ناحيته بفكرة المقاومة. حقيبتي خالية.

الخميس:

مساء خير. والكثير من الطمأنينة.

عيش ولبنة أولكر، واثنين زبادي.

الجمعة:

سلامة كل سنابل القمح في جسدك، ولعل النسيم الطيّب يمر عليه مرة بعد مرة، تميل له، ويميل عليها.

السبت:

عندي حنّيّة. وتستنّاكِ.

مالية جيوبها سُكّر نبات

‏كانت مُحصّنة جيداً في قلعتها. وحدها تخبّئ أحزانها. وحدها تواجه شكوكها. وحدها تعرف حقيقتها.

‏وحقيقتها، في الحقيقة، لا تسرّ كثيراً. أو هذا ما كانت تظنّه. هذا ما تربّت عليه. هذه النتيجة التي وصلت إليها اليد الصغيرة بعد سنواتٍ من مراقبة الكبار، الغوص في انعكاس صورتها بسواد أعينهم.

‏تسامت. تشبّثت بالواجب، بالمسؤولية، بالأصول. بما ينبغي أن تفعله، أن تحاول أن تفعله.. وإن قصرت جهودها اليوم، وغد، وبعد الغد. يكفيها أن تصل إلى نهاية اليوم وقد قدّمت ما عندها. وما عندها لا يكفي. ما يجمّل.

‏ثم أتت الحفيدة. ثم كبرت الحفيدة. ولمّا كبرت؟ أحبّتها. تقول أن هذا متوقع؟ ولكن الحفيدة أحبّتها بطريقة لا متوقعة. حب جديد حب لا يدك الحصون، بل يمسك بيدها، ويخرجها منها، ويلف معها كل مكان، يُعجبها هذا ويُعجبها ذاك.

أحبتها الحفيدة لا كجدّة، بل كما تحب مراهقة صديقتها. أغرقتها بالضحكات، بالاعجابات، بالالتقاطات المايكروسكوبية لحقيقتها التي تفلت منها في عبارات لو استطاعت لما أفلتتها. ومع ذلك الحفيدة تتلقى هذه العبارات الفارّة من السجن الصارم، وتحوّلها إلى مهرجانات. الحفيدة لم تحبّها كما يُفترض أن تحبّها، لم تلتفت إلى صفاتها الحميدة، إلى تحمّلها المسؤولية والتزامها بالأصول.. بل أحبتها لحقيقتها. قلبت شكوكها رأساً على عقب.

أيُعقل أن تكون أسرارها تستحق الضوء والحرّية؟ أيُعقل أن تكون مخطئة، وأن حقيقتها- في الحقيقة- زي الفُل والياسمين؟

هل تجروء على أن تسمح للباب المغلق بالارتداد قليلاً؟ أن تسمح للطفلة الصغيرة، وللشابّة الفتيّة، بعيش العمر مرة أخرى وهي في الستين؟

تتجاهل الحفيدة أفكارها البكماء، وتشدّ كمّها لتبقى معها. على هذه الأرض النديّة المخضرّة. أن تضحك من قلبها. أن تعترف بأنها لا تفهم كذا. وتود أن تتعلم كذا. وأن تتخلى عن كل ماعرفته عن نفسها، وتتعرف عليها للمرة الأولى من العيون الشقيّة المُحبّة.


* عنوان التدوينة من أغنية محمد منير” بنات

سرّي جداً: عندما يرتعب دراكيولا

هل رأيت الغلاف؟ دراكيولا في ” ليلة الرعب”، من تأليف نبيل فاروق؟

لطالما سببت لي عيناه رعباً مدهشاً في طفولتي. وأصف رعبي بالمدهش لأنه يشبه العذاب اللذيذ. المفترض أن مصاص الدماء يخيفني، فما باله خائف هو أيضاً، وعيناه متسعتان ذعراً؟

ما الذي يخيف مصاص الدماء في هذه الرواية من ملف المستقبل- سّري جداً؟

الشعر الرمادي الناعم، والحواجب المتصلة، والفوضى المجنونة التي لا يمكنك التنبؤ بنتائجها. يمكنك التعامل مع مصاص دماء عادي، ولكن لا يمكن التعامل مع مصاص دماء هو نفسه يشعر بالرعب!

ليس هناك عبرة خالدة من هذه التدوينة سوى استرجاع امتناني لكل فريق إنتاج روايات مصرية للجيب.. لأني قبل أيام فتحت كرتونة أحتفظ فيها بملفات قديمة، لأتفاجأ بدراكيولا المرعوب يطالعني، والعجب أنني شعرت بالرعب نفسه الذي كنت أشعر به في صغري.

روايات نبيل فاروق سدّت فجوة هائلة عند الصبية العرب في التسعينيات، لكن أتظنون أنه كان باستطاعتنا ابتلاعها بدون رسومات دياب؟

عن نفسي؟ لا أظن. كنت كلما حصلت على رواية جديدة قضيت أكثر من نصف وقتي معها أتأمل في غلافها، ورسوم صفحاتها الداخلية. كبرت وأمضيت فترة من حياتي مهووسة بعمليات النشر لهذه الكتب. عرفت أن اسمها ” الكتب الفصلية” أو الـ chapter books. حركة ماكرة في إدخال الرسومات الداخلية بين فصل وآخر كي تكسر حدّة طول الكتاب لمن لايزال يتعلم الصبر على القراءة، وتشدّ فضولنا إذا تصفحناها لنعرف الحكاية وراءها.

التقيت أثناء ذلك زميلاً كانت له علاقة بعمليات الدار الناشرة، المؤسسة العربية الحديثة للطباعة والنشر. قال بأن الدار تطبع من العدد الواحد مئة وخمسين ألف نسخة. ١٥٠ ألف. هل تتصور كل هذه الخيرات توزّع على مدار السنة لكل المدن العربية، ولمن.. للفتيّة التوينز والمراهقين؟

أكاد لا أطيق صبراً كي أشهد ولادة أدبية/جماهيرية/ تجارية أخرى مناسبة للزمن، متوجّهة لنفس الشريحة، بنفس الذكاء والكفاءة.

طاولتي العريضة

لجزء من ثانية، على رأي نبيل فاروق، التقت عينانا بهدوء. ثم كسرنا الصمت بضحك متواصل، يفهم أحدنا كل ما يريد الآخر أن يقوله بدون كلام.

سحر العشرة. سحر السنوات الطويلة، والتاريخ الممتد الذي يصل للصغيرة قبل الكبيرة.

قلت لها، أنتِ طاولتي. وضحكتْ. لم تفهم ما أقصده، ولكنها ضحكت لأن ضحكي سببٌ كافِ. تذكرين أغنية نانسي عجرم ” لون عيونك”؟ تقريباً. قالت. قلت تذكرين الطاولة الممتلئة بالأصحاب؟ بالضحك، بالتفاهم بالعيون ومدّات الأيدي.. لأن الموسيقى تمنع الكلام؟ أنتِ طاولتي.

أن تمتلئ حياتي بالضحكات. بالتفاهم المشترك. بالفهم العميق لمن حولي، بفهم من حولي لي. طاولة نانسي عجرم. عريضة ومتينة وتحمل التنقّل بين بيوت وغابات، ومطر وحر صيف. هل هناك أغلى؟ هل هناك ما يستحق الدعاء أكثر؟

توأم روحي

عن الأفكار التي نتركها لتختمر..

عندي حكاية صغيرة مع أغنية “توأم روحي“.

كنت صبيّة لا أهتم بالأغاني كثيراً. نشأت في أسرة محافظة، لا تمانع الموسيقى، ولكن لا تجدها مهمة كفاية كي تعطيها الوقت. بنات الخالة، أكبر مني بما يقارب العشر سنوات، كنّ في أوجّ مراهقتهن، والأغاني جزء مهم من الحياة في بيتهم. الأغاني الخليجية وبعض من أغاني مصرية. بالتأكيد ليس من بينها أغاني راغب علامة. بنات خالتي قررن أن توأم روحي ” سخيفة”. وبالتالي من الطبيعي أن أقرر كذلك أن توأم روحي سخيفة.

في يوم من الأيام زارتنا، أوبالأحرى زارت بنات خالتي، قريبة أحبها من الظهران. وخرجنا لنتغدى في فدريكرز حراء (أضحك من الذكريات المفاجئة!)، ولأن السيارة كانت ممتلئة على آخرها، كنت في الدور الأعلى من الراكبات، تحتضنني القريبة الزائرة. من تجلس في المقعد الأمامي فتحت الراديو على إم بي سي إف إم- طبعاً! لم تكن هناك قناة تستحق السماع سواها على ما يبدو- وطلعت ” توأم روحي”. قالت إحدانا: ” يوووه!” لكن الزائرة قالت ” خلّوها!”، فخلّوها.

قلت لها: ما أحبها. قالت ويديها رفيقة تحتضن وسطي: ليييييش؟ سمعتيها؟ اسمعيها. ” عمل حلو”.

كنت طفلة متأملة. أرسم العلاقات بين المفاهيم والأفكار لأحاول أن أفهم العالم الصعب المعقّد الذي يبدو سهلاً للكل فيما عداي. أتذكر أنني قضيت أياماً كثيرة أتساءل عن فكرة كيف أن الناس المهمة صاحبة الآراء التي أحب وأعتنق، لا يتشاركون الرأي نفسه. وكيف أن علي أن أعطي نفسي فرصة كي أتأكد من أن ” العمل الحلو” لا يفوتني لأن البقية لم يروا جماله. يااااه، تصوّري إن في أشياء حلوة ما أعرف أنها حلوة.. ألن يكون هذا مؤسفاً.

ربما كانت المرة الأولى التي أتعامل فيها مع مفهوم الرأي المستقل كفكرة مُجرّدة.

لكني لم أكتب هذه التدوينة للحديث عن الرأي المستقل.

أكتبها لأنني قبل أسابيع استمعت بالصدفة لـ” توأم روحي” بعد سنوات وسنوات من الانقطاع. لم أفكر فيها منذ ذلك الوقت على ما يبدو، لكنني تفاجأت بأنها ” عمل حلو” فعلاً. صحيح أن لمسة صلاح الشرنوبي والضجيج الموسيقي التسعيناتي المصاحب لها موجود فعلاً، لكنه لم يعد مهماً كثيراً. ما همّني وقتها هو النسمة التي هبّت من أيام طيّبة وبريئة- لا، لم تكن سهلة- والحنين الرفيق في العبارة الموسيقية ” مش قادر أحكي لك عاللي بيجرى في بعدك”.

يبدو أن الأفكار. كل الأفكار، الممتازة والجيّدة كفاية على حدٍ سواء، تحتاج إلى الزمن لتختمر. ليس فقط كي تتكون، بل لتكون أيضاً. لتأخذ حقها في الحضور، وفي وعي المتلقّي. تصبح الأعمال التي تمثلها نافذةً مطلة على الزمن. وكأنما شاركتك رحلة من العمر، لكنها توقفت ولم تتغير، وأنت مضيت لحال سبيلك. كبرت، نضجت، أحببت، كرهت، تمتّعت، تألّمت. ثم تعود إليها فجأة، فتتفاجئ بوفائها لك. وبوقعها على روحك.

تمام. ما المستفاد من هذا الحديث عدا التأمّل في ملكوت الله اللا حسّي؟ التأمّل في حدّ ذاته يكفي، لكني الحقيقة أخذت الفكرة نفسها لآخر امتداداتها. ماذا عن الأفكار، والأعمال، التي أريد إطلاقها. ربما علي حسبان المدة الزمنية التي تحتاجها بعد تكوّنها لتكون مؤثرة في الوعي. بمعنى. هذه التدوينة مثلاً. مقالة معقولة، ستعجب البعض وتمسّ أفكاراً موجودة سلفاً لديهم، والبعض الآخر سيمرّ عليها مرور الكرام. ربما يحدثني عنها بعض الأصدقاء الأعزاء، وأربّت على كتفي بأنني قد استمررت في الكتابة يوماً آخر. ثم أعتبر أثرها قد انقضى. أخذت الفكرة الوقت اللازم للانطلاق، التأثير.. وحان وقت الأرشفة، والنظر لفكرة قادمة.

لكن ماذا لو كان لكل ذرة عمل تطلقه للعالم التأثير نفسه الذي سمح به الزمن لأن يكون ل” توأم روحي”؟ ماذا لو كان مرور الوقت، في حد ذاته، هو عامل استثماري يعتّق الفكرة ويزيد من أهمّيتها لدى المتلقّي؟

ماذا يقول دكتور مشاري النعيم في مقاله العظيم ” فأما الشهد فيذهب جفاءً“؟ ‏” عملت خلال حياتي على عدد من المشروعات التي أعتقد أنها مهمة، ولم يطلب أو يكلفني أحد بعملها، واشتغلت عليها بصورة موازية لعملي الرسمي الذي كانت تتنازعه الفقاعات المؤقتة، والآن بعد مرور سنوات طويلة لم يبق فعلا إلا تلك الأعمال الموازية التي لم يرها أحد في حينها وأثناء عملها”.

في وقتها؟ التفت إليها بعض البعض. مع مرور الزمن عليها، وقفت الأعمال كهامّة لم يزدها العمر إلا عُلوّاً.

هذه فكرة مهمة. لم؟ لأنها تضع أمامك، كمطوّر الفكرة، سياقاً أكثر حكمة وذكاءً لحساب تأثيرها وعائدها الاستثماري، خصوصاً ذلك السياق الذي تفرضه علينا فورية السوشيال ميديا وحسابنا لتأثير الأعمال باللايكات وعدد القراءات خلال اليوم.

إن ارتأيت مثلاً أن تنشر كتاباً اليوم، التفكير في أن الزمن سيضيف القيمة إليه، يجعلك تتغاضى وتتجاوز عن فورية الترحيب، أو اللاترحيب، الذي سيستقبله من جمهورك اليوم. خمسة فقط اشتروه؟ لم يصلك ردود عليه؟ معليش. اتركه في المكتبة، وانتظر الزمن بجهوده العملاقة- وإن كانت سلحفائية- ليقوم بدوره.

حديثي هذا لا أقصد منه الاستخفاف بجهود التسويق والتوزيع للمنتج الإبداعي. أبداً. بل أن هذه المسألة تثير ليس فقط اهتمامي، بل شهيّتي للتحليل والتخطيط (أنوي قريباً أن أتناول هذا الموضوع). ما أقصده هو أنك إن قررت أن تضع طاقتك في تسويق عملك، أو قررت ألا تفعل، الأمر سيان عندما يعود الأمر للقيمة التي يضفيها مرور الزمن على عملك. لا يمكنك تسريع العجلة، كل ما يمكنك فعله هو الإيمان بدورها، وتلقّي خيّراتها في الوقت المناسب.

أكمل دورك أنت أيضاً. أن تعاود التركيز على الأشياء القيّمة التي تستطيع إنتاجها في حياتك. عمل، وراء عمل، وراء عمل.

هذا هو الاستثمار الحقيقي.. الزبد، كما تعلم، يذهب جفاءً بالتأكيد.

الرصاصة لاتزال في جيبي

عندي عدو واضح، أحاربه في صوتي وبصوتي.

النبرة الاعتذارية عند السيدات. ابتداءً من استخدام ” أعتقد، وربما، ويمكن” في أمور ينبغي أن تكون عباراتنا حاسمة وقاطعة فيها، لأنها لا تحتمل الربما واليمكن، مروراً بالمحاولات الحثيثة للهروب من الثناء المُستحَق والتشكيك في مصداقيته وحجمه، وانتهاءً بتصغير الإنجازات، والتعامل مع الإنتاج على أنه ” أقل” مما يجب، وأن هناك آخرين يقدمون أكثر.

ومالنا نحن والآخرين يا رفيقتي التي ما تسمع الكلام؟

اليوم وصلني إيميل من سيّدة كلمتها مسموعة في مجالها. تؤلف الكتب، وتكتب المقالات، وتحاضر. ومع ذلك حديثها عن نفسها اعتذاري. انتفضت أعصابي. هذه العبارة الملائمة لوصف ماحدث. ليس فقط لوجود هذه النبرة الاعتذارية، بل لأنني كنت متوقعة كثيراً مقاومتها إن اقترحت عليها تعديلها. رددت عليها مع ذلك بأفكاري، والمفاجأة السعيدة أن توقعاتي كانت مخطئة تماماً. تقبّلت الفكرة بدون مقاومة (وبدون اعتذارات أخرى)، وتخلّصت مما لا يليق بمشوارها.

لم نعتذر؟ ولم اعتذاراتنا خفيّة كدبيب نملة، ومع ذلك يلتقطها الآخرون ويسمعها الكل- فيما يبدو عدانا- بوضوح؟ هل لأننا لا نرى استحقاقيتنا؟ هل لأننا نشعر بأن من التهذيب ألا نفترض قيمتنا، بل ندع الآخرين يضعوا لها تعريفاتهم ويمنحونا التقدير المناسب..؟

هل لأننا نريد أن نحمي أنفسنا بشكل استباقي من ” الحقائق” التي نشعر بها عن ذواتنا، ونخشى أن نستفز الآخرين فيطلقوها في وجهونا، وإن أطلقوها تأكدت.. لكن طالما هي في ظلام أعماقنا، فهي بين الشك واليقين؟

ربما هذا وأكثر. كل واحدة منّا وحقائبها التي تحملها من طفولتها وتجاربها. لكن في النهاية النتيجة واحدة وإن اختلفت الرحلة. لنتعامل مع محتويات هذه الحقائب، لنتوقف عن دعم الأفكار الآيلة للسقوط بمزيد من الدعائم المؤقتة، ونختار أن نرى ونعيش ونعرض حقائقنا بدون حاجة للاعتذار عنها.

الراقصون في العتمة

نعم. أنا مُدركة لقتامة الألوان التي تحيط بنا، وبناسنا. ولكن هذا جزءٌ من القصة، ولم نصل بعد إلى بقيّة الطريق.

مدركة أن هناك هجوماً يطل برأسه من وقتٍ لآخر على ما نمثّله، وفي هذا الهجوم الكثير من اللاعدل. الجفاء القاسي. والغباء الذي يؤدّي للظلم والسواد. وأننا، في مقابل ذلك، نصرف طاقاتنا الغالية في كثير من الأوقات لإدارة ” حمول” التعاملات. وفي بقية الوقت، للتداوي منها.

مع ذلك، أرى أن هذا جزء من الطريق. وأمامي يمتد الشارع الواسع. والحياة الحلوة. الصح. الطيّبة. الصادقة. التي لا تخون، ولا تميل.

قبل فترة كنت أشوف برنامج عن أكشاك الشوارع. حلقات، وفي كل حلقة يربط بين فقراتها المتنوعة تركيز معين على كشك له تاريخ وله ثقل ثقافي، وطعامي، ما. وكل حلقة من بلد.

الحلقة اللي كنت أشاهدها كانت من تايوان. والكشك المركزي هو كشك بدأه صيّاد وزوجته لتقديم يخنة السمك. رحل الجيل الأول، وتولى الابن وزوجته العمل، ثم كبرت الحفيدة، وانهمكت في العمل العائلي أيضاً.

الحفيدة كانت ملفتة لي من اللحظات الأولى لظهورها على الشاشة. في بداية ثلاثيناتها على ما يبدو. ولحضورها شفافية مريحة تتجاوز ما تعوّدت على التقاطه. والمعلّق يتحدث إن الحفيدة منذ استلامها للعمل قبل سنوات حوّلت الكشك إلى تجارة جيدة وافتتحت أكشاكاً في شوارع أخرى مع الاحتفاظ بالتحضير التقليدي نفسه للطعام.

في العشر دقائق الأولى من الحلقة ربما تظهر الحفيدة على دراجتها النارية متوجّهة لسوق الخضار. تقول بالصينية: ” بما أنني أنا الفتاة التي عادت لتتولى عمل العائلة…” وتسكت للحظات بينما أقرأ الترجمة، وأتوقع المصاعب التي ستواجه الفتاة التي تتولى في بداية عشريناتها تجارة كهذه في ثقافة أبوية كهذه، تكمل القول: ” فسأفعل وأقرر ما يحلو لي. أنا المسؤولة”.

تفاجأت كثيراً بالعبارة. لم أتوقعها على الإطلاق في سياق السيدة ولا سياق حديث البرنامج. كأنها نفحة هواء منعشة هبّت علي من حديقة ربيعية وأنا في وسط هذا الشارع.

العبارة لم تأتِ بصيغة تحدّي تعودنا عليها من البرامج التلفزيونية. التقاطي لها كان لأن النَفس مختلف تماماً. نفس عادل هادئ، وقوي بدون أن يكون متنازعاً، وذكي كثيراً كثيراً.

وتوقعت أن الأمر سينتهي هنا. لكن بمرور معظم الحلقة، شاهدت كيف أن الفتاة هذه عندما عادت من دراستها الجامعية في العاصمة بناءً على استدعاء والديها، وُضعت بين ٤ حوائط صغيرة. مطلوب منها أن تساعد في العمل، ثم تُعارض في أبسط قرارات التغيير. وذكرت تصرفات على أساس إنها تصرفات عادية، ولكني رأيت فيها تقويضاً متعمداً من قبل الأهل لسلطتها وحاجتها. ورق قلبي لها وهي تقول أنها كانت تذهب للصلاة في المعبد، وتسأل ” القوة السامية” الإرشاد. كل هذا الحديث في سياق ” الحكايات العادية”، لا في سياق المآسي والتحدّيات. وكيف وصلت إلى اتفاقية ما- ماكرة ومؤذية في سطحية مكرها واضطرارها لها- كي تدخل التغييرات التي يحتاجها الكشك وتمررها على والديها. لكنها فعلت ما يحلو لها. وستفعل ما يحلو لها.

هذا النوع من العشب الأخضر الذي أراه في عالمنا. وأراه يزهر ويتسلق. بدون أن ينتظر استئذان أحد. هو موجود مثلما القتامة موجودة. ونفَس الخير طويل. أنا مؤمنة به، ومؤمنة بك يامن تستمع إلى أغنية يبدو أن من حولك لا يستطيعون سماعها. الخير حال ومقيم. والشر آتٍ ولكنه لا يقيم والحمدلله. سترحل القتامة، وبرحيلها سنتفاجئ- مع معرفتنا- بانتشار الأخضر الذي أفلت من أيدينا وغمر الطريق بينما نحن مشغولون بالتفاهم مع فلان، والترتيب لعلّان، والتداوي من هذا وذاك.

الكثير من الودّ. وبوكيهات العشب.