ماذا نقول للأيام التي تأبى الانتعاش؟

لا بأس ولا باس. الانتعاش ليست الصفة الوحيدة التي تسمح لليوم بأن يكون طيّباً. هناك صفات أخرى، نقبلها ونحبها ونرحّب بها.

هذا اليوم للمسؤولية.

هذا اليوم للراحة.

هذا اليوم للودّ والأحضان الدافئة المبللة بالدموع.

غداً ننتعش. واليوم يأتي بما يريده من الخير.

الامتداد بديلاً

‏هناك مشروع عملت عليه منذ أكثر من عشر سنوات. وصلت فيه لطريق مسدود في مرحلة ما، ووجدت أن من الأطيب أن أتركه بلا رجعة. وهكذا فعلت.

‏منذ شهور قليلة بدأت أشعر بخسارته. لم أندم على قراري، بل أعزو رضاي عن حياتي اليوم إلى ذلك القرار الذي اتخذته وقتها بفضل من الله. لكني أشعر الآن بالحنين إلى المشروع نفسه. إلى أهدافه، إلى منتجاته، إلى الحالة العقلية المثمرة التي آتي بها إليه، ويأتي بها إلي. وأحياناً أتساءل، إن قررت العودة إليه، وباب العودة مفتوح، ما الجمال الذي يمكن أن أقدمه إليه، بكل ما أعرفه اليوم، ولم أكن أعرفه قبل عشر سنوات.

لكن العودة تعني التنازل عن كثير مما أعمل عليه، ولأجله اليوم. ولذلك هي في الحقيقة غير مطروحة للنقاش. لكن الفكرة نفسها، يبدو لي، توفّر نوعاً من السلوان لشعوري بالفقد.

بالأمس قضيت ليلة يغزلها الشجن. اليوم استيقظت بدون شجن، وعلى أمل. وبينما أمارس روتينات الصباح، كنت أفكر بمسألة ما نتداولها أنا والصديقة ذات العيون اللوزية. فجأة غمر روحي إحساس بالطمأنينة وتطييب الخاطر. راجعت نفسي، من أين هلّ علي الندى.. ووجدت أنني سقيت المسألة الجديدة بحنيني إلى المشروع القديم، فطاب إحساس الخسارة، وارتوت التربة التي لم تمتلئ بالخضرة بعد.

أن أوظّف مشاعري للماضي لأبني جمالاً في المستقبل. هذه فكرة لم تخطر ببالي من قبل.

لا أسعى للتعويض عن الخسارة، بل أمتد من خسارتي لغناي، فلا تعود الخسارة، كقصّة، هي الختام..

بين الجبل والوادي

يزورني الشجن. بلا دعوة ولا ترحيب. ربما باستسلام ناضج لا يرغب في المقاومة. تريد زيارتي الليلة؟ أهلاً وسهلاً. تفضّل بجانبي هنا. شاي؟ قهوة؟

الدور على كارول سماحة في القائمة الموسيقية. تقول أنهم لم يعودوا “ يتحملوا بعض“. للأسف.

لم أتعثّر في الخطوات. قمت بما هو عليّ وما قصّرت. فإن أراد الزائر أن يهبط بكنفه على ليلتي، لا مانع لدي. قد تكون الروح قد قست وتحتاج لرقة، وللمطر يطرق النافذة.

لدي رواية أحبها. كورميرون سترايك وروبين آلكوت يلتقون للمرة الأولى. أعرف أنني إن توقفت عن الحديث، سأجد بين صفحاتها ملاذاً دافئاً.. لكنّي لا أريد. ليس بعد.

أفكر في أطياف من حياة سابقة. ملامح أعرف أنها لم تكن لتظهر إن لم تكن سيرتي استُدعيتْ بطريقة أو بأخرى. ولكني لا أود أن أطيل الوقوف، وبالتأكيد لا أرغب الاستجابة للنداء البعيد. أفضّل أن ” أتدفق من ذاتي إلى الأمام“. العجيب- ما يدفعني إلى الابتسام- أن زائر الليلة، الشجن، يؤكد لي أن أطياف حياة قادمة لا أعرفها ولا أعرفهم بعد، ينتظرون قدومي إلى هذا الأمام.

تمام. آتي. ولكن على مهل. أتهادى.

بين الجبل والوادي

يزورني الشجن. بلا دعوة ولا ترحيب. ربما باستسلام ناضج لا يرغب في المقاومة. تريد زيارتي الليلة؟ أهلاً وسهلاً. تفضّل بجانبي هنا. شاي؟ قهوة؟

الدور على كارول سماحة في القائمة الموسيقية. تقول أنهم لم يعودوا “ يتحملوا بعض“. للأسف.

لم أتعثّر في الخطوات. قمت بما هو عليّ وما قصّرت. فإن أراد الزائر أن يهبط بكنفه على ليلتي، لا مانع لدي. قد تكون الروح قد قست وتحتاج لرقة، وللمطر يطرق النافذة.

لدي رواية أحبها. كومرون سترايك وروبين آلكوت يلتقون للمرة الأولى. أعرف أنني إن توقفت عن الحديث، سأجد بين صفحاتها ملاذاً دافئاً.. لكنّي لا أريد. ليس بعد.

أفكر في أطياف من حياة سابقة. ملامح أعرف أنها لم تكن لتظهر إن لم تكن سيرتي استُدعيتْ بطريقة أو بأخرى. ولكني لا أود أن أطيل الوقوف، وبالتأكيد لا أرغب الاستجابة للنداء البعيد. أفضّل أن ” أتدفق من ذاتي إلى الأمام“. العجيب- ما يدفعني إلى الابتسام- أن زائر الليلة، الشجن، يؤكد لي أن أطياف حياة قادمة لا أعرفها ولا أعرفهم بعد، ينتظرون قدومي إلى هذا الأمام.

تمام. آتي. ولكن على مهل. أتهادى.

لأن الفراغ اشتهى الامتلاء..

مافي شيء اسمه ” مافي أحد ياخذ مكان أحد”.

بالعكس. المزاحمة على العقار في حياتنا محمومة. أن تخرج اليوم مع فلان يعني أنك لن تقضي الساعات نفسها مع فلان آخر. أن ترفع الجوال وتشكي همّك لفلان يعني أنك لم تختر أن ترفعه لتشكي الهم للثاني. أن تسمح لأحدهم بأن يتسلّق ويعوشب على يومك يعني أن تسمح له بأن يخنق مصادر الهواء والماء من غالٍ وقريب ليس لديه القدرة، ولا الرغبة، أن ينافس هذه المنافسة التي لا تعرف المساحات الشخصية ولا حسابات التوازن.

والأيام تصير أسابيع، والشهور تصير سنوات. والسنوات عمر.

في النهاية يتقلص دور من تحبّه ويحبّك، من اختارك ومن تظن أنك اخترته، مقابل المساحات اليومية الشاسعة التي يقضيها الآخر معك. مقابل الاختيارات اللحظية الدائمة التي يشاركك في اتخاذها، والتي يعيشها معك. بينما- غالباً بدون قصد- تترك العزيز الغالي في المنفى، يعيش حياته طيّبة، مع ناس طيبين آخرين، لكنه فيما يتعلّق بك يجرّب صقيع الإقصاء والاحساس المتسلل، الذي يفضّل عدم الاعتراف به، بالهجر.


عنوان التدوينة من بيت للبردوني رحمه الله. ” لأن الفراغ اشتهى الامتلاء بشيءٍ، فجاء سوى المرتقب”.

 

 

نهار خميس

أخذت إجازة من العمل لهذا النهار. الأسبوعين الماضيين كثرت إجازاتي، ولكن كثرتها تعادل أياماً سابقة، مايو ويونيو، كنت أعمل فيها بما يتجاوز معدلي العادي. يعني لازلت للآن سابقة للجدول، وإن كنت أبدأ قريباً مشروع جديد يحتاج إلى تحضير، وأنا لم أحضّر نفسي بعد.

كنت أتحدث مع صديقة العمر، وقلت لها أنني طيلة الصباح أفكر فيها، أريد أن أحكي لها ضيق ما مررت به، لكني كرهت أن تنفجر في وجهها قنبلة ” السمّية” التي أشعر بها. قلت أنتظر حتى صفت الأمور بعض الشيء.

عملت أشياء روتينية لا تحتاج لتفكير، استمعت لقائمة موسيقية أحبها.. ولمّا راق مزاجي وكدت أتصل، سبقتني هي بالاتصال.

أحب فكرة الاعتماد العاطفي، الفضفضة، للأحبّة ممن يسمعون ويحنون ويغضبون لأجلي. ربما هي من أغلى النعم التي رُزقت بها. لكني أيضاً أحب فكرة أن ” أهذّب” مشاعري قبل أن أنقلها للآخرين. أن أتفاهم مع صعوباتها وأُنقّيها من الشاذ أو المتطرف. هناك فرق بين طلب المساعدة، وبين أن أجرّ اليد التي تمتد لي معي في الهوّة الظلماء العميقة التي يختلط بها الحابل بالنابل. ما أحب اختلاط الحابل بالنابل. نخلّي الحابل لوحده، والنابل لوحده.

تحدثت عن الأمر الذي أزعجني. ردت علي برحابة صدرها المعتادة، يخليها ليّ، وزادت الحلا حلاة لما رددت عبارات ليست من مفرداتها المعتادة، لكنها عرفت أنها ستطيّب خاطري أكثر وأكثر. تحبّني كما تعرف أن تحب، وتحبّني كما تعرف أنني أحب أن أُحبّ.

بعدها تحدثنا عن أشياء أخرى يومية. وبسهولة نهرية، راح الكلام على أكبر مخاوفي للسنوات الثلاثة الماضية. شيء لم أفكر يوماً أن أحدث أحداً عنه. قلت لها أنني أخشى كذا. وكأنني أحكي لها أنني لم أنم البارحة جيداً. قالت بنفس السهولة الهادئة: والله؟ كيف كذا كذا؟ قلت كذا. قالت لا تشيلي همه، أنا وراك وأشيله لك.

وبهذه البساطة. ما صرت شايله همه كما كنت ” أشيل” همه.

أنهينا المكالمة، وبعدها ظللت للحظات أتساءل إن كان ما قلته لها قد قلته فعلاً. وبهذه السهولة؟

ارتديت فستاني الجديد، وإن كنت قد ارتديته بالأمس أيضاً. شعرت برغبة أن ” أعيش” فيه اليوم أيضاً. فطرت فطوراً معتبراً وغير معتاد. شربت قهوة طيّبة. واستعاد النهار إشراقته.

شارع الخائفين

الباب مسدود بعناية. مسدود بحرص. مسدود بعناد. مسدود بحكمة وذكاء وعن نيّة متجددة لا تسمح بالتهاون أو التسويّات.

ثم. لأيام قليلة خلال السنة، أجد أن الجدار بأكمله، وليس فقط الباب الذي ينتمي إليه، وقد اختفى تماماً. وبتّ على بساط الريح. أسمح لها، للريح التي اخترعت الباب المسدود لأجلها، بأن تهبّ عليّ بكامل قوّتها. بعتوّها وقدرتها على الوصول إلى عظامي. ورغم البرد الذي تهددني به طيلة أيام السنة، وبرغم الجو الماطر والإعصار، أستقبلها بالدفا وكل الودّ.

هل جرّبت أن تعرف حقيقةً ما عن نفسك، فتدفعك معرفتك هذه لأن تمضي، وتتطرف، حتى تصل إلى القطب المعاكس لها؟

في طفولتي المبكّرة شاهدت مسلسلاً مع أكبر خواتي. متأكدة أنا أن اسمه ” شارع الخائفين”، ولكن بحثي على الإنترنت يقول لي أن المسلسل، من تأليف ممدوح عدوان، اسمه ” ليل الخائفين”. أفضّل التسمية التي، ربما ربما، اخترعها خيالي. المسلسل يحكي عن رجل تطارده عفاريته، اكتشف مسودّة لرواية لم تُنشر بعد، وهاجر صاحبها خارج البلاد. قرر أن ينشرها باسمه. ولمّا نشرها، كسّرت الدنيا. تخيّل بسّام كوسا، بكل عبقريته، يؤدي دور الرجل الناقص الذي يدّعي كمالاً ما، ثم يصدّقه العالم، ولا يصدّق هو نفسه.

يعود الكاتب الأصلي للبلاد. ويعرف بما فعله الدّجّال. ولا يكترث.

كيف لا يكترث؟

لأنه رمى حياته السابقة، حقيقته السابقة، وراء ظهره. ثم لم يكتفِ بذلك، بل راح إلى آخر الطريق. لست أذكر أحداث المسلسل فيما هو أبعد من ذلك، لكني أتذكر أمرين.

أوّلهما أن المسلسل صوّر العائد إلى البلد وكأنه دخل في اتفاقية ما مع الشيطان. رجل الأعمال الناجح الذي اختار رفقة المال على نبل الأدب.

وثانيهما، أن ارتياح العائد، وفي مشهد علق بذاكرتي: ضحكاته اللامبالية، كان فتحاً فكرياً بالنسبة لي. يمكنك، أيتها الفتاة الصغيرة، أن تختاري أي الحقائق تعيشين. يمكنك أن تذهبي إلى أقصى الأطراف، ولا تكترثين.

نجد ملاذنا في قصص الآخرين. وجدت ملاذي في تلك الشخصية التي استطاعت ألّا تبالي. ليس ادعاءً، ولا هروباً، وبالتأكيد ليس خوفاً. هو اختيار مستقل ومتسق مع معانيها المهمة. هذه فكرة أحبها، ولايزال وجودها وتحققها يشعرني بالأمان.. ويسمح للريح بأن تزورني إن أردت، فلا تزيدني إلا ثباتاً.

سماء رمادية

كنت في المطبخ ذات يوم ولمحت والدتي مارة في الردهة القريبة بطرف عيني، بينما ماجدة الرومي تغني آهاتها الأوبرالية في منتصف ” مع جريدة“. قلت لها: تعرفين هالآهات كلها على إيه؟ توقفت وقالت باسمة: على إيه؟ قلت: لأنه أخرج من معطفه جريدة، وما انتبه عليها وهي على طاولة مجاورة. وضحكنا سوية.

سمعت في النهار خبراً أقلقني، أحزنني، وأربكني. بالترتيب. وقضيت باقي اليوم أحاول أستجمع اطمئناني الذي كاد أن يذهب مني شعاعاً. تحدثت معي أختي الكبرى هاتفياً. وسمعت في صوتها الرفق الصبور الذي يفضّل أن ينتظرني كي أبدأ الحديث عما يزعجني، عن الاختلاف الطفيف الذي تسمعه في صوتي. حاولت أن أطمئنها علي بأن أتحدث عن مواضيع مختلفة. أن أبثّ في صوتي خفةً مبتهجة ما أدري من أين أتيت بها، ولكني متأكدة الآن أنها لم تنطلِ عليها.

أنهيت المكالمة. اكتشفت صينية حلا أرسلتها قريبتي بالأمس. أتيت بالصينية بأكملها إلى الطاولة، على أساس أن السكر سيقدم لي دعماً ما. أكلت ملعقتين بالكاد، وأعدت الصينية إلى الثلاجة.

عملت قليلاً على شيء يُفترض أن أقدّمه مبكراً في الأسبوع القادم وكنت قد قصّرت في العمل عليه الأسبوع الماضي. ثم اهتديت لمشاهدة مسلسل تركي ” التفاح الحرام” تتحدث عنه قريباتي بحماس، وأنا لست من متابعي الدراما التركية. لكن وقتها شعرت أنها- بخفّتها- قد تكون رفقةً طيبة. شاهدت الحلقة الأولى كاملة..

الآن أنا في ظلام دامس، قبل أن أغمر المكان به مررت بعيني على فستانين طلبتهما قبل أسابيع ووصلوا بالأمس. فكرت أن أرتدي أحدهما، الوردي المشجّر، اليوم. على سبيل المقاومة ورفع الروح المعنوية. لكني كرهت أن أحمّله هذا العبء العاطفي، وفضّلت أن أحتفظ بهما على الطاولة للتذكير بأن هناك أشياء جميلة تنتظر.

أكتب هذه التدوينة على ملاحظات الجوال، وأستمع لألبوم ” ابحث عني” لماجدة الذي قررت أن يكون الملاذ الآمن لمشاعري. اليوم انتهى. غداً يأتي بحكايا أطيب، وبنهار ممتد وبسماء زرقاء.

موسكو ١٨٩٦: عن الحياة والدين

عندما كنت في الثانية والعشرين من عمري التقيت في مناسبة اجتماعية بأحد معارفنا، وأخذنا الحديث عن اتجاهاتنا في الحياة.

في الثانية والعشرين كنت أنا أول من يعترف أن لا اتجاه لدي. لتتركني الدنيا في حالي، أنهي الجامعة المزعجة، وأعيش أياماً- أو شهوراً- في سكينة بدون أي ضغوطات.

المهم أن الحديث راح للأدب والفن. وفي تحويرة ما لا أتذكرها، قلت بأن الدين ينظم هذه الحياة أو شيء كهذا. فنظر إلى محدثي، وكان رجلاً في الستينيات من العمر، بخيبة أمل وعدم تصديق. وقال: وهل الدين بأهمية الشعر والفن للإنسانية؟

أتذكر أنني نظرت إليه حائرة لوهلة. عشت حياة محمية للغاية- الحمدلله عليها- وأقصى ما يمكن أن تفعله واحدة من صديقاتي أو عائلتي أن تسبح برداء السباحة في الشاليهات أو أن يكون لها أصدقاء عدة من الجنس الآخر. هذه قمة ” التمرّد” التي أعرفها، والتي يمكن أن أقف مشدوهة أمامها في صغري. أما أن تشكك في أن الدين يمكن أن يساويه، بل ويتفوق على أهميته، شيء آخر؟

١- بم يمكن أن أجيبك؟

٢- هل ربما علي أن أفكر في شرعية سؤالك بطريقة محايدة؟

لم أرد عليه. وظللت لفترة طويلة أفكر في إجابتي الشخصية، أنا فاطمة، على السؤال. ليس جواب أبي الحاد. ولا جواب أمي المستنكف، ولا جواب خواتي ولا صديقاتي ولا معلماتي. أنا أنا.

الجزء الأول من الإجابة، الـ ” لا”.. هذه سهلة. أساساً لم أكن يوماً ممن يعيشون للفن والأدب. صحيح، تبهجني الأغنية، وأتحرّك بكلّي مع رواية جيّدة. لكن لا أعيش على هذه العوالم. فيبدو أن أقارن أشياء ” ترفيهية” بشيء أساسي كمصيرنا على هذه الأرض تصرفاً تافهاً لا يمكنني ابتلاعه. المشكلة كانت في الجزء الثاني من الإجابة. لم؟ لم كان الدين يتفوق على الفن والأدب؟ إجابة الآية الكريمة ” وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون” كانت حاضرة لدي. ولكن من ناحية الشخص الذي يحدثني لا يعترف بمرجعية الأديان، يبدو ذلك، ومن ناحية ثانية، أنا نفسي لم أكن أستوعب الآية فعلاً. بل حضورها كان نتيجةً طبيعية للتربية الدينية التي تلقّيتها من الصغر.. دون أن يكون لدي مساحة لأن أختارها بنفسي.

لسنوات طويلة لم أته عن ديني ولله الحمد، ولكنه لم يكن المرجعية الوحيدة التي أرى فيها العالم، كما يختار والدي العزيز أن يفعل، وكما تربيت أن أفعل.

السنوات الأخيرة أجد نفسي وقد عدت، اختياراً تاماً، إلى يكون الإسلام هو مرجعيتي الأساسية، ونادراً ما أرغب في أن أحيد عن هذه المرجعية، كما كنت أفعل كثيراً في أوقات سابقة، لأجرب أن أضع نفسي في المرجعيات التي يعتمد عليها الطرف الآخر. مثلاً كنت عندما أتحدث مع مسيحي، أفهم رؤيته للأمور وأجدها منطقية لأني أحتكم إلى مرجعيته. بطّلت، في غالب الأمر، أن أُغيّب مرتكزاتي لأسمح بفهم الآخر.

ربما في الأمر ضيق أفق. وبالتأكيد لا يجوز أن أفعل ذلك إن كنت في مكان بأهمية التحاور مع الطرف الآخر أياً كان. لكني كفاطمة أميل الآن إلى أحادية رؤيتي، وسط التمييع الذي تتعرض له هويّتي الدينية من الآخر.

أتابع باهتمام محاضرات الشيخ حمزة يوسف. خطابه الديني يناسبني لأسباب ثلاثة. أولها كونه آتٍ من ثقافة مدنية تستخدم أدوات التفكير ذاتها التي أستخدمها في حياتي.

ثانيها تعوّده على إجابة أسئلة مصيرية تطرحها هذه الثقافة المدنية بشكل حاسم ومقنع. لازلت أتذكر جيداً كيف حسم لي التساؤل الذي تطرحه الأفلام مثلاً عن ” لم يفعل ذلك الرب”، تعالى الله عن السؤال. قال، عرضاً، بأن القاعدة هي ألا يُسئل ربّنا عما يفعل، وهم يُسئلون.

ثالثها كون الإنجليزية لغته الأولى، ففهمه للعربية منعش وطازج ويعيد طرح الأسئلة على معانٍ لطالما اعتبرناها منتهية لغوياً لتعوّدنا عليها. مثلاً العبارة الواردة في الحديث الشريف ” يُعزف على رؤوسهم بالمعازف” لطالما تعاملت معها على أنها في ذمّ الموسيقى، دون مراجعة لمعناها اللغوي. بينما يفسّرها الشيخ حمزة بحرفيتها، سمّاعات الرأس، سبحان الله. عندما تفكر بلغتك الأصلية، مهما بلغ ارتياحك للغتك الثانية، تترجم الكلمات حرفياً ولا تتعامل معها على أنها تشبيه لا يحتاج لتفسير.

هذا عن الشيخ حمزة يوسف بشكل عام. بشكل خاص، أهتم كثيراً بما يقوله عن أن الشعوب الغربية، أمريكا وأوروبا، هي شعوب متدينة حتى القرن العشرين. وأن التديّن أخذ المقعد الخلفي وتراجع بسبب أهوال الحربين العالمية الأولى والثانية. لم أجد له حتى الآن محاضرةً يُسهب فيها عن هذا الأمر، لكنني دائماً أشعر بوجل عندما أفكر كيف يمكن للإنسان التخلّي عن دينه. مركزه. والهدف الأساسي- نعم، مقتنعة تماماً ولله الحمد بما أقول- لوجوده. كيف يمكن أن يضيع أمانٌ غالٍ لهذه الدرجة من بين يديه. كيف يمكن لحضارة أن تُحرم من أن تجد شفاءها في رحاب الدين.

الثانية ٢٢- ٢٣

قبل أسابيع مر علي فيديو لشارع من شوارع موسكو في العام ١٨٩٦ بعد تلوينه. في واحدة من اللقطات، يعبر أحدهم الشارع، وقبل عبوره بثانية، يرسم علامة الصليب على صدره، والحافظ الله، كما يقول أحدنا قبل أن يعبر الشارع بسم الله الرحمن الرحيم.

توقفت مع هذه اللقطة كثيراً. بعدها بعشرين سنة، تقوم الثورة البلشفية على القيصر الروسي، ويتولى الشيوعيون الحُمر الحكم، وتتعرض الحياة الدينية الروسية للإقصاء الجبري، ثقافياً واجتماعياً وسياسياً. ونعرف الروس بالملاحدة.. وتضيع الإشارة الدينية تحت الأقدام.

إن عادت بي السنوات، ولا أريد لها أن تعود، لتلك المناسبة ولذلك الشخص، وطرح على السؤال نفسه: أتظنين أن الدين بأهمّية الفن والأدب للإنسانية؟ فسأرد عليه، وبأقصى نبرة شوارعية أستطيع أن أصل بصوتي إليها: ايش رايك؟

اللهم ثبّت قلوبنا على دينك.

أفكار عابرة

الأحد:

مولسكين أسود. ملمس غلافه لا يندرج تحت أي إحساس معروف مسبقاً، لكنه يعطي إحساساً بالأمان. وبأن الأمور تحت السيطرة

الاثنين:

الغيوم في السماء. مرة أخرى.

الليل دامس. ولا صوت حولك.

الثلاثاء:

منذ أن بلغت الثلاثين، وشقاوتها تتحول رويداً رويدا إلى طيبة قطن وردي كغزل البنات، كندف ثلج بيضاء، كنتف من غيم في سماء صافية زرقاء.

الأربعاء:

أحاول استعادة الفكرة الضبابية الشفافة التي كانت تلوح أمامي كسراب، عن علاقة الاجتماع ومشاعري ناحيته بفكرة المقاومة. حقيبتي خالية.

الخميس:

مساء خير. والكثير من الطمأنينة.

عيش ولبنة أولكر، واثنين زبادي.

الجمعة:

سلامة كل سنابل القمح في جسدك، ولعل النسيم الطيّب يمر عليه مرة بعد مرة، تميل له، ويميل عليها.

السبت:

عندي حنّيّة. وتستنّاكِ.