فمٌ عابس. عينان مبتسمتان.

‏ظروف حياتي تدفعني للتعامل مع مسألة الحدود في العلاقات بشكل جدّي، فلسفي وعملي في نفس الوقت. وإن أردت أن أكون دقيقة أكثر، ليست الظروف فقط، طبعي الشخصي كذلك.

‏من المبادئ التي أستكشفها هذه الأيام هي الحدود التي أنصبها بنفسي على نفسي. بمعنى أنني لسنوات كنت أختبر فكرة الحدود مع آخرين، وكيف يمكن لهذه الحدود أن تؤدّي لحياة هانئة وطيّبة وذات معنى، حتى وإن كانت بادي الرأي متعنّتة و” محبّكتها”. لكن ماذا عن الحدود التي نحتاج لوضعها لحماية حدود الآخرين منك؟ خصوصاً لو كنت في نظر نفسك شخص طبعه غير متعدِّ. هذه الصورة قد تدفعني للتعدّي بدون أن أمحّص تصرفاتي، لأني مطمئنة أنني لا أتعدّى.

‏العناية بآخرين، مثلاً، تبدو فكرة جيدة دائماً. ولكن إن لم تكن مستعداً لتقديم نفس العناية أثناء انشغالك، ضيقك أو عند وجود أشياء ” أهم” فلربما عليك ألّا تقدّمها. الحدود في العطاء من قبلك فعل نبيل. ألّا تضع توقّعات عند الآخر، تثبتها أفعالك التي تشعرك بالرضا لفترة، ثم تغيّر ما عهده منك عندما يتوقف الدوبامين لأي سبب.

الكريم، يقولون، هو من كان الكرم سجيّته، وإن منع.

وزنيّة الودّ

عندي ضيوف أعزّاء، يأتون بعد ساعة.

لازلت في فستاني الصباحي. قطني مخطط بألوان ثمانيناتية. شعري ملبّد بكريم عناية قررت أن أضعه في النهار علّه يعطيني لمعاناً في الليل. وأريد أن أعدّ السلطة. وأن أنتقي صحون العشاء. غالباً زرقاء بنقوش مراكشية. لا. لم أبتعها، بل هي من جهاز والدتي والله أعلم، ولازالت محتفظة برونقها وكأنها لُفّت بالورق أمس.

وتسألني ماذا أفعل؟ وِل.. أكتب تدوينة بالطبع. وأستعد لصلاة المغرب. وفي أذني سماعة، كانت تحمل صوت عبدالله الرويشد، ” الغريب إنّي وأنا جنبك غريب”، وتوقّف احتراماً للأذان.

قررت اليوم أنني سأنشغل بالضيافة أكثر قليلاً مما هو معتاد. تسألني- مرة أخرى؟ مستمع جيّد وكريم- لم؟ لأنني اليوم صرفت طاقة اجتماعية أعلى بكثير مما أصرفه عادة في العمل. وأمس أيضاً، تحدثت ٥٠ دقيقة مع عميل عزيز، ولكن لأمر ما، لم تكن المحادثة موفّقة كفاية من ناحيتي، واستهلكت طاقتي.

القرار واحة وملاذ. غالباً معزّة الضيوف- أحبهم وأودّهم وأفرش لهم غرف القلب- ستجعلني أنسى تعبي، وأنهمك في الحديث والسماع والابتسام بل وأمد يدي لألمس كتف تلك وأحتضن هاذيك. لكن مجرد أن يكون لدي تخيّل معقول عن أمسية لا تتطلب مني الكثير من الشحن، يعطيني طاقة تسمح لي- مثلاً- بكتابة التدوينة. وببعض من البهجة المتّزنة.

الساعة تقترب من السابعة والنصف. سريعاً سريعاً أتوقف عن الكتابة. أنسخ الكلام، ألصقه على الوورد برس. أرسل تحيّاتي لقرّاء أعزّاء، وأذهب للصلاة.

اثنا عشر خريفاً

عندما انتقلت أسرتي إلى بيتنا الحالي، كانت هناك نخلة واحدة في حوض الزرع الداخلي المجاور للباب الرئيسي. وقرر والدي أن يأتي بخمس نخلات إضافية.

وقتها- قبل أكثر من خمسة عشر سنة- لم أولِ الأمر اهتماماً أبداً. هواية مسلّية لوالدي أصادفه منهمك في تفاصيلها مع الزرّاع المُستأجَرين عند خروجي ودخولي. كل مرة هناك مهمّة: تنظيف الأسعف. تشذيبها، الفعل الذي لا أعرف اسمه، والذي ينطوي على تفاصيل إثمارها.

قبل سنوات قليلة، ربما ٤ سنوات على ما أذكر، بدأت ألاحظ ثقة والدي المتزايدة في الترويج للخريف القادم من نخلنا. أصلاً قبل ذلك كنت أظن أن ثمرها غير صالح للأكل، لأنه لا يبدو لي كالخريف المعتاد.

في رمضان ماضي، بتّ أرى على السفرة ” الرُطب” بكميات أكبر مما تعودت عليه، ثم أرى حافظات بلاستيكية ممتلئة به طالعة نازلة من بيتنا. وبالصدفة عرفت أن الرطب من نتاج نخل البيت، ولكني أيضاً لم ألتفت أبداً لهذه المعرفة العابرة.

بعدها بوقت لا بأس به كنت أدردش مع قريبتي، ثم اكتشفت أنها لسنوات تستقبل صناديق التمر من بيتنا. ولما عدت للمنزل واستفهمت عن الحكاية، عرفت أن الصناديق تُرسل، بحمد من الله ومنّته، لأكثر من عشرين بيت من الأقارب والأصدقاء.

النخل الذي لم يكن يطرح، طرح. والنخلات الجديدة تطرح أيضاً. والطرح الذي لم يكن طيباً كثيراً، بات مع الرعاية المتراكمة من أطيب ما يكون. والـ” خِيل” الواحد، وهو العنقود الواحد من طرح النخلة صار كثيفاً وأغلبه بجودة ممتازة. وأن النخلات تقدم من ٤ لـ٦ خيلات (لا أظن أن الجمع صحيح لغةً أو اصطلاحاً). النخلات المعطاءة، بفضل الله، تطرح ١٣ خيلً في السنة.

يُقال لي أن أهل بيتي، حفظهم الله، يعدّون كيك التمر من تمر البيت. وأنهم يرسلوه لأعزّاء، منهم قريبتي التي تجاوزت المئة ولازالت حفظها الله محتفظة بذاكرتها، تتصل في كل مرة تسهب في الشكر والثناء على محصول التمر، ولكنها تحب كعكه أكثر.

خالد الشيخ يغنّي ” أنت البعيد أنت. وأنت القريب أنت”. وأنا أكتب عن النخل، والسماء، واليدّ الهادئة الصبور التي ترى معاني الربيع في الخريف، وفي الصيف، وفي الشتاء.

ماذا نقول للأيام التي تأبى الانتعاش؟

لا بأس ولا باس. الانتعاش ليست الصفة الوحيدة التي تسمح لليوم بأن يكون طيّباً. هناك صفات أخرى، نقبلها ونحبها ونرحّب بها.

هذا اليوم للمسؤولية.

هذا اليوم للراحة.

هذا اليوم للودّ والأحضان الدافئة المبللة بالدموع.

غداً ننتعش. واليوم يأتي بما يريده من الخير.

الامتداد بديلاً

‏هناك مشروع عملت عليه منذ أكثر من عشر سنوات. وصلت فيه لطريق مسدود في مرحلة ما، ووجدت أن من الأطيب أن أتركه بلا رجعة. وهكذا فعلت.

‏منذ شهور قليلة بدأت أشعر بخسارته. لم أندم على قراري، بل أعزو رضاي عن حياتي اليوم إلى ذلك القرار الذي اتخذته وقتها بفضل من الله. لكني أشعر الآن بالحنين إلى المشروع نفسه. إلى أهدافه، إلى منتجاته، إلى الحالة العقلية المثمرة التي آتي بها إليه، ويأتي بها إلي. وأحياناً أتساءل، إن قررت العودة إليه، وباب العودة مفتوح، ما الجمال الذي يمكن أن أقدمه إليه، بكل ما أعرفه اليوم، ولم أكن أعرفه قبل عشر سنوات.

لكن العودة تعني التنازل عن كثير مما أعمل عليه، ولأجله اليوم. ولذلك هي في الحقيقة غير مطروحة للنقاش. لكن الفكرة نفسها، يبدو لي، توفّر نوعاً من السلوان لشعوري بالفقد.

بالأمس قضيت ليلة يغزلها الشجن. اليوم استيقظت بدون شجن، وعلى أمل. وبينما أمارس روتينات الصباح، كنت أفكر بمسألة ما نتداولها أنا والصديقة ذات العيون اللوزية. فجأة غمر روحي إحساس بالطمأنينة وتطييب الخاطر. راجعت نفسي، من أين هلّ علي الندى.. ووجدت أنني سقيت المسألة الجديدة بحنيني إلى المشروع القديم، فطاب إحساس الخسارة، وارتوت التربة التي لم تمتلئ بالخضرة بعد.

أن أوظّف مشاعري للماضي لأبني جمالاً في المستقبل. هذه فكرة لم تخطر ببالي من قبل.

لا أسعى للتعويض عن الخسارة، بل أمتد من خسارتي لغناي، فلا تعود الخسارة، كقصّة، هي الختام..

بين الجبل والوادي

يزورني الشجن. بلا دعوة ولا ترحيب. ربما باستسلام ناضج لا يرغب في المقاومة. تريد زيارتي الليلة؟ أهلاً وسهلاً. تفضّل بجانبي هنا. شاي؟ قهوة؟

الدور على كارول سماحة في القائمة الموسيقية. تقول أنهم لم يعودوا “ يتحملوا بعض“. للأسف.

لم أتعثّر في الخطوات. قمت بما هو عليّ وما قصّرت. فإن أراد الزائر أن يهبط بكنفه على ليلتي، لا مانع لدي. قد تكون الروح قد قست وتحتاج لرقة، وللمطر يطرق النافذة.

لدي رواية أحبها. كومرون سترايك وروبين آلكوت يلتقون للمرة الأولى. أعرف أنني إن توقفت عن الحديث، سأجد بين صفحاتها ملاذاً دافئاً.. لكنّي لا أريد. ليس بعد.

أفكر في أطياف من حياة سابقة. ملامح أعرف أنها لم تكن لتظهر إن لم تكن سيرتي استُدعيتْ بطريقة أو بأخرى. ولكني لا أود أن أطيل الوقوف، وبالتأكيد لا أرغب الاستجابة للنداء البعيد. أفضّل أن ” أتدفق من ذاتي إلى الأمام“. العجيب- ما يدفعني إلى الابتسام- أن زائر الليلة، الشجن، يؤكد لي أن أطياف حياة قادمة لا أعرفها ولا أعرفهم بعد، ينتظرون قدومي إلى هذا الأمام.

تمام. آتي. ولكن على مهل. أتهادى.

بين الجبل والوادي

يزورني الشجن. بلا دعوة ولا ترحيب. ربما باستسلام ناضج لا يرغب في المقاومة. تريد زيارتي الليلة؟ أهلاً وسهلاً. تفضّل بجانبي هنا. شاي؟ قهوة؟

الدور على كارول سماحة في القائمة الموسيقية. تقول أنهم لم يعودوا “ يتحملوا بعض“. للأسف.

لم أتعثّر في الخطوات. قمت بما هو عليّ وما قصّرت. فإن أراد الزائر أن يهبط بكنفه على ليلتي، لا مانع لدي. قد تكون الروح قد قست وتحتاج لرقة، وللمطر يطرق النافذة.

لدي رواية أحبها. كورميرون سترايك وروبين آلكوت يلتقون للمرة الأولى. أعرف أنني إن توقفت عن الحديث، سأجد بين صفحاتها ملاذاً دافئاً.. لكنّي لا أريد. ليس بعد.

أفكر في أطياف من حياة سابقة. ملامح أعرف أنها لم تكن لتظهر إن لم تكن سيرتي استُدعيتْ بطريقة أو بأخرى. ولكني لا أود أن أطيل الوقوف، وبالتأكيد لا أرغب الاستجابة للنداء البعيد. أفضّل أن ” أتدفق من ذاتي إلى الأمام“. العجيب- ما يدفعني إلى الابتسام- أن زائر الليلة، الشجن، يؤكد لي أن أطياف حياة قادمة لا أعرفها ولا أعرفهم بعد، ينتظرون قدومي إلى هذا الأمام.

تمام. آتي. ولكن على مهل. أتهادى.

لأن الفراغ اشتهى الامتلاء..

مافي شيء اسمه ” مافي أحد ياخذ مكان أحد”.

بالعكس. المزاحمة على العقار في حياتنا محمومة. أن تخرج اليوم مع فلان يعني أنك لن تقضي الساعات نفسها مع فلان آخر. أن ترفع الجوال وتشكي همّك لفلان يعني أنك لم تختر أن ترفعه لتشكي الهم للثاني. أن تسمح لأحدهم بأن يتسلّق ويعوشب على يومك يعني أن تسمح له بأن يخنق مصادر الهواء والماء من غالٍ وقريب ليس لديه القدرة، ولا الرغبة، أن ينافس هذه المنافسة التي لا تعرف المساحات الشخصية ولا حسابات التوازن.

والأيام تصير أسابيع، والشهور تصير سنوات. والسنوات عمر.

في النهاية يتقلص دور من تحبّه ويحبّك، من اختارك ومن تظن أنك اخترته، مقابل المساحات اليومية الشاسعة التي يقضيها الآخر معك. مقابل الاختيارات اللحظية الدائمة التي يشاركك في اتخاذها، والتي يعيشها معك. بينما- غالباً بدون قصد- تترك العزيز الغالي في المنفى، يعيش حياته طيّبة، مع ناس طيبين آخرين، لكنه فيما يتعلّق بك يجرّب صقيع الإقصاء والاحساس المتسلل، الذي يفضّل عدم الاعتراف به، بالهجر.


عنوان التدوينة من بيت للبردوني رحمه الله. ” لأن الفراغ اشتهى الامتلاء بشيءٍ، فجاء سوى المرتقب”.

 

 

نهار خميس

أخذت إجازة من العمل لهذا النهار. الأسبوعين الماضيين كثرت إجازاتي، ولكن كثرتها تعادل أياماً سابقة، مايو ويونيو، كنت أعمل فيها بما يتجاوز معدلي العادي. يعني لازلت للآن سابقة للجدول، وإن كنت أبدأ قريباً مشروع جديد يحتاج إلى تحضير، وأنا لم أحضّر نفسي بعد.

كنت أتحدث مع صديقة العمر، وقلت لها أنني طيلة الصباح أفكر فيها، أريد أن أحكي لها ضيق ما مررت به، لكني كرهت أن تنفجر في وجهها قنبلة ” السمّية” التي أشعر بها. قلت أنتظر حتى صفت الأمور بعض الشيء.

عملت أشياء روتينية لا تحتاج لتفكير، استمعت لقائمة موسيقية أحبها.. ولمّا راق مزاجي وكدت أتصل، سبقتني هي بالاتصال.

أحب فكرة الاعتماد العاطفي، الفضفضة، للأحبّة ممن يسمعون ويحنون ويغضبون لأجلي. ربما هي من أغلى النعم التي رُزقت بها. لكني أيضاً أحب فكرة أن ” أهذّب” مشاعري قبل أن أنقلها للآخرين. أن أتفاهم مع صعوباتها وأُنقّيها من الشاذ أو المتطرف. هناك فرق بين طلب المساعدة، وبين أن أجرّ اليد التي تمتد لي معي في الهوّة الظلماء العميقة التي يختلط بها الحابل بالنابل. ما أحب اختلاط الحابل بالنابل. نخلّي الحابل لوحده، والنابل لوحده.

تحدثت عن الأمر الذي أزعجني. ردت علي برحابة صدرها المعتادة، يخليها ليّ، وزادت الحلا حلاة لما رددت عبارات ليست من مفرداتها المعتادة، لكنها عرفت أنها ستطيّب خاطري أكثر وأكثر. تحبّني كما تعرف أن تحب، وتحبّني كما تعرف أنني أحب أن أُحبّ.

بعدها تحدثنا عن أشياء أخرى يومية. وبسهولة نهرية، راح الكلام على أكبر مخاوفي للسنوات الثلاثة الماضية. شيء لم أفكر يوماً أن أحدث أحداً عنه. قلت لها أنني أخشى كذا. وكأنني أحكي لها أنني لم أنم البارحة جيداً. قالت بنفس السهولة الهادئة: والله؟ كيف كذا كذا؟ قلت كذا. قالت لا تشيلي همه، أنا وراك وأشيله لك.

وبهذه البساطة. ما صرت شايله همه كما كنت ” أشيل” همه.

أنهينا المكالمة، وبعدها ظللت للحظات أتساءل إن كان ما قلته لها قد قلته فعلاً. وبهذه السهولة؟

ارتديت فستاني الجديد، وإن كنت قد ارتديته بالأمس أيضاً. شعرت برغبة أن ” أعيش” فيه اليوم أيضاً. فطرت فطوراً معتبراً وغير معتاد. شربت قهوة طيّبة. واستعاد النهار إشراقته.

شارع الخائفين

الباب مسدود بعناية. مسدود بحرص. مسدود بعناد. مسدود بحكمة وذكاء وعن نيّة متجددة لا تسمح بالتهاون أو التسويّات.

ثم. لأيام قليلة خلال السنة، أجد أن الجدار بأكمله، وليس فقط الباب الذي ينتمي إليه، وقد اختفى تماماً. وبتّ على بساط الريح. أسمح لها، للريح التي اخترعت الباب المسدود لأجلها، بأن تهبّ عليّ بكامل قوّتها. بعتوّها وقدرتها على الوصول إلى عظامي. ورغم البرد الذي تهددني به طيلة أيام السنة، وبرغم الجو الماطر والإعصار، أستقبلها بالدفا وكل الودّ.

هل جرّبت أن تعرف حقيقةً ما عن نفسك، فتدفعك معرفتك هذه لأن تمضي، وتتطرف، حتى تصل إلى القطب المعاكس لها؟

في طفولتي المبكّرة شاهدت مسلسلاً مع أكبر خواتي. متأكدة أنا أن اسمه ” شارع الخائفين”، ولكن بحثي على الإنترنت يقول لي أن المسلسل، من تأليف ممدوح عدوان، اسمه ” ليل الخائفين”. أفضّل التسمية التي، ربما ربما، اخترعها خيالي. المسلسل يحكي عن رجل تطارده عفاريته، اكتشف مسودّة لرواية لم تُنشر بعد، وهاجر صاحبها خارج البلاد. قرر أن ينشرها باسمه. ولمّا نشرها، كسّرت الدنيا. تخيّل بسّام كوسا، بكل عبقريته، يؤدي دور الرجل الناقص الذي يدّعي كمالاً ما، ثم يصدّقه العالم، ولا يصدّق هو نفسه.

يعود الكاتب الأصلي للبلاد. ويعرف بما فعله الدّجّال. ولا يكترث.

كيف لا يكترث؟

لأنه رمى حياته السابقة، حقيقته السابقة، وراء ظهره. ثم لم يكتفِ بذلك، بل راح إلى آخر الطريق. لست أذكر أحداث المسلسل فيما هو أبعد من ذلك، لكني أتذكر أمرين.

أوّلهما أن المسلسل صوّر العائد إلى البلد وكأنه دخل في اتفاقية ما مع الشيطان. رجل الأعمال الناجح الذي اختار رفقة المال على نبل الأدب.

وثانيهما، أن ارتياح العائد، وفي مشهد علق بذاكرتي: ضحكاته اللامبالية، كان فتحاً فكرياً بالنسبة لي. يمكنك، أيتها الفتاة الصغيرة، أن تختاري أي الحقائق تعيشين. يمكنك أن تذهبي إلى أقصى الأطراف، ولا تكترثين.

نجد ملاذنا في قصص الآخرين. وجدت ملاذي في تلك الشخصية التي استطاعت ألّا تبالي. ليس ادعاءً، ولا هروباً، وبالتأكيد ليس خوفاً. هو اختيار مستقل ومتسق مع معانيها المهمة. هذه فكرة أحبها، ولايزال وجودها وتحققها يشعرني بالأمان.. ويسمح للريح بأن تزورني إن أردت، فلا تزيدني إلا ثباتاً.