شجر الرمان



٥ مارس ١٩٦٤

في الضحى

الحياة هانئة وآمنة في البيت الكبير.

تستيقظ كل خميس وفي صدرها انشراح. يشبه امتلاءه بنسمة باردة هبّت فجأة على الفناء. ولكنها صباح هذا الخميس لم تنشغل كثيراً بالأمسية التي تنتظرها في المساء. في فمها طعم التربة والجذور التي اُقتلعت مع الأشجار المصفوفة واحدة تلو الأخرى، كعقد مرجان انفرطت حباته في عجل.

تحاول أن تسترجع الطقوس التي يحفظها لها إرثها عند الاستيقاظ على حلم مفزع، ولكن الكلمات تتبخر بمجرد أن تمسها أصابعها. فلا تتذكر. ما الخطوات التي عليها أن تقوم بها كي تنزع عباءة الحلم عن يومها. ويهمس لها حدسها. لم يكن حُلماً. بل هي رؤية.

تستعيذ بالله. تترك السرير لتباشر صباحها. ترتاح للهدوء المحيط بها رغم معرفتها بأن المطبخ يعجّ بالحركة منذ الفجر. الزوار في الديوان يتوافدون. بانتظار صواني الفطور، فناجين القهوة والشاي، موائد الغداء. ولكنه في أقصى الدار، والفتيات يقمن بواجبهن كالمعتاد، فلا تصلها عجلته. تتباطىء في حركتها عن عمد كي تستعيد هدوءها بدون أن يلمح أحدٌ من المقرّبين اضطرابها. زينب، الأخت الكبرى التي تدير البيت بعد أن تراجعت عافية الوالدة في السنوات الأخيرة لن يفوتها أن تسجّل تغيّرها، وهي لا ترغب أن تلفت الانتباه. لن تفلت تفصيلة كهذه من عينها الفاحصة حتى وإن كانت مشغولة بعشرات التفاصيل الأخرى. فتحاول استعادة أنفاسها، وتحاول أن تستعيد الابتسامة الهادئة التي يحتاجها أهل المنزل دائماً.

تلمح من شرفتها المفتوحة على الساحة فتاةً تحمل أقداحاً فارغة من الخزينة الداخلية. يبدو أن الديوان ممتلئ أكثر مما هو معتاد لتسمح لها زينب بأن تلجأ إلى كَبَد أهل الدار. تهز رأسها بالتحيّة فتشرق ابتسامة البنت، وتمضي مسرعةً تريد أن تقوم بما هو مطلوب منها وأن تلحق خدمة السيدة قبل الأخريات. تستميل الفكرة الطيبة القلب المشغول. تُهدّأ من روعه، وتدفعه إلى إشراقات اليوم.

أمضت الأسبوعين الماضيين وهي تخيط آخر فساتينها. عُرفت نساء البيت بإجادتهن للخياطة. وبينما تنتظر سيدات المدينة وصول فساتينهن على يد الخيّاطات، تقصّ أقمشتها وتخيّط فساتينها، كما تفعل زينب، بناءً على ما تقترحه صور فاتن حمامة ونادية لطفي في آخر أعداد المجلات التي وصلت للساحل بعد أسابيع من صدورها.

سترتدي الفستان المشجّر الليلة. عندما يصعد الكل متأنقاً إلى سطح البيت، ويستمع الصغير والكبير إلى ما ستقوله أم كلثوم في حفلة الخميس على الراديو. تفكر في تسريحة الشعر، وفي زينة الذهب. وتفكر في ابن العمّة البعيد. يحضرُ مؤتمر الصلح في تلك العاصمة الأوروبية. تتمنى له التوفيق- بعملية محايدة تشي بحياء القلب من أن ينشغل العقل به.

تفكر في أحداث الشهور الأخيرة. خلال الأسابيع الماضية لم تتكرر الصدامات بنفس الوتيرة التي كانت. نساء البيت يتنفسن الصعداء، ويأملن أن تكون هذه بداية لاختفاء الشغب تماماً، وعودة الحياة هادئة وهانئة، ليس فقط في البيت الكبير، بل في البلد بأكملها. ولكنها تستطيع أن تحرز أن الآخرين لا يشاركونهم الشعور نفسه. وأن بعض زوار الديوان، حتى زوار الديوان، لابد أنهم أيضاً يرغبون في التغيير. يعود للروح جفولها. وتتساءل عن مساعي المسافر، هل سيرجع بالصلح، أم أن هذا المؤتمر مثله مثل غيره، لولا اختلاف المكان.

تتذكر الحلم مرةً أخرى. تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. تنفث ثلاثة على يسارها. ولكنها أيضاً تستطيع أن تطُل على الحلم، الرؤية، بالحكمة السمائية التي عُرفت بها. الجد، كبير الأسرة الذي توفّى قبل سنوات، كان على قيد الحياة. على سريره يتحدّث كعادته إلى الأبناء. ثم كعادة الأحلام يختلف المشهد فترى البستان الكبير الذي يقع في المسافة بين المدينة والعاصمة. لحظة من الهدوء، ثم يصب أحدهم.. لم تره.. من أسطوانة كبيرة سائلاً ما، فتتطاير على إثره صفوف أشجار الرّمان واحدة تلو الأخرى بترتيبٍ مُحكم يقتلح القلب خوفاً وحزناً.

تخشى من أن تفكر في تفسير الحلم، ولكن المعنى قد استقر ووقع. فتنخطف أنفاسها للحظة، ثم تهز رأسها وتترك غرفتها، بأحلامها وأسرارها، إلى فناء الدار.

 

في المساء

متأنقة، تشبه في طلعتها البهيّة النجمات، تصعد إلى السطح مع زائرات من الجيران. لا تتوقف عن تبادل المجاملات والعبارات المتبسّطة مع الفتيات، ولكن قلبها تمسكه قبضة من جليد. جيّد أنها أتت بشال الكتّان معها، يبدو أنها ستكون ليلة باردة.

أم كلثوم تغنّي ” لسه فاكر”. الموسيقى متفائلة، والكلمات لا تبعث في نفسها الحزن بقدر ما تعدها بتجاوزه. تلمح بطرف عينها والدتها وهي تشدّ شالها على كتفها وكأنما لا تستطيع أن تتدفئ بما فيه الكفاية. تنزع الشال من على كتفيها، وتقوم من على الكرسي لتفرده على كتفي الوالدة. تبتسم لها ابتسامة مُغيّبة ككل ابتساماتها، لكن فيها ما يشبه الامتنان الشاكر. يكفيها.

تعود لكرسيها، لكنها لا تستقر في مكانها. تتذكر قصصاً عن أسرٍ صديقة في الدولة المجاورة، تغيّرت حياتهم بين يومٍ وليلة. وتتذكر الحلم. انتهت الأغنية، وبدأت المقدمة الموسيقية لأغنية جديدة. في ثانية اتخذت قرارها. مالت على الصديقة بجانبها، تخبرها بأنها ستنزل إلى غرفتها لتأتِ بشال آخر، ثم توجّهت بعينيها لزينب التي تنظر إليها مستفسرة. ما الأمر. لست على بعضك اليوم. تتجاهل السؤال الثاني، وتحرّك يديها وكأنما تضع الشال المُتخيّل على كتفيها وتحرّك شفتيها بدون كلام ” من تحت”. فتهز زينب رأسها بالفهم.

تنزل لغرفتها. تجلس على السرير وتنزع الكعب لترتدي الخُف، لا تريد لطرقات الكعب أن تلفت الانتباه.

تحتاج لأن تستعد. ولكن لِم تستعد؟ وكيف تستعد؟

تستعد لمغادرة البيت في لحظة. ربما ينقض عليهم أولئك وينقلونهم إلى مكانٍ آخر في البلد. سيُسجن الرجال، وتُشرّد السيدات. هذا ما حصل للأُسر الصديقة. وفي الحُلم يُهزم الجمع ويوّلّون الدبر.

الأوراق. الجوازات والعقود والسندات والملكيات. على الأقل تكون معنا. تذهب لجناح الجدّ، لازالت الخزنة هناك. وتعرف أيضاً مفتاحها. لا وقت. بسرعة تتصفح الملفات. الجوازات أولاً. العقود ثانياً. لم تجدها كلها، ولكن وجدت ما يكفي. ليست متأكدة من أن السندات البنكية هي ما تريد، لكنها أخذتها أيضاً للاحتياط.

بيدها الممتلئة بالأوراق تعود إلى غرفتها. أين تخبئها؟ تضع الجوازات في خزانتها، جاهزة لتتناولها في أي وقت. ثم تقسّم الرزمة الباقية إلى نصفين. نصفها في حقيبة تسوّقها، والنصف الآخر تذهب به لحقيبة تسوّق زينب. إن أتوا أولئك، هذه الأوراق ستكون شغلهم الشاغل. جيّد أن الخزينة لازالت ممتلئة بالأوراق الأخرى.

ماذا عن الذهب؟ تسمع صوتاً داخلياً يتشكك. أجننتِ؟  أتظنين أن هناك داعٍ حقيقي لكل هذه الحماقات؟ ماذا سيقول أهل البيت؟ ماذا ستقول لك زينب؟

تجلس مرة أخرى على السرير. تحتاج للتفكير.

صحيح. ربما لا يحصل شيء. غالباً لن يحصل شيء. ولكن حدسها يتوسّل إليها أن تفعل كل ما يمكنها فعله لتستعد. أسرتها تعتمد عليها. حتى وإن لم يصدقها أحد منهم إن حاولت إخبارهم. تعلّمت من جدّها أن الملامة لا تقع على الغافل، بل على من دلّه قلبه فتجاهله.

الذهب. ماذا تفعل بالذهب؟ تفتح صندوقها. تختار أغلى القطع. لا لولو ولا ماس، ذهب خالص. تلك التي تعرف جيداً أنها إن اضطرت لبيعها ستعود عليها بسعر جيّد. تضع اختياراتها في حقيبة يدها. خمس قطع تكفي، تحاول أن تخزّنها بفوضوية وكأنما تراكمت بالصدفة ولم تُعدها إلى الدرج بعد ارتدائها، لا تريد أن تثير الريبة إن تعرضت الحقيبة للتفتيش.

تترك الغرفة ولا يزال التساؤل قائماً. هل استعدّت بما فيه الكفاية؟ لا يبدو ذلك. هل بالغت في الاستعداد؟ يبدو ذلك. تتمنى ذلك.

تعود للسطح. تقابلها نظرة زينب المتفحصة. تنتبه أنها عادت بلا كعب وبلا شال. ترتبك. وتتظاهر بأن لا شيء هناك. أم كلثوم تسأل، بهزيمة عاتبة، تروح لمين. تختفي هبّة الأدرينالين، وتترك في عينيها ألغازٌ، وفي النفس اكتئاب. ليس اكتئاب العاشقين.

توأم روحي

عن الأفكار التي نتركها لتختمر..

عندي حكاية صغيرة مع أغنية “توأم روحي“.

كنت صبيّة لا أهتم بالأغاني كثيراً. نشأت في أسرة محافظة، لا تمانع الموسيقى، ولكن لا تجدها مهمة كفاية كي تعطيها الوقت. بنات الخالة، أكبر مني بما يقارب العشر سنوات، كنّ في أوجّ مراهقتهن، والأغاني جزء مهم من الحياة في بيتهم. الأغاني الخليجية وبعض من أغاني مصرية. بالتأكيد ليس من بينها أغاني راغب علامة. بنات خالتي قررن أن توأم روحي ” سخيفة”. وبالتالي من الطبيعي أن أقرر كذلك أن توأم روحي سخيفة.

في يوم من الأيام زارتنا، أوبالأحرى زارت بنات خالتي، قريبة أحبها من الظهران. وخرجنا لنتغدى في فدريكرز حراء (أضحك من الذكريات المفاجئة!)، ولأن السيارة كانت ممتلئة على آخرها، كنت في الدور الأعلى من الراكبات، تحتضنني القريبة الزائرة. من تجلس في المقعد الأمامي فتحت الراديو على إم بي سي إف إم- طبعاً! لم تكن هناك قناة تستحق السماع سواها على ما يبدو- وطلعت ” توأم روحي”. قالت إحدانا: ” يوووه!” لكن الزائرة قالت ” خلّوها!”، فخلّوها.

قلت لها: ما أحبها. قالت ويديها رفيقة تحتضن وسطي: ليييييش؟ سمعتيها؟ اسمعيها. ” عمل حلو”.

كنت طفلة متأملة. أرسم العلاقات بين المفاهيم والأفكار لأحاول أن أفهم العالم الصعب المعقّد الذي يبدو سهلاً للكل فيما عداي. أتذكر أنني قضيت أياماً كثيرة أتساءل عن فكرة كيف أن الناس المهمة صاحبة الآراء التي أحب وأعتنق، لا يتشاركون الرأي نفسه. وكيف أن علي أن أعطي نفسي فرصة كي أتأكد من أن ” العمل الحلو” لا يفوتني لأن البقية لم يروا جماله. يااااه، تصوّري إن في أشياء حلوة ما أعرف أنها حلوة.. ألن يكون هذا مؤسفاً.

ربما كانت المرة الأولى التي أتعامل فيها مع مفهوم الرأي المستقل كفكرة مُجرّدة.

لكني لم أكتب هذه التدوينة للحديث عن الرأي المستقل.

أكتبها لأنني قبل أسابيع استمعت بالصدفة لـ” توأم روحي” بعد سنوات وسنوات من الانقطاع. لم أفكر فيها منذ ذلك الوقت على ما يبدو، لكنني تفاجأت بأنها ” عمل حلو” فعلاً. صحيح أن لمسة صلاح الشرنوبي والضجيج الموسيقي التسعيناتي المصاحب لها موجود فعلاً، لكنه لم يعد مهماً كثيراً. ما همّني وقتها هو النسمة التي هبّت من أيام طيّبة وبريئة- لا، لم تكن سهلة- والحنين الرفيق في العبارة الموسيقية ” مش قادر أحكي لك عاللي بيجرى في بعدك”.

يبدو أن الأفكار. كل الأفكار، الممتازة والجيّدة كفاية على حدٍ سواء، تحتاج إلى الزمن لتختمر. ليس فقط كي تتكون، بل لتكون أيضاً. لتأخذ حقها في الحضور، وفي وعي المتلقّي. تصبح الأعمال التي تمثلها نافذةً مطلة على الزمن. وكأنما شاركتك رحلة من العمر، لكنها توقفت ولم تتغير، وأنت مضيت لحال سبيلك. كبرت، نضجت، أحببت، كرهت، تمتّعت، تألّمت. ثم تعود إليها فجأة، فتتفاجئ بوفائها لك. وبوقعها على روحك.

تمام. ما المستفاد من هذا الحديث عدا التأمّل في ملكوت الله اللا حسّي؟ التأمّل في حدّ ذاته يكفي، لكني الحقيقة أخذت الفكرة نفسها لآخر امتداداتها. ماذا عن الأفكار، والأعمال، التي أريد إطلاقها. ربما علي حسبان المدة الزمنية التي تحتاجها بعد تكوّنها لتكون مؤثرة في الوعي. بمعنى. هذه التدوينة مثلاً. مقالة معقولة، ستعجب البعض وتمسّ أفكاراً موجودة سلفاً لديهم، والبعض الآخر سيمرّ عليها مرور الكرام. ربما يحدثني عنها بعض الأصدقاء الأعزاء، وأربّت على كتفي بأنني قد استمررت في الكتابة يوماً آخر. ثم أعتبر أثرها قد انقضى. أخذت الفكرة الوقت اللازم للانطلاق، التأثير.. وحان وقت الأرشفة، والنظر لفكرة قادمة.

لكن ماذا لو كان لكل ذرة عمل تطلقه للعالم التأثير نفسه الذي سمح به الزمن لأن يكون ل” توأم روحي”؟ ماذا لو كان مرور الوقت، في حد ذاته، هو عامل استثماري يعتّق الفكرة ويزيد من أهمّيتها لدى المتلقّي؟

ماذا يقول دكتور مشاري النعيم في مقاله العظيم ” فأما الشهد فيذهب جفاءً“؟ ‏” عملت خلال حياتي على عدد من المشروعات التي أعتقد أنها مهمة، ولم يطلب أو يكلفني أحد بعملها، واشتغلت عليها بصورة موازية لعملي الرسمي الذي كانت تتنازعه الفقاعات المؤقتة، والآن بعد مرور سنوات طويلة لم يبق فعلا إلا تلك الأعمال الموازية التي لم يرها أحد في حينها وأثناء عملها”.

في وقتها؟ التفت إليها بعض البعض. مع مرور الزمن عليها، وقفت الأعمال كهامّة لم يزدها العمر إلا عُلوّاً.

هذه فكرة مهمة. لم؟ لأنها تضع أمامك، كمطوّر الفكرة، سياقاً أكثر حكمة وذكاءً لحساب تأثيرها وعائدها الاستثماري، خصوصاً ذلك السياق الذي تفرضه علينا فورية السوشيال ميديا وحسابنا لتأثير الأعمال باللايكات وعدد القراءات خلال اليوم.

إن ارتأيت مثلاً أن تنشر كتاباً اليوم، التفكير في أن الزمن سيضيف القيمة إليه، يجعلك تتغاضى وتتجاوز عن فورية الترحيب، أو اللاترحيب، الذي سيستقبله من جمهورك اليوم. خمسة فقط اشتروه؟ لم يصلك ردود عليه؟ معليش. اتركه في المكتبة، وانتظر الزمن بجهوده العملاقة- وإن كانت سلحفائية- ليقوم بدوره.

حديثي هذا لا أقصد منه الاستخفاف بجهود التسويق والتوزيع للمنتج الإبداعي. أبداً. بل أن هذه المسألة تثير ليس فقط اهتمامي، بل شهيّتي للتحليل والتخطيط (أنوي قريباً أن أتناول هذا الموضوع). ما أقصده هو أنك إن قررت أن تضع طاقتك في تسويق عملك، أو قررت ألا تفعل، الأمر سيان عندما يعود الأمر للقيمة التي يضفيها مرور الزمن على عملك. لا يمكنك تسريع العجلة، كل ما يمكنك فعله هو الإيمان بدورها، وتلقّي خيّراتها في الوقت المناسب.

أكمل دورك أنت أيضاً. أن تعاود التركيز على الأشياء القيّمة التي تستطيع إنتاجها في حياتك. عمل، وراء عمل، وراء عمل.

هذا هو الاستثمار الحقيقي.. الزبد، كما تعلم، يذهب جفاءً بالتأكيد.

الرصاصة لاتزال في جيبي

عندي عدو واضح، أحاربه في صوتي وبصوتي.

النبرة الاعتذارية عند السيدات. ابتداءً من استخدام ” أعتقد، وربما، ويمكن” في أمور ينبغي أن تكون عباراتنا حاسمة وقاطعة فيها، لأنها لا تحتمل الربما واليمكن، مروراً بالمحاولات الحثيثة للهروب من الثناء المُستحَق والتشكيك في مصداقيته وحجمه، وانتهاءً بتصغير الإنجازات، والتعامل مع الإنتاج على أنه ” أقل” مما يجب، وأن هناك آخرين يقدمون أكثر.

ومالنا نحن والآخرين يا رفيقتي التي ما تسمع الكلام؟

اليوم وصلني إيميل من سيّدة كلمتها مسموعة في مجالها. تؤلف الكتب، وتكتب المقالات، وتحاضر. ومع ذلك حديثها عن نفسها اعتذاري. انتفضت أعصابي. هذه العبارة الملائمة لوصف ماحدث. ليس فقط لوجود هذه النبرة الاعتذارية، بل لأنني كنت متوقعة كثيراً مقاومتها إن اقترحت عليها تعديلها. رددت عليها مع ذلك بأفكاري، والمفاجأة السعيدة أن توقعاتي كانت مخطئة تماماً. تقبّلت الفكرة بدون مقاومة (وبدون اعتذارات أخرى)، وتخلّصت مما لا يليق بمشوارها.

لم نعتذر؟ ولم اعتذاراتنا خفيّة كدبيب نملة، ومع ذلك يلتقطها الآخرون ويسمعها الكل- فيما يبدو عدانا- بوضوح؟ هل لأننا لا نرى استحقاقيتنا؟ هل لأننا نشعر بأن من التهذيب ألا نفترض قيمتنا، بل ندع الآخرين يضعوا لها تعريفاتهم ويمنحونا التقدير المناسب..؟

هل لأننا نريد أن نحمي أنفسنا بشكل استباقي من ” الحقائق” التي نشعر بها عن ذواتنا، ونخشى أن نستفز الآخرين فيطلقوها في وجهونا، وإن أطلقوها تأكدت.. لكن طالما هي في ظلام أعماقنا، فهي بين الشك واليقين؟

ربما هذا وأكثر. كل واحدة منّا وحقائبها التي تحملها من طفولتها وتجاربها. لكن في النهاية النتيجة واحدة وإن اختلفت الرحلة. لنتعامل مع محتويات هذه الحقائب، لنتوقف عن دعم الأفكار الآيلة للسقوط بمزيد من الدعائم المؤقتة، ونختار أن نرى ونعيش ونعرض حقائقنا بدون حاجة للاعتذار عنها.

الراقصون في العتمة

نعم. أنا مُدركة لقتامة الألوان التي تحيط بنا، وبناسنا. ولكن هذا جزءٌ من القصة، ولم نصل بعد إلى بقيّة الطريق.

مدركة أن هناك هجوماً يطل برأسه من وقتٍ لآخر على ما نمثّله، وفي هذا الهجوم الكثير من اللاعدل. الجفاء القاسي. والغباء الذي يؤدّي للظلم والسواد. وأننا، في مقابل ذلك، نصرف طاقاتنا الغالية في كثير من الأوقات لإدارة ” حمول” التعاملات. وفي بقية الوقت، للتداوي منها.

مع ذلك، أرى أن هذا جزء من الطريق. وأمامي يمتد الشارع الواسع. والحياة الحلوة. الصح. الطيّبة. الصادقة. التي لا تخون، ولا تميل.

قبل فترة كنت أشوف برنامج عن أكشاك الشوارع. حلقات، وفي كل حلقة يربط بين فقراتها المتنوعة تركيز معين على كشك له تاريخ وله ثقل ثقافي، وطعامي، ما. وكل حلقة من بلد.

الحلقة اللي كنت أشاهدها كانت من تايوان. والكشك المركزي هو كشك بدأه صيّاد وزوجته لتقديم يخنة السمك. رحل الجيل الأول، وتولى الابن وزوجته العمل، ثم كبرت الحفيدة، وانهمكت في العمل العائلي أيضاً.

الحفيدة كانت ملفتة لي من اللحظات الأولى لظهورها على الشاشة. في بداية ثلاثيناتها على ما يبدو. ولحضورها شفافية مريحة تتجاوز ما تعوّدت على التقاطه. والمعلّق يتحدث إن الحفيدة منذ استلامها للعمل قبل سنوات حوّلت الكشك إلى تجارة جيدة وافتتحت أكشاكاً في شوارع أخرى مع الاحتفاظ بالتحضير التقليدي نفسه للطعام.

في العشر دقائق الأولى من الحلقة ربما تظهر الحفيدة على دراجتها النارية متوجّهة لسوق الخضار. تقول بالصينية: ” بما أنني أنا الفتاة التي عادت لتتولى عمل العائلة…” وتسكت للحظات بينما أقرأ الترجمة، وأتوقع المصاعب التي ستواجه الفتاة التي تتولى في بداية عشريناتها تجارة كهذه في ثقافة أبوية كهذه، تكمل القول: ” فسأفعل وأقرر ما يحلو لي. أنا المسؤولة”.

تفاجأت كثيراً بالعبارة. لم أتوقعها على الإطلاق في سياق السيدة ولا سياق حديث البرنامج. كأنها نفحة هواء منعشة هبّت علي من حديقة ربيعية وأنا في وسط هذا الشارع.

العبارة لم تأتِ بصيغة تحدّي تعودنا عليها من البرامج التلفزيونية. التقاطي لها كان لأن النَفس مختلف تماماً. نفس عادل هادئ، وقوي بدون أن يكون متنازعاً، وذكي كثيراً كثيراً.

وتوقعت أن الأمر سينتهي هنا. لكن بمرور معظم الحلقة، شاهدت كيف أن الفتاة هذه عندما عادت من دراستها الجامعية في العاصمة بناءً على استدعاء والديها، وُضعت بين ٤ حوائط صغيرة. مطلوب منها أن تساعد في العمل، ثم تُعارض في أبسط قرارات التغيير. وذكرت تصرفات على أساس إنها تصرفات عادية، ولكني رأيت فيها تقويضاً متعمداً من قبل الأهل لسلطتها وحاجتها. ورق قلبي لها وهي تقول أنها كانت تذهب للصلاة في المعبد، وتسأل ” القوة السامية” الإرشاد. كل هذا الحديث في سياق ” الحكايات العادية”، لا في سياق المآسي والتحدّيات. وكيف وصلت إلى اتفاقية ما- ماكرة ومؤذية في سطحية مكرها واضطرارها لها- كي تدخل التغييرات التي يحتاجها الكشك وتمررها على والديها. لكنها فعلت ما يحلو لها. وستفعل ما يحلو لها.

هذا النوع من العشب الأخضر الذي أراه في عالمنا. وأراه يزهر ويتسلق. بدون أن ينتظر استئذان أحد. هو موجود مثلما القتامة موجودة. ونفَس الخير طويل. أنا مؤمنة به، ومؤمنة بك يامن تستمع إلى أغنية يبدو أن من حولك لا يستطيعون سماعها. الخير حال ومقيم. والشر آتٍ ولكنه لا يقيم والحمدلله. سترحل القتامة، وبرحيلها سنتفاجئ- مع معرفتنا- بانتشار الأخضر الذي أفلت من أيدينا وغمر الطريق بينما نحن مشغولون بالتفاهم مع فلان، والترتيب لعلّان، والتداوي من هذا وذاك.

الكثير من الودّ. وبوكيهات العشب.

 

 

هل أنت كائن فضائي؟

حصيلة اليوم.

البقاء حتى وقت متأخر على الجوال، أشرح لصديقتي العزيزة، الجميلة اللطيفة السُكّرة، كيف يمكنها أن تقدم لأطفالها الأعزاء شوربة بطاطس لذيذة لأنهم أعلنوا تمرّدهم على الشوربة التي تقدمها لهم كل يوم.

العالم بأكمله، بتلفزيونه ويوتيوبه وبلوجّاته وڤلوجاته، لم يستطع أن يقدّم لصديقتي ما تحتاجه. أن يعيد تعريف عملية الطهي لتتوائم مع هندسة عقلها. واليوم مشيت معها خطوة بخطوة، أدير مقود سيّارتي بحرص ومراعاة، كي تستجيب عباراتي لمنعطفات طريقها. والنهاية كانت طيّبة للغاية الحمدلله. قدّمت للثوّار ما يرضيهم. الابن الأكبر، قائد حملات المقاومة، غرف لنفسه، كما تقول صديقتي، مرّتين. ألف هنا وعافية على قلبه.


تفتّح قلبي على الحب حينما رُزقت بأوّل ” نقطة صغيرة” في حياتي. ابنة أختي. ثم تتالت النقاط، حفظهم الله ورعاهم، وماعرفت حبّاً عرّفني على أشياء بداخلي لم أكن أعرفها من قبل كحبّي لنقاطي الصغيرة. السيدات يعرّفن بأنفسهن على أنهن ” زوجة وأم”. هذا تعريف منطقي ومعقول، يشكّل جزءاً أساسياً من هويّاتهن.. عنّي أنا؟ أنا ” خالة وعمّة”. وهوّيتي تتسع وتكبر عندما أفكر في أنني خالة ” خرافية”. و” عمّة” دافئة ومُحبّة بدون أجندات. أعتني وأقود وأضمّ وأحب، وأوجّه وأؤدّب وأمارس السلطة الممنوحة لي بكل كرم، ومسؤولية. وشعور الحمد عندي لا تسعه بحور الأرض.

من نقاطي الصغيرة من لا يشبه أحداً على الإطلاق. وظهر هذا من وقت مبكر، مبكر للغاية. أعترف أنني منذ السنوات الأولى لحياته، يخلّي لي هو، ولكي أستطيع أن أصنّف شخصيته، وبالتالي أتعامل معه بما يناسبه، احتجت لأن أفكر فيه، بيني وبين نفسي، وبيني وبين والدته أيضاً لأنها كذلك كانت حائرة بأمره، بأنه ” فضائي”.

لا أرغب في أن أوضّح أكثر. كان طفلاً سعيداً، ظريفاً، ذكيّاً. يملأ حياتنا بالبهجة. ولكنه يفكر بطريقة لا تنتمي إلى كوكب الأرض. إن أردت أن تعرف أكثر عمّ أتحدث، يمكنك أن تقرأ ما كتبته السيّدة منى عن ” نهاية“. أساساً هذه التدوينة عبارة عن استجابات متقطّعة لما أثارته نهاية من ذكرياتي.

الآن هذا الطفل قد أصبح فتىً في أواخر أعوامه الدراسية. حفظه الله ورعاه. المفاجأة، لي ولوالدته، أن فضائيته أصبحت تأخذ شكلاً مألوفاً لنا. أصبحت ضمن السياق الاجتماعي المتعارف عليه وإن كان من الأطراف. يعني بين كل فترة والثانية يفاجئك بتصرفاته، لكنها مفاجأة لا تثير التساؤلات. المفاجأة التي أتحدّث عنها هي أنه، في فتوّته، بات يشبه من؟ يشبه والده.

يبدو أنني أحتاج لشرح ما أقصده بشكل أفضل. كنت أتوقع أن الطريقة المختلفة التي يرى فيها الابن العزيز الأمور من فترة مبكرة للغاية هي شيء يخصّه وحده. شيء فضائي يحتاج لأن نتعامل معه بحرص وفهم، كيلا يصطدم مع أعراف المجتمع. ولكن ظهرت أن هذه ” الفضائية” هي امتداد لفضائية والده. نحن فقط عرفنا والده في شبابه، عندما استطاع أن يصغي ويتفاهم ويجري التسويات مع طريقة التفكير الجمعي، كيلا يظهر مختلفاً كل الاختلاف.

النقطة الصغيرة، العزيزة، أيضاً أجرت التسويات مع المجتمع. لكني سعيدة للغاية، وشاكرة، أنها لم تتخلّ بشكل كامل، ولا حتى بشكل جوهري، عن فضائيتها. لازال التفكير مختلفاً، لازالت ردود الأفعال منعشة في جدّتها وطيبتها وغرابتها. لازالت العيون تلقط الدنيا حسب ” ضبط المصنع” كما تقول قصاصات. تلقطها بالزاوية الذهبية، العجيبة الحبيبة الغالية، التي كانت عليها في طفولتها.

لا أعرف فضائيين في حياتي غير نقطتي الصغيرة، لكني تقريباً متأكدة من أن صديقتي العزيزة التي لم يستطع العالم أن يقدم لها صياغة الطهي بطريقة تستوعبها، فضائية سابقة. وإن سألت والدتها العزيزة عن طفولتها، سأجد كل الدلائل التي تؤكد افتراضي هذا.

رفقاً بالفضائيين الصغار والكبار في هذا العالم. يستحقّون مكانهم على الأرض، ودنيانا تستحق أن نحصل منهم على كل الجمال المختلف بمجرد كينونتهم كما هم.

أن نكون شجعاناً لنحبّ

لا تختبئي مني. أنا إن آذيتكِ، أؤذي نفسي. لكن لا مفر.

لا مفر أن نؤذي بعضنا بعضاً. أن أمدّ قلبي على يدّي، وهو أغلى ما عندي.. وأن تمدّي قلبك على يدّك، وهو أغلى ما عندك..؟

لا مفرّ من الأذى يا صديقتي. لكن دعينا نجلس تحت مظلّته سويّاً. أن نصل إلى درجة الإيمان بأنني مخلصة في حبّي، وأنك مخلصة في حبّك، وأن الأذية تأتي من اللافهم، واللافهم، المخلص الصادق الأمين، سيذهب بنا إلى الفهم.

آمنةٌ أنتِ معي. وآمنةٌ أنا معك. لن أختبئ. ولا تختبئي.

شكّة إبرة. غمضة عين. ونهر رفقتنا يفيض ويمتلئ. وتخضرّ الضفتان.

من اختمار الحلم.. يأتي النهار

في الحلقة الخامسة من الجزء الأول من ليالي الحلمية. وأنا الآن دائخة. دائخة من الجمال. مغرمة بالجمال.

حرفياً. لدرجة أنني اضطررت لإيقاف المشهد- السبب المباشر لدوختي- وفتحت ملاحظات الجوال لأكتب وأعبّر وأُنفِّس. وأنفث حرّات الجوى كمان.

في أوّل رمضان عملت بحثي المعتاد الذي بتّ أجريه كل سنة تقريباً خلال الخمس سنوات الأخيرة. أبحث عن الدراما السورية، خصوصاً تلك التي أُنتجت لرمضان من دمشق، وليس من دبي أو من القاهرة. لم أجد شيئاً يستحق المتابعة، وكذلك كان الحال رمضان الماضي. بس رمضان الماضي أذكر كان هناك مسلسل أو مسلسلين يستحقّان، لكنهما قاتمين للغاية وأنا أحتاج الهواء والنَفَس المتأمّل في التعامل مع الأحزان. هذه المرة لم أجد شيئاً. الوجوه منفوخة، سيدات حُبسن بين عمر الخمسة والأربعين والستة والأربعين على رأي بيل بُر، وظللن في هذه المنطقة الغريبة الدِسيوتيبيه عشر سنوات. الممثلون العظماء.. أوّلهم بسّام كوسا، يُفترض أن يمثّل دور الجدّ، ولازال يمثّل أدوار منتصف العمر.

هذه المرة شملت المسلسلات المصرية ببحثي. على أمل أن أجد شيئا شبيهاً بـ” سابع جار“. لم أجد. فأغلقت نافذة البحث ورضيت بأنني لن أشاهد رواياتٍ متلفزة بلغتي وبقصص أهلي. وعُدت لمتابعة ذا سوبرانوز الذي أشاهده للمرة الأولى هذه الأسابيع.

المهم. قبل يومين أو ثلاثة شعرت أنني بحاجة ماسة لمشاهدة شيء عربي. ذا سوبرانوز- على عظمته السينمائية- لا يسدّ الحاجة الوجدانية التي أود لها أن تمتلئ. فكرت بقراءة رواية عربية ولدي خيارات أعرف أنها ستعجبني. ولكن الروايات العربية التي تخاطبني حقاً ترفع الغطاء عن بئري العميق.. تفتح خزانات المشاعر كلها بدون تحّكم منّي. ولا أميل لأن أتلقى مثل هذا النوع من السلطة الفوضويّة. إن كنت قارئاً لهذه المدونّة ربما تكون خمّنت سلفاً أنني أتعامل مع جرعات المشاعر كما يتعامل الصيدلاني مع جرعات الدواء. حريص على ضبطها، مُنتبه لكميّتها وكيفيّتها ومواعيدها، وتوظيفها لأغراضها الطبّية السليمة. المشاعر السداح مداح لا تناسبني. بل وأشعر أنها تضييع لطاقة بنّاءة وغالية يمكنني أن أحتفظ بها لنفسي. وأهبها للغاليين على روحي.

المهم. للمرة الثانية أقول ” المهم” بس مش مهم.. 🤷🏻‍♀️

خطرت ببالي ليالي الحلمية. وكنت قد شاهدتها للمرة الأولى ربما في ٢٠٠٨ أو ٢٠٠٩ لا أتذكر. أتذكر فقط تقديري لها واستمتاعي بنسيجها الدرامي. فقلت يللا.

شاهدت الحلقة الأولى. الثانية. هممم. لم تحرّكني كثيراً.. ولكنها بدت ترفيهاً جيّداً خلال اليوم. الحلقة الثالثة والرابعة خطفت قلبي. الخامسة؟ تعرف ما حصل.

درست في ٢٠١٨ منهج البحث النوعي على كورسيرا. الأستاذ في أولى المحاضرات كان يتحدّث عن علم الهرمينوطيقيا، أو علم التأويل. وهو أحد فروع علم المنطق. يُعنى هذا العلم بما تأتي به إلى طاولة النص كمُفسّر. يعني تجاربك وفهمك للحياة تتدخل تدخلاً مباشراً في صناعة تفسيرك للنّص. وبالتالي يكون المعنى مقاسمة بين صاحب النص وبينك كمُتلقّي.

بشكل عام مهتمّة بالتاريخ. بشكل خاص مهتمة بتاريخ العرب الحديث في بدايات القرن العشرين. بشكل أكثر خصوصية، هذه الشهور تحديداً، مهتمة جداً بالحرب العالمية الأولى والثانية. أقرأ عنهما الكتب، ومؤخراً شاهدت وثائقي على نتفلكس عن الحرب العالمية الثانية وما حصل للألمان. بعدها قرأت هذا الكتاب، وأُصبت بالإحباط لأنني كلما حاولت أن أجد تقييماً شبه مُحايد- شبه، راضيين بالشبه ومتوقعينه كمان- لما حدث بين هتلر والحلفاء، لا أجد ذلك. الهولوكوست جعلت من أي محاولة محايدة لرواية تلك السنوات شراً محضاً. بعدها أعدت قراءة رواية مفضّلة عن جاسوس ألماني يعيش في لندن خلال سنوات الحرب.

أتيت لمشاهدة ليالي الحلمية، والتي تدور أحداث حلقاتها الأولى في قاهرة بداية الأربعينيات من القرن العشرين (الحرب العالمية الثانية كانت بين ١٩٤٠ و١٩٤٥، ووقتها مصر كانت تحت الاحتلال البريطاني. الاستعمار كما يقولون).. أتيت لمشاهدتها وأنا مِحمّلة بالعجب، والفضول والأسئلة والخيالات، مما أحطت نفسي به خلال هذه الشهور. وقدّمت لي هذه الحلقات قطعاً إضافية، صاخبة ومثيرة وجميلة، للحلقات التي تدور بداخلي. فأتلقاها بعمق. وأتلقاها بحب. وأتلقاها بشكر. ثم أدوخ من الجمال.

أتيت أيضاً لمشاهدة الحلمية وأنا مبهورة بفكرة العلاقات الإنسانية وتحوّراتها، وليس تحوّلاتها فقط، على مدار عقود من الزمن. فلان الصغير بات كبيراً، وفلان عرف فلان في ذاك المكان ثم صادفه مرة أخرى في مكان آخر. الرفاق في سنوات الحب توزّعوا، ثم تجمعوا والنفوس تغيّرت. الجميل الذي امتدت به يديك دون قصد، وبات صاحبه يطاردك من مكان لزمان، كي يرده لك مراراً وتكراراً وأنت تقول آمين آمين.

وفي حلقات الحلمية، ما أعرفه عن مستقبلها، تحوّرات كبرى. فدائيون يحاربون الإنجليز، ضبّاط أحرار يقومون على البلد، سفراء تجّار وتجّار سفراء. ومقاهي وعمّال مصانع وأولاد يقاسون الحرمان في الصغر ويتخطوّنه في الكبر. أشيااااء تحصل يا رجل.

وأتيت لمشاهدة الحلمية وأنا أحاول استعادة إيماني بمستقبل روائي لا تحكمه الشفاه المنفوخة والجيل الأوّل الذي لا يريد أن يتنازل عن مكانه للجيل الثاني والثالث. لا يريد أن يتعلّم حلاوة أن تكون معلّماً، أن تشرف على النبات الحلو ليكبر ويقوى عوده، وأن تستمتع بالجلوس على جنب، مكانتك محفوظة وحقوقك على العين والراس، بينما تحمل الأجيال التي سقتها أمطار شبابك الراية وتكمل المسيرة.

لم أكن أريد التنازل عن الإيمان بأن في مستقبل الأيام الكثير من الأعمال العربية الحلوة. الصادقة. المهمّة. وأننا سنعيش موسيقى روحٍ تجلّت لعشرات، بل مئات، اللحظات القادمة.

وليالي الحلمية، بأحداثها المتسارعة، بتمثيل أبطالها الصغار قبل الكبار، بتعقيد مشاعرها ولقطاتها الفاتنة، أعادت إليّ إيماني. ولا تقل لي بأن هذا زمن قد راح. لا. نحن العرب نحمل جذوة القصّة، شعراً ورواية، في أعمق نقطة من أرواحنا. الشفاة المنفوخة ستذهب، وسيأتي قومٌ آخرون، نحبّهم ويحبوننا.

الفاتحة على روحك يا أسامة أنور عكاشة.


عنوان التدوينة من تتر المقدمة لليالي الحلمية. من كلمات الشاعر سيد حجاب.

جسر بلا ماضي

الحقيقة الصادمة هي أنني، وعلى مدار سنوات طويلة من العمل الحرّ، كنت أعمل مع قطاعات مختلفة لا أحتفظ بذكريات مُلهمة كثيراً عنها. هذه عبارة مهذبة لوصف الحال، لكنها أيضاً مُنصفة ولا تسم الأمور بطابع شخصي لا ضرورة له.

هذه الأيام أحاول أن أكون بذاتي الحقيقية في العمل على مهل، وليس نسخة جامدة مُختارة بعناية كي أحتفظ برواق حياتي الحقيقية خالصاً لنفسي وللدائرة المقربة مني. وعندما أحاول أن أمدّ الجسور بين مشاريعي الماضية وحاضري، أجد الصفحة بيضاء تقريباً.. وكأنني أبدأ من الصفر، بلا ماض. ولست متأكدة أن هذا التخيّل يروق لي أيضاً.

غالباً لأنه ليس الحقيقة. ولكنه يبدو وكأنه حقيقة.

ماذا عن أولئك العملاء الذين ظلّت سيرتهم العطرة في الذاكرة؟ هناك خمسة أو ستة أسماء.. ربما أكثر قليلاً، لازلت أحتفظ لهم بكثير من المودّة الشخصية، وأرجو أن يكون مستقبلي عامراً بالتعامل مع شخصيات مثلهم. مع ذلك كنت حريصة في وقتها على أن تظل الجُدر عالية وحاضرة بيني وبينهم. لا يرون مني سوى ما يخصّ أعمالهم. أي محاولات لفتح النوافذ والأبواب كانت تشعرني بكثير من عدم الارتياح، وأحتاج لصدّها بتهذيب.. لكنّه في النهاية صدّ. الشخصيات الوحيدة التي ظلّت بحياتي للآن من سنوات الريبة هي شخصيات شاهدت صدّي ولم تعبأ به. لم تصلها الرسالة، أو كانت ماكرة- المكر الطيّب الصبور- لتواضب على الحضور من وقتٍ لآخر. هذا استثمار- من ناحيتهم- أشعر بكثير من التقدير لأجله، ولكني أعرف أيضاً أن لا شخص مجبور عليه.

فأن أعود لفتح الأبواب التي حرصت على سدّها؟ لا ترضاها مرؤتي عليّ، ولا على الآخرين. خصوصاً أنها قد تُفسّر، احتمال ضئيل ولكن وارد، أنها رغبة في تجديد العلاقات المهنيّة للحصول على مكسب ما. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، بالتالي تظل التحايا الودود متوجّهة إليهم بدون أن يتلقوّها فعلاً. لا بأس، ليست لدي مشكلة مع هذا.

لم أكتب بهذه الصراحة، وأنشر الكلام على الملأ؟ أعود لأسأل نفسي مرة واثنين وثلاثة. هل أنت متأكدة. فاطمة. هل أنت متأكدة. ما الفائدة أصلاً. وأجيب بأنني لست متأكدة. لا ولست متأكدة أن هناك فائدة تُرجى لمثل هذا الكلام. لن أعتب على نفسي إن تذكرت ما نشرته بعد ساعات فشعرت بالهلع والـ ڤورنبليتي هانج- أوڤر كما تصفه برنيه براون. والفائدة ليست في المحتوى. ٩٩٪؜ منكم لم يمرّوا بما أتحدث به، وأشكّ أن الحديث مفهوم بكل زواياه لأن التجربة خاصة جداً وتنطلق من تقاطع بين سماتي الشخصية وحياتي العملية التي لا تتفق خطوطها مع المسارات الوظيفية المعتادة. لكن في كل الأحوال، لا أنوي أن أضع حدوداً لاستكشافي للفضاء العام. مجرد رغبتي في استكشافه، وأنا المتحفّظة التي لا تأبه بالمشاركة العامة، مثير للدهشة، ومساحة بنّاءة- آمل- لأتعلّم معانٍ تخصّني، وصيغاً للوصل الإنساني، تغنيني، ولعلها تغنيّك أنت أيضاً.

في النهاية ربما أحتاج للصبر. لا. دائماً نحتاج للصبر. أحب الأشياء على مهل. أجد فيها المعنى والقيمة. لكن هذه الأمور تأتي على مهل المهل. ومن ” لا بأس” إلى ” لاباس”.

جمعة مباركة.

سلمى. بماذا تفكّرين؟

لا أذكر أين سمعت التشبيه عن قلب تغسله الدموع كما يُغسل الرخام، فيُترك ناصع البياض زاهي الأركان.

يبدو أنه تشبيه مناسب لما فعله الموسم الثاني من ” آفتر لايف” على نتفلكس. واجهت صعوبة ما في بدايته، ولكن قلبي مال واستمال مع الحلقات المتتالية.

هذه ليست تدوينة عن المسلسل. إنما عن موقفٍ ما من الحياة يروق لي كثيراً، وبتّ أستكشفه السنوات الماضية، وآمل أن تكون لدي السعة لأن أتبنّاه بكلّي. بلا ابتلاء ولا غمّ.

أن تتعامل مع الصعوبات الحياتية في السياق الأكبر. والسياق الأكبر لا يسمح للصعوبات أن تعرّفه، بل هو دائماً متسق مع أن الطيبة موجودة، وغالبة، وتنتظر منّا اكتشافها لتنير أركان الحياة الأخرى.

ولا أعرف مرجعاً فكرياً يمكن أن تستند عليه هذه الفكرة/ الموقف سوى الإيمان بالله. لا أستطيع أن أجد لها معنىً بمعزل عن الاستسلام الكامل لقضاء الله، ولعنايته. ولكل الأفكار الفرعية التي تدور في هذا الفلك. أحياناً أفكر، هذه الفكرة جديرة بالتبنّي للكل، لمن اهتدى ولمن لم يهتدِّ بعد. ولكني حقاً لا أستطيع أن أفهمها بدون علاقتها بـ أننا في النهاية أتينا إلى هذه الدنيا تحكمنا قوانين فيزيائية كونيّة إلهيّة، نفهم بعضها ونعجز عن فهم البعض الآخر، ولكنها في النهاية تعدنا بأن أمر المؤمن كله خير، وأن الحياة الدنيا التي نودّ أن تكون طيّبة وأن نكون من ضنائن خلق الله عليه، فيحيينا في عافية ويميتنا في عافية، هي جزء زمني محدود على خط لا ينقطع من حياة أصلية للروح.

لطالما مّلتُ إلى رؤية الجانب المشرق من الأمور. ولكني لم أعدّ أعرف موقفي على أنه تفاؤل بحت، وإن كنت لازلت أراه نقطة انطلاق قادت إلى ما أنا عليه الآن. ما أتحدّث عنه هو أن نكون بصفّ رؤية كبرى للأمور، فيها الحق ينتصر سواءً لحقنا على انتصاره أو فاتتنا اللحظة، والحزن ينجبر، والحياة تداوي وتهادي بنعم وألطاف من الله. وبمجرد أن نختار هذه الرؤية، تتحوّل إلى مانفستيشن/ تجلّي يقود الأمور إلى الضفّة الخضراء. فتظل في دائرة مستمرة لا تعرف أوّلها من آخرها، وكأنك في لعبة دولاب الملاهي.

ولأني لازلت أطوّر فهمي لهذا الموقف، أدبيّاته وأصوله وقواعده، أجدني أبحث عن ملامحه لدى آخرين، أستقي منهم ما وصلوا إليه وأضيف أفهامهم على فهمي. المشكلة أن الصوت الغالب على الأعمال الأدبية و الفنّية هو صوت البكائيات، الدراما المنفعلة التي تصل بالمشاعر إلى آخر حدودها.. وإن فكّرت فيها ستجدها فكرة منطقية تجارياً وفنّياً. اسمها أصلاً ” دراما”. ولكنّي أحنّ وأحتاج إلى أعمال درامية تتعامل بذكاء مع هذه الدراما بدلاً من الطريق الأسهل في جرّ المشاهد/ القارئ إلى ذروات متطرّفة من الحزن، اليأس، الغرام، الأمل.

من حظّي أني تعرّفت في السنوات الأخيرة على أعمال ليان موريارتي. تتعامل مع مسائل صعبة وحقيقية بأنامل ممرضة متمرّسة. تداوي وتطيّب، تعرف عمق الجرح وتحيط بالمآسي التي تتعامل معها، لكن الشفاء لا يغيب عن نظرها للحظة. وقبلها روايات صوفي كينسلا، على خفتها الريشية أو غالباً بسببها، ساعدتني على التعامل مع قرارات صعبة في حياتي لم أستطع معالجتها بالاعتماد على كتب جادّة ناصحة ومفترض أن تكون فعّالة.. ولهذا سأظل ممتنة لكينسلا العمر كله.

وطبعاً، قبل هذه وتلك، كانت الأعمال الكاملة لايليا أبي ماضي. أتذكر أنني كلما احترت حيرة المراهقة الوجودية أيام المرحلة المتوسطة والثانوية، فتحت المجلّد العملاق عشوائياً، وقرأت القصيدة أياً كانت، وأخذت من حكمتها المتفائلة جواباً أعوجاً وطيّباً وقريباً من القلب والعقل على ما يحيرني من حياتي.

وإن أزحت كل الطبقات التي تحيط بكتابتي في هذه المدونة، سأجد أن رغبتي في الإضافة، في المساهمة، لهذه النظرة التي لا يُسمع صوتها بشكلٍ كافٍ في هذا العالم، هي الأساس.


العنوان مُقتبس من قصيدة المساء لايليا أبي ماضي والرسمة للأسف أحتفظ بها دون مرجع.

في العاصفة

أثناء دراستي في الجامعة حضرت دورة للاستعداد لاختبار الجي- مات. وكانت من ضمن الحضور سيّدة تكبرني بعدّة سنوات، في منتصف عشريناتها ربما. كل يوم من أيام الدورة تأتي بعباءة أكثر أناقة مما قبلها.

ألوان، وأقمشة، وغَزْل. التوازن الكامل بين الأناقة والعملية. ولا نقطة مبالغة. ولكن ولا نقطة أقل كذلك.

في آخر الأيام كنّا في المُصلّى عندما سألتها زميلة أخرى عن عباياتها. كنت واقعة في الحب من بعيد لبعيد، ولم أكن أظن أن الكل مثلي. المهم أنها أجابت ببساطة أنها تصممها بنفسها.

” حياتي كلها روتين، بين شغلي في اكس وبين بنتي. العبايات تدخّل ألوان لحياتي”.

في أبريل الماضي، ٢٠١٩، كنتُ أعاني من الدهشة.

دهشة مستمرة، وفيها تأهّب لإعادة تصنيف الأشياء، بدون أن يصل هذا التصنيف الجديد وأرتاح. لأول مرة أختبر كيف يمكن ألّا تكون الدهشة- الشعور الطازج المرح المفرح المنعش المنعنع- كيف يمكنها ألّا تكون بنّاءة.

وكأن الأطباق بدأت فجأة تطير من على الطاولة. والكراسي تتنحّى جانباً بدون أن يسحبها أحد. الستائر ترقص لرياح ذات صوت.

كل مرة تحصل أشياء لا تنتمي للعالم الذي تعوّدت عليه. وكل مرة أقابلها بنفس الدهشة. الدهشة التي- ويا للدهشة- ليست بنّاءةً أبداً. تستهلكني. عقلاً وانفعالاً ووقتاً. متى سيذهب شعور الاستغراب المتعب، متى سأستسلم أن هذا واقعٌ جديد وأحداث تتحرك على عجل؟ متى سيصبح المُستحدّث معتاداً؟ وهل علي أن أتوقّف وأجبر نفسي على الاعتياد؟

وبدون أي تفكير مسبق، في مقابل كل الأشياء الجديدة التي كنت أقابلها في حياتي، تكوّنت لدي عادات روتينية تشبّثت بها لشهور، وأكاد أجزم أنها أنقذتني.

أستيقظ أبكر مما هو معتاد، مع أنني بالأصل كائن صباحي. وبدلاً ما أنخرط في أعمال الاستعداد لليوم، شعري واستحمامي وترتيبات الصباح، ألجأ لمكاني المفضّل. أجلس فيه دقائق طويلة، لا أطالب نفسي بأي شيء، ولا أفكر في قائمة الأعمال الطويلة التي تنتظرني.

بعدها آتي بفنجان قهوة، أشربه على الريق ( أعرف! نتائج شبه كارثية لجهازي الهضمي). وأقرأ في رواية لنورا روبرتس بعنوان ” تربيوت”.. لم أقرأها سوى مرة واحدة قبل سنوات طويلة، وباتت تذكرني بوقتٍ هنيء عشته أثناء قراءتي. أقرأ أربع أو خمس صفحات منها.. وأنا بالعادة قارئة سريعة، أنهي ربع الرواية في جلسة واحدة. لكني في ذلك الوقت، أيضاً بدون تخطيط، كنت أحرص على أن يطول زمن الرواية معي قدر ما أستطيع.

بعدها أقوم لأمارس نشاطاتي المعتادة، وأدخل في ” الحوارات” المحمومة التي يعد بها اليوم. مع العمل، الأسرة، العالم الخارجي.

قضيت شهوراً لا بأس بها في هذا الروتين. وبات كأنه الجسر الذي استطاع أن يحمل مرحلتي الانتقالية بأمان. إلى أن عادت دهشتي إلى طبيعتها. وحلاوتها.

هذه الأيام أنا لست مندهشة. ولا حتى أقترب من المشاعر الفوضوية التي اختبرتها في أبريل الماضي. لكني أدرك وأرى أن للوقت أحكامه على آخرين، قريبين منّي وبعيدين. والنصيحة القيّمة التي أستطيع منحها لهم بعد عاصفتي تلك هي: جدّ لنفسك روتيناً. وتشبّث به. ستجده الجزيرة التي تسمح لك بالثبات، إلى حدٍ ما، في هذه العاصفة. أياً كانت.

إن كانت معادلة تلك السيدة- الأسطورة، والتي لازلت أحفظ اسمها الكامل، أن تدخل فوضى الألوان على حياة ملتزمة بالروتين الصارم، أدخل بعضاً من صرامة الروتين على أيام تتسم بالفوضى الكاملة، أو تكاد.