لأن الفراغ اشتهى الامتلاء..

مافي شيء اسمه ” مافي أحد ياخذ مكان أحد”.

بالعكس. المزاحمة على العقار في حياتنا محمومة. أن تخرج اليوم مع فلان يعني أنك لن تقضي الساعات نفسها مع فلان آخر. أن ترفع الجوال وتشكي همّك لفلان يعني أنك لم تختر أن ترفعه لتشكي الهم للثاني. أن تسمح لأحدهم بأن يتسلّق ويعوشب على يومك يعني أن تسمح له بأن يخنق مصادر الهواء والماء من غالٍ وقريب ليس لديه القدرة، ولا الرغبة، أن ينافس هذه المنافسة التي لا تعرف المساحات الشخصية ولا حسابات التوازن.

والأيام تصير أسابيع، والشهور تصير سنوات. والسنوات عمر.

في النهاية يتقلص دور من تحبّه ويحبّك، من اختارك ومن تظن أنك اخترته، مقابل المساحات اليومية الشاسعة التي يقضيها الآخر معك. مقابل الاختيارات اللحظية الدائمة التي يشاركك في اتخاذها، والتي يعيشها معك. بينما- غالباً بدون قصد- تترك العزيز الغالي في المنفى، يعيش حياته طيّبة، مع ناس طيبين آخرين، لكنه فيما يتعلّق بك يجرّب صقيع الإقصاء والاحساس المتسلل، الذي يفضّل عدم الاعتراف به، بالهجر.


عنوان التدوينة من بيت للبردوني رحمه الله. ” لأن الفراغ اشتهى الامتلاء بشيءٍ، فجاء سوى المرتقب”.

 

 

نهار خميس

أخذت إجازة من العمل لهذا النهار. الأسبوعين الماضيين كثرت إجازاتي، ولكن كثرتها تعادل أياماً سابقة، مايو ويونيو، كنت أعمل فيها بما يتجاوز معدلي العادي. يعني لازلت للآن سابقة للجدول، وإن كنت أبدأ قريباً مشروع جديد يحتاج إلى تحضير، وأنا لم أحضّر نفسي بعد.

كنت أتحدث مع صديقة العمر، وقلت لها أنني طيلة الصباح أفكر فيها، أريد أن أحكي لها ضيق ما مررت به، لكني كرهت أن تنفجر في وجهها قنبلة ” السمّية” التي أشعر بها. قلت أنتظر حتى صفت الأمور بعض الشيء.

عملت أشياء روتينية لا تحتاج لتفكير، استمعت لقائمة موسيقية أحبها.. ولمّا راق مزاجي وكدت أتصل، سبقتني هي بالاتصال.

أحب فكرة الاعتماد العاطفي، الفضفضة، للأحبّة ممن يسمعون ويحنون ويغضبون لأجلي. ربما هي من أغلى النعم التي رُزقت بها. لكني أيضاً أحب فكرة أن ” أهذّب” مشاعري قبل أن أنقلها للآخرين. أن أتفاهم مع صعوباتها وأُنقّيها من الشاذ أو المتطرف. هناك فرق بين طلب المساعدة، وبين أن أجرّ اليد التي تمتد لي معي في الهوّة الظلماء العميقة التي يختلط بها الحابل بالنابل. ما أحب اختلاط الحابل بالنابل. نخلّي الحابل لوحده، والنابل لوحده.

تحدثت عن الأمر الذي أزعجني. ردت علي برحابة صدرها المعتادة، يخليها ليّ، وزادت الحلا حلاة لما رددت عبارات ليست من مفرداتها المعتادة، لكنها عرفت أنها ستطيّب خاطري أكثر وأكثر. تحبّني كما تعرف أن تحب، وتحبّني كما تعرف أنني أحب أن أُحبّ.

بعدها تحدثنا عن أشياء أخرى يومية. وبسهولة نهرية، راح الكلام على أكبر مخاوفي للسنوات الثلاثة الماضية. شيء لم أفكر يوماً أن أحدث أحداً عنه. قلت لها أنني أخشى كذا. وكأنني أحكي لها أنني لم أنم البارحة جيداً. قالت بنفس السهولة الهادئة: والله؟ كيف كذا كذا؟ قلت كذا. قالت لا تشيلي همه، أنا وراك وأشيله لك.

وبهذه البساطة. ما صرت شايله همه كما كنت ” أشيل” همه.

أنهينا المكالمة، وبعدها ظللت للحظات أتساءل إن كان ما قلته لها قد قلته فعلاً. وبهذه السهولة؟

ارتديت فستاني الجديد، وإن كنت قد ارتديته بالأمس أيضاً. شعرت برغبة أن ” أعيش” فيه اليوم أيضاً. فطرت فطوراً معتبراً وغير معتاد. شربت قهوة طيّبة. واستعاد النهار إشراقته.

شارع الخائفين

الباب مسدود بعناية. مسدود بحرص. مسدود بعناد. مسدود بحكمة وذكاء وعن نيّة متجددة لا تسمح بالتهاون أو التسويّات.

ثم. لأيام قليلة خلال السنة، أجد أن الجدار بأكمله، وليس فقط الباب الذي ينتمي إليه، وقد اختفى تماماً. وبتّ على بساط الريح. أسمح لها، للريح التي اخترعت الباب المسدود لأجلها، بأن تهبّ عليّ بكامل قوّتها. بعتوّها وقدرتها على الوصول إلى عظامي. ورغم البرد الذي تهددني به طيلة أيام السنة، وبرغم الجو الماطر والإعصار، أستقبلها بالدفا وكل الودّ.

هل جرّبت أن تعرف حقيقةً ما عن نفسك، فتدفعك معرفتك هذه لأن تمضي، وتتطرف، حتى تصل إلى القطب المعاكس لها؟

في طفولتي المبكّرة شاهدت مسلسلاً مع أكبر خواتي. متأكدة أنا أن اسمه ” شارع الخائفين”، ولكن بحثي على الإنترنت يقول لي أن المسلسل، من تأليف ممدوح عدوان، اسمه ” ليل الخائفين”. أفضّل التسمية التي، ربما ربما، اخترعها خيالي. المسلسل يحكي عن رجل تطارده عفاريته، اكتشف مسودّة لرواية لم تُنشر بعد، وهاجر صاحبها خارج البلاد. قرر أن ينشرها باسمه. ولمّا نشرها، كسّرت الدنيا. تخيّل بسّام كوسا، بكل عبقريته، يؤدي دور الرجل الناقص الذي يدّعي كمالاً ما، ثم يصدّقه العالم، ولا يصدّق هو نفسه.

يعود الكاتب الأصلي للبلاد. ويعرف بما فعله الدّجّال. ولا يكترث.

كيف لا يكترث؟

لأنه رمى حياته السابقة، حقيقته السابقة، وراء ظهره. ثم لم يكتفِ بذلك، بل راح إلى آخر الطريق. لست أذكر أحداث المسلسل فيما هو أبعد من ذلك، لكني أتذكر أمرين.

أوّلهما أن المسلسل صوّر العائد إلى البلد وكأنه دخل في اتفاقية ما مع الشيطان. رجل الأعمال الناجح الذي اختار رفقة المال على نبل الأدب.

وثانيهما، أن ارتياح العائد، وفي مشهد علق بذاكرتي: ضحكاته اللامبالية، كان فتحاً فكرياً بالنسبة لي. يمكنك، أيتها الفتاة الصغيرة، أن تختاري أي الحقائق تعيشين. يمكنك أن تذهبي إلى أقصى الأطراف، ولا تكترثين.

نجد ملاذنا في قصص الآخرين. وجدت ملاذي في تلك الشخصية التي استطاعت ألّا تبالي. ليس ادعاءً، ولا هروباً، وبالتأكيد ليس خوفاً. هو اختيار مستقل ومتسق مع معانيها المهمة. هذه فكرة أحبها، ولايزال وجودها وتحققها يشعرني بالأمان.. ويسمح للريح بأن تزورني إن أردت، فلا تزيدني إلا ثباتاً.

سماء رمادية

كنت في المطبخ ذات يوم ولمحت والدتي مارة في الردهة القريبة بطرف عيني، بينما ماجدة الرومي تغني آهاتها الأوبرالية في منتصف ” مع جريدة“. قلت لها: تعرفين هالآهات كلها على إيه؟ توقفت وقالت باسمة: على إيه؟ قلت: لأنه أخرج من معطفه جريدة، وما انتبه عليها وهي على طاولة مجاورة. وضحكنا سوية.

سمعت في النهار خبراً أقلقني، أحزنني، وأربكني. بالترتيب. وقضيت باقي اليوم أحاول أستجمع اطمئناني الذي كاد أن يذهب مني شعاعاً. تحدثت معي أختي الكبرى هاتفياً. وسمعت في صوتها الرفق الصبور الذي يفضّل أن ينتظرني كي أبدأ الحديث عما يزعجني، عن الاختلاف الطفيف الذي تسمعه في صوتي. حاولت أن أطمئنها علي بأن أتحدث عن مواضيع مختلفة. أن أبثّ في صوتي خفةً مبتهجة ما أدري من أين أتيت بها، ولكني متأكدة الآن أنها لم تنطلِ عليها.

أنهيت المكالمة. اكتشفت صينية حلا أرسلتها قريبتي بالأمس. أتيت بالصينية بأكملها إلى الطاولة، على أساس أن السكر سيقدم لي دعماً ما. أكلت ملعقتين بالكاد، وأعدت الصينية إلى الثلاجة.

عملت قليلاً على شيء يُفترض أن أقدّمه مبكراً في الأسبوع القادم وكنت قد قصّرت في العمل عليه الأسبوع الماضي. ثم اهتديت لمشاهدة مسلسل تركي ” التفاح الحرام” تتحدث عنه قريباتي بحماس، وأنا لست من متابعي الدراما التركية. لكن وقتها شعرت أنها- بخفّتها- قد تكون رفقةً طيبة. شاهدت الحلقة الأولى كاملة..

الآن أنا في ظلام دامس، قبل أن أغمر المكان به مررت بعيني على فستانين طلبتهما قبل أسابيع ووصلوا بالأمس. فكرت أن أرتدي أحدهما، الوردي المشجّر، اليوم. على سبيل المقاومة ورفع الروح المعنوية. لكني كرهت أن أحمّله هذا العبء العاطفي، وفضّلت أن أحتفظ بهما على الطاولة للتذكير بأن هناك أشياء جميلة تنتظر.

أكتب هذه التدوينة على ملاحظات الجوال، وأستمع لألبوم ” ابحث عني” لماجدة الذي قررت أن يكون الملاذ الآمن لمشاعري. اليوم انتهى. غداً يأتي بحكايا أطيب، وبنهار ممتد وبسماء زرقاء.

موسكو ١٨٩٦: عن الحياة والدين

عندما كنت في الثانية والعشرين من عمري التقيت في مناسبة اجتماعية بأحد معارفنا، وأخذنا الحديث عن اتجاهاتنا في الحياة.

في الثانية والعشرين كنت أنا أول من يعترف أن لا اتجاه لدي. لتتركني الدنيا في حالي، أنهي الجامعة المزعجة، وأعيش أياماً- أو شهوراً- في سكينة بدون أي ضغوطات.

المهم أن الحديث راح للأدب والفن. وفي تحويرة ما لا أتذكرها، قلت بأن الدين ينظم هذه الحياة أو شيء كهذا. فنظر إلى محدثي، وكان رجلاً في الستينيات من العمر، بخيبة أمل وعدم تصديق. وقال: وهل الدين بأهمية الشعر والفن للإنسانية؟

أتذكر أنني نظرت إليه حائرة لوهلة. عشت حياة محمية للغاية- الحمدلله عليها- وأقصى ما يمكن أن تفعله واحدة من صديقاتي أو عائلتي أن تسبح برداء السباحة في الشاليهات أو أن يكون لها أصدقاء عدة من الجنس الآخر. هذه قمة ” التمرّد” التي أعرفها، والتي يمكن أن أقف مشدوهة أمامها في صغري. أما أن تشكك في أن الدين يمكن أن يساويه، بل ويتفوق على أهميته، شيء آخر؟

١- بم يمكن أن أجيبك؟

٢- هل ربما علي أن أفكر في شرعية سؤالك بطريقة محايدة؟

لم أرد عليه. وظللت لفترة طويلة أفكر في إجابتي الشخصية، أنا فاطمة، على السؤال. ليس جواب أبي الحاد. ولا جواب أمي المستنكف، ولا جواب خواتي ولا صديقاتي ولا معلماتي. أنا أنا.

الجزء الأول من الإجابة، الـ ” لا”.. هذه سهلة. أساساً لم أكن يوماً ممن يعيشون للفن والأدب. صحيح، تبهجني الأغنية، وأتحرّك بكلّي مع رواية جيّدة. لكن لا أعيش على هذه العوالم. فيبدو أن أقارن أشياء ” ترفيهية” بشيء أساسي كمصيرنا على هذه الأرض تصرفاً تافهاً لا يمكنني ابتلاعه. المشكلة كانت في الجزء الثاني من الإجابة. لم؟ لم كان الدين يتفوق على الفن والأدب؟ إجابة الآية الكريمة ” وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون” كانت حاضرة لدي. ولكن من ناحية الشخص الذي يحدثني لا يعترف بمرجعية الأديان، يبدو ذلك، ومن ناحية ثانية، أنا نفسي لم أكن أستوعب الآية فعلاً. بل حضورها كان نتيجةً طبيعية للتربية الدينية التي تلقّيتها من الصغر.. دون أن يكون لدي مساحة لأن أختارها بنفسي.

لسنوات طويلة لم أته عن ديني ولله الحمد، ولكنه لم يكن المرجعية الوحيدة التي أرى فيها العالم، كما يختار والدي العزيز أن يفعل، وكما تربيت أن أفعل.

السنوات الأخيرة أجد نفسي وقد عدت، اختياراً تاماً، إلى يكون الإسلام هو مرجعيتي الأساسية، ونادراً ما أرغب في أن أحيد عن هذه المرجعية، كما كنت أفعل كثيراً في أوقات سابقة، لأجرب أن أضع نفسي في المرجعيات التي يعتمد عليها الطرف الآخر. مثلاً كنت عندما أتحدث مع مسيحي، أفهم رؤيته للأمور وأجدها منطقية لأني أحتكم إلى مرجعيته. بطّلت، في غالب الأمر، أن أُغيّب مرتكزاتي لأسمح بفهم الآخر.

ربما في الأمر ضيق أفق. وبالتأكيد لا يجوز أن أفعل ذلك إن كنت في مكان بأهمية التحاور مع الطرف الآخر أياً كان. لكني كفاطمة أميل الآن إلى أحادية رؤيتي، وسط التمييع الذي تتعرض له هويّتي الدينية من الآخر.

أتابع باهتمام محاضرات الشيخ حمزة يوسف. خطابه الديني يناسبني لأسباب ثلاثة. أولها كونه آتٍ من ثقافة مدنية تستخدم أدوات التفكير ذاتها التي أستخدمها في حياتي.

ثانيها تعوّده على إجابة أسئلة مصيرية تطرحها هذه الثقافة المدنية بشكل حاسم ومقنع. لازلت أتذكر جيداً كيف حسم لي التساؤل الذي تطرحه الأفلام مثلاً عن ” لم يفعل ذلك الرب”، تعالى الله عن السؤال. قال، عرضاً، بأن القاعدة هي ألا يُسئل ربّنا عما يفعل، وهم يُسئلون.

ثالثها كون الإنجليزية لغته الأولى، ففهمه للعربية منعش وطازج ويعيد طرح الأسئلة على معانٍ لطالما اعتبرناها منتهية لغوياً لتعوّدنا عليها. مثلاً العبارة الواردة في الحديث الشريف ” يُعزف على رؤوسهم بالمعازف” لطالما تعاملت معها على أنها في ذمّ الموسيقى، دون مراجعة لمعناها اللغوي. بينما يفسّرها الشيخ حمزة بحرفيتها، سمّاعات الرأس، سبحان الله. عندما تفكر بلغتك الأصلية، مهما بلغ ارتياحك للغتك الثانية، تترجم الكلمات حرفياً ولا تتعامل معها على أنها تشبيه لا يحتاج لتفسير.

هذا عن الشيخ حمزة يوسف بشكل عام. بشكل خاص، أهتم كثيراً بما يقوله عن أن الشعوب الغربية، أمريكا وأوروبا، هي شعوب متدينة حتى القرن العشرين. وأن التديّن أخذ المقعد الخلفي وتراجع بسبب أهوال الحربين العالمية الأولى والثانية. لم أجد له حتى الآن محاضرةً يُسهب فيها عن هذا الأمر، لكنني دائماً أشعر بوجل عندما أفكر كيف يمكن للإنسان التخلّي عن دينه. مركزه. والهدف الأساسي- نعم، مقتنعة تماماً ولله الحمد بما أقول- لوجوده. كيف يمكن أن يضيع أمانٌ غالٍ لهذه الدرجة من بين يديه. كيف يمكن لحضارة أن تُحرم من أن تجد شفاءها في رحاب الدين.

الثانية ٢٢- ٢٣

قبل أسابيع مر علي فيديو لشارع من شوارع موسكو في العام ١٨٩٦ بعد تلوينه. في واحدة من اللقطات، يعبر أحدهم الشارع، وقبل عبوره بثانية، يرسم علامة الصليب على صدره، والحافظ الله، كما يقول أحدنا قبل أن يعبر الشارع بسم الله الرحمن الرحيم.

توقفت مع هذه اللقطة كثيراً. بعدها بعشرين سنة، تقوم الثورة البلشفية على القيصر الروسي، ويتولى الشيوعيون الحُمر الحكم، وتتعرض الحياة الدينية الروسية للإقصاء الجبري، ثقافياً واجتماعياً وسياسياً. ونعرف الروس بالملاحدة.. وتضيع الإشارة الدينية تحت الأقدام.

إن عادت بي السنوات، ولا أريد لها أن تعود، لتلك المناسبة ولذلك الشخص، وطرح على السؤال نفسه: أتظنين أن الدين بأهمّية الفن والأدب للإنسانية؟ فسأرد عليه، وبأقصى نبرة شوارعية أستطيع أن أصل بصوتي إليها: ايش رايك؟

اللهم ثبّت قلوبنا على دينك.

أفكار عابرة

الأحد:

مولسكين أسود. ملمس غلافه لا يندرج تحت أي إحساس معروف مسبقاً، لكنه يعطي إحساساً بالأمان. وبأن الأمور تحت السيطرة

الاثنين:

الغيوم في السماء. مرة أخرى.

الليل دامس. ولا صوت حولك.

الثلاثاء:

منذ أن بلغت الثلاثين، وشقاوتها تتحول رويداً رويدا إلى طيبة قطن وردي كغزل البنات، كندف ثلج بيضاء، كنتف من غيم في سماء صافية زرقاء.

الأربعاء:

أحاول استعادة الفكرة الضبابية الشفافة التي كانت تلوح أمامي كسراب، عن علاقة الاجتماع ومشاعري ناحيته بفكرة المقاومة. حقيبتي خالية.

الخميس:

مساء خير. والكثير من الطمأنينة.

عيش ولبنة أولكر، واثنين زبادي.

الجمعة:

سلامة كل سنابل القمح في جسدك، ولعل النسيم الطيّب يمر عليه مرة بعد مرة، تميل له، ويميل عليها.

السبت:

عندي حنّيّة. وتستنّاكِ.

مالية جيوبها سُكّر نبات

‏كانت مُحصّنة جيداً في قلعتها. وحدها تخبّئ أحزانها. وحدها تواجه شكوكها. وحدها تعرف حقيقتها.

‏وحقيقتها، في الحقيقة، لا تسرّ كثيراً. أو هذا ما كانت تظنّه. هذا ما تربّت عليه. هذه النتيجة التي وصلت إليها اليد الصغيرة بعد سنواتٍ من مراقبة الكبار، الغوص في انعكاس صورتها بسواد أعينهم.

‏تسامت. تشبّثت بالواجب، بالمسؤولية، بالأصول. بما ينبغي أن تفعله، أن تحاول أن تفعله.. وإن قصرت جهودها اليوم، وغد، وبعد الغد. يكفيها أن تصل إلى نهاية اليوم وقد قدّمت ما عندها. وما عندها لا يكفي. ما يجمّل.

‏ثم أتت الحفيدة. ثم كبرت الحفيدة. ولمّا كبرت؟ أحبّتها. تقول أن هذا متوقع؟ ولكن الحفيدة أحبّتها بطريقة لا متوقعة. حب جديد حب لا يدك الحصون، بل يمسك بيدها، ويخرجها منها، ويلف معها كل مكان، يُعجبها هذا ويُعجبها ذاك.

أحبتها الحفيدة لا كجدّة، بل كما تحب مراهقة صديقتها. أغرقتها بالضحكات، بالاعجابات، بالالتقاطات المايكروسكوبية لحقيقتها التي تفلت منها في عبارات لو استطاعت لما أفلتتها. ومع ذلك الحفيدة تتلقى هذه العبارات الفارّة من السجن الصارم، وتحوّلها إلى مهرجانات. الحفيدة لم تحبّها كما يُفترض أن تحبّها، لم تلتفت إلى صفاتها الحميدة، إلى تحمّلها المسؤولية والتزامها بالأصول.. بل أحبتها لحقيقتها. قلبت شكوكها رأساً على عقب.

أيُعقل أن تكون أسرارها تستحق الضوء والحرّية؟ أيُعقل أن تكون مخطئة، وأن حقيقتها- في الحقيقة- زي الفُل والياسمين؟

هل تجروء على أن تسمح للباب المغلق بالارتداد قليلاً؟ أن تسمح للطفلة الصغيرة، وللشابّة الفتيّة، بعيش العمر مرة أخرى وهي في الستين؟

تتجاهل الحفيدة أفكارها البكماء، وتشدّ كمّها لتبقى معها. على هذه الأرض النديّة المخضرّة. أن تضحك من قلبها. أن تعترف بأنها لا تفهم كذا. وتود أن تتعلم كذا. وأن تتخلى عن كل ماعرفته عن نفسها، وتتعرف عليها للمرة الأولى من العيون الشقيّة المُحبّة.


* عنوان التدوينة من أغنية محمد منير” بنات

سرّي جداً: عندما يرتعب دراكيولا

هل رأيت الغلاف؟ دراكيولا في ” ليلة الرعب”، من تأليف نبيل فاروق؟

لطالما سببت لي عيناه رعباً مدهشاً في طفولتي. وأصف رعبي بالمدهش لأنه يشبه العذاب اللذيذ. المفترض أن مصاص الدماء يخيفني، فما باله خائف هو أيضاً، وعيناه متسعتان ذعراً؟

ما الذي يخيف مصاص الدماء في هذه الرواية من ملف المستقبل- سّري جداً؟

الشعر الرمادي الناعم، والحواجب المتصلة، والفوضى المجنونة التي لا يمكنك التنبؤ بنتائجها. يمكنك التعامل مع مصاص دماء عادي، ولكن لا يمكن التعامل مع مصاص دماء هو نفسه يشعر بالرعب!

ليس هناك عبرة خالدة من هذه التدوينة سوى استرجاع امتناني لكل فريق إنتاج روايات مصرية للجيب.. لأني قبل أيام فتحت كرتونة أحتفظ فيها بملفات قديمة، لأتفاجأ بدراكيولا المرعوب يطالعني، والعجب أنني شعرت بالرعب نفسه الذي كنت أشعر به في صغري.

روايات نبيل فاروق سدّت فجوة هائلة عند الصبية العرب في التسعينيات، لكن أتظنون أنه كان باستطاعتنا ابتلاعها بدون رسومات دياب؟

عن نفسي؟ لا أظن. كنت كلما حصلت على رواية جديدة قضيت أكثر من نصف وقتي معها أتأمل في غلافها، ورسوم صفحاتها الداخلية. كبرت وأمضيت فترة من حياتي مهووسة بعمليات النشر لهذه الكتب. عرفت أن اسمها ” الكتب الفصلية” أو الـ chapter books. حركة ماكرة في إدخال الرسومات الداخلية بين فصل وآخر كي تكسر حدّة طول الكتاب لمن لايزال يتعلم الصبر على القراءة، وتشدّ فضولنا إذا تصفحناها لنعرف الحكاية وراءها.

التقيت أثناء ذلك زميلاً كانت له علاقة بعمليات الدار الناشرة، المؤسسة العربية الحديثة للطباعة والنشر. قال بأن الدار تطبع من العدد الواحد مئة وخمسين ألف نسخة. ١٥٠ ألف. هل تتصور كل هذه الخيرات توزّع على مدار السنة لكل المدن العربية، ولمن.. للفتيّة التوينز والمراهقين؟

أكاد لا أطيق صبراً كي أشهد ولادة أدبية/جماهيرية/ تجارية أخرى مناسبة للزمن، متوجّهة لنفس الشريحة، بنفس الذكاء والكفاءة.

طاولتي العريضة

لجزء من ثانية، على رأي نبيل فاروق، التقت عينانا بهدوء. ثم كسرنا الصمت بضحك متواصل، يفهم أحدنا كل ما يريد الآخر أن يقوله بدون كلام.

سحر العشرة. سحر السنوات الطويلة، والتاريخ الممتد الذي يصل للصغيرة قبل الكبيرة.

قلت لها، أنتِ طاولتي. وضحكتْ. لم تفهم ما أقصده، ولكنها ضحكت لأن ضحكي سببٌ كافِ. تذكرين أغنية نانسي عجرم ” لون عيونك”؟ تقريباً. قالت. قلت تذكرين الطاولة الممتلئة بالأصحاب؟ بالضحك، بالتفاهم بالعيون ومدّات الأيدي.. لأن الموسيقى تمنع الكلام؟ أنتِ طاولتي.

أن تمتلئ حياتي بالضحكات. بالتفاهم المشترك. بالفهم العميق لمن حولي، بفهم من حولي لي. طاولة نانسي عجرم. عريضة ومتينة وتحمل التنقّل بين بيوت وغابات، ومطر وحر صيف. هل هناك أغلى؟ هل هناك ما يستحق الدعاء أكثر؟

شجر الرمان



٥ مارس ١٩٦٤

في الضحى

الحياة هانئة وآمنة في البيت الكبير.

تستيقظ كل خميس وفي صدرها انشراح. يشبه امتلاءه بنسمة باردة هبّت فجأة على الفناء. ولكنها صباح هذا الخميس لم تنشغل كثيراً بالأمسية التي تنتظرها في المساء. في فمها طعم التربة والجذور التي اُقتلعت مع الأشجار المصفوفة واحدة تلو الأخرى، كعقد مرجان انفرطت حباته في عجل.

تحاول أن تسترجع الطقوس التي يحفظها لها إرثها عند الاستيقاظ على حلم مفزع، ولكن الكلمات تتبخر بمجرد أن تمسها أصابعها. فلا تتذكر. ما الخطوات التي عليها أن تقوم بها كي تنزع عباءة الحلم عن يومها. ويهمس لها حدسها. لم يكن حُلماً. بل هي رؤية.

تستعيذ بالله. تترك السرير لتباشر صباحها. ترتاح للهدوء المحيط بها رغم معرفتها بأن المطبخ يعجّ بالحركة منذ الفجر. الزوار في الديوان يتوافدون. بانتظار صواني الفطور، فناجين القهوة والشاي، موائد الغداء. ولكنه في أقصى الدار، والفتيات يقمن بواجبهن كالمعتاد، فلا تصلها عجلته. تتباطىء في حركتها عن عمد كي تستعيد هدوءها بدون أن يلمح أحدٌ من المقرّبين اضطرابها. زينب، الأخت الكبرى التي تدير البيت بعد أن تراجعت عافية الوالدة في السنوات الأخيرة لن يفوتها أن تسجّل تغيّرها، وهي لا ترغب أن تلفت الانتباه. لن تفلت تفصيلة كهذه من عينها الفاحصة حتى وإن كانت مشغولة بعشرات التفاصيل الأخرى. فتحاول استعادة أنفاسها، وتحاول أن تستعيد الابتسامة الهادئة التي يحتاجها أهل المنزل دائماً.

تلمح من شرفتها المفتوحة على الساحة فتاةً تحمل أقداحاً فارغة من الخزينة الداخلية. يبدو أن الديوان ممتلئ أكثر مما هو معتاد لتسمح لها زينب بأن تلجأ إلى كَبَد أهل الدار. تهز رأسها بالتحيّة فتشرق ابتسامة البنت، وتمضي مسرعةً تريد أن تقوم بما هو مطلوب منها وأن تلحق خدمة السيدة قبل الأخريات. تستميل الفكرة الطيبة القلب المشغول. تُهدّأ من روعه، وتدفعه إلى إشراقات اليوم.

أمضت الأسبوعين الماضيين وهي تخيط آخر فساتينها. عُرفت نساء البيت بإجادتهن للخياطة. وبينما تنتظر سيدات المدينة وصول فساتينهن على يد الخيّاطات، تقصّ أقمشتها وتخيّط فساتينها، كما تفعل زينب، بناءً على ما تقترحه صور فاتن حمامة ونادية لطفي في آخر أعداد المجلات التي وصلت للساحل بعد أسابيع من صدورها.

سترتدي الفستان المشجّر الليلة. عندما يصعد الكل متأنقاً إلى سطح البيت، ويستمع الصغير والكبير إلى ما ستقوله أم كلثوم في حفلة الخميس على الراديو. تفكر في تسريحة الشعر، وفي زينة الذهب. وتفكر في ابن العمّة البعيد. يحضرُ مؤتمر الصلح في تلك العاصمة الأوروبية. تتمنى له التوفيق- بعملية محايدة تشي بحياء القلب من أن ينشغل العقل به.

تفكر في أحداث الشهور الأخيرة. خلال الأسابيع الماضية لم تتكرر الصدامات بنفس الوتيرة التي كانت. نساء البيت يتنفسن الصعداء، ويأملن أن تكون هذه بداية لاختفاء الشغب تماماً، وعودة الحياة هادئة وهانئة، ليس فقط في البيت الكبير، بل في البلد بأكملها. ولكنها تستطيع أن تحرز أن الآخرين لا يشاركونهم الشعور نفسه. وأن بعض زوار الديوان، حتى زوار الديوان، لابد أنهم أيضاً يرغبون في التغيير. يعود للروح جفولها. وتتساءل عن مساعي المسافر، هل سيرجع بالصلح، أم أن هذا المؤتمر مثله مثل غيره، لولا اختلاف المكان.

تتذكر الحلم مرةً أخرى. تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. تنفث ثلاثة على يسارها. ولكنها أيضاً تستطيع أن تطُل على الحلم، الرؤية، بالحكمة السمائية التي عُرفت بها. الجد، كبير الأسرة الذي توفّى قبل سنوات، كان على قيد الحياة. على سريره يتحدّث كعادته إلى الأبناء. ثم كعادة الأحلام يختلف المشهد فترى البستان الكبير الذي يقع في المسافة بين المدينة والعاصمة. لحظة من الهدوء، ثم يصب أحدهم.. لم تره.. من أسطوانة كبيرة سائلاً ما، فتتطاير على إثره صفوف أشجار الرّمان واحدة تلو الأخرى بترتيبٍ مُحكم يقتلح القلب خوفاً وحزناً.

تخشى من أن تفكر في تفسير الحلم، ولكن المعنى قد استقر ووقع. فتنخطف أنفاسها للحظة، ثم تهز رأسها وتترك غرفتها، بأحلامها وأسرارها، إلى فناء الدار.

 

في المساء

متأنقة، تشبه في طلعتها البهيّة النجمات، تصعد إلى السطح مع زائرات من الجيران. لا تتوقف عن تبادل المجاملات والعبارات المتبسّطة مع الفتيات، ولكن قلبها تمسكه قبضة من جليد. جيّد أنها أتت بشال الكتّان معها، يبدو أنها ستكون ليلة باردة.

أم كلثوم تغنّي ” لسه فاكر”. الموسيقى متفائلة، والكلمات لا تبعث في نفسها الحزن بقدر ما تعدها بتجاوزه. تلمح بطرف عينها والدتها وهي تشدّ شالها على كتفها وكأنما لا تستطيع أن تتدفئ بما فيه الكفاية. تنزع الشال من على كتفيها، وتقوم من على الكرسي لتفرده على كتفي الوالدة. تبتسم لها ابتسامة مُغيّبة ككل ابتساماتها، لكن فيها ما يشبه الامتنان الشاكر. يكفيها.

تعود لكرسيها، لكنها لا تستقر في مكانها. تتذكر قصصاً عن أسرٍ صديقة في الدولة المجاورة، تغيّرت حياتهم بين يومٍ وليلة. وتتذكر الحلم. انتهت الأغنية، وبدأت المقدمة الموسيقية لأغنية جديدة. في ثانية اتخذت قرارها. مالت على الصديقة بجانبها، تخبرها بأنها ستنزل إلى غرفتها لتأتِ بشال آخر، ثم توجّهت بعينيها لزينب التي تنظر إليها مستفسرة. ما الأمر. لست على بعضك اليوم. تتجاهل السؤال الثاني، وتحرّك يديها وكأنما تضع الشال المُتخيّل على كتفيها وتحرّك شفتيها بدون كلام ” من تحت”. فتهز زينب رأسها بالفهم.

تنزل لغرفتها. تجلس على السرير وتنزع الكعب لترتدي الخُف، لا تريد لطرقات الكعب أن تلفت الانتباه.

تحتاج لأن تستعد. ولكن لِم تستعد؟ وكيف تستعد؟

تستعد لمغادرة البيت في لحظة. ربما ينقض عليهم أولئك وينقلونهم إلى مكانٍ آخر في البلد. سيُسجن الرجال، وتُشرّد السيدات. هذا ما حصل للأُسر الصديقة. وفي الحُلم يُهزم الجمع ويوّلّون الدبر.

الأوراق. الجوازات والعقود والسندات والملكيات. على الأقل تكون معنا. تذهب لجناح الجدّ، لازالت الخزنة هناك. وتعرف أيضاً مفتاحها. لا وقت. بسرعة تتصفح الملفات. الجوازات أولاً. العقود ثانياً. لم تجدها كلها، ولكن وجدت ما يكفي. ليست متأكدة من أن السندات البنكية هي ما تريد، لكنها أخذتها أيضاً للاحتياط.

بيدها الممتلئة بالأوراق تعود إلى غرفتها. أين تخبئها؟ تضع الجوازات في خزانتها، جاهزة لتتناولها في أي وقت. ثم تقسّم الرزمة الباقية إلى نصفين. نصفها في حقيبة تسوّقها، والنصف الآخر تذهب به لحقيبة تسوّق زينب. إن أتوا أولئك، هذه الأوراق ستكون شغلهم الشاغل. جيّد أن الخزينة لازالت ممتلئة بالأوراق الأخرى.

ماذا عن الذهب؟ تسمع صوتاً داخلياً يتشكك. أجننتِ؟  أتظنين أن هناك داعٍ حقيقي لكل هذه الحماقات؟ ماذا سيقول أهل البيت؟ ماذا ستقول لك زينب؟

تجلس مرة أخرى على السرير. تحتاج للتفكير.

صحيح. ربما لا يحصل شيء. غالباً لن يحصل شيء. ولكن حدسها يتوسّل إليها أن تفعل كل ما يمكنها فعله لتستعد. أسرتها تعتمد عليها. حتى وإن لم يصدقها أحد منهم إن حاولت إخبارهم. تعلّمت من جدّها أن الملامة لا تقع على الغافل، بل على من دلّه قلبه فتجاهله.

الذهب. ماذا تفعل بالذهب؟ تفتح صندوقها. تختار أغلى القطع. لا لولو ولا ماس، ذهب خالص. تلك التي تعرف جيداً أنها إن اضطرت لبيعها ستعود عليها بسعر جيّد. تضع اختياراتها في حقيبة يدها. خمس قطع تكفي، تحاول أن تخزّنها بفوضوية وكأنما تراكمت بالصدفة ولم تُعدها إلى الدرج بعد ارتدائها، لا تريد أن تثير الريبة إن تعرضت الحقيبة للتفتيش.

تترك الغرفة ولا يزال التساؤل قائماً. هل استعدّت بما فيه الكفاية؟ لا يبدو ذلك. هل بالغت في الاستعداد؟ يبدو ذلك. تتمنى ذلك.

تعود للسطح. تقابلها نظرة زينب المتفحصة. تنتبه أنها عادت بلا كعب وبلا شال. ترتبك. وتتظاهر بأن لا شيء هناك. أم كلثوم تسأل، بهزيمة عاتبة، تروح لمين. تختفي هبّة الأدرينالين، وتترك في عينيها ألغازٌ، وفي النفس اكتئاب. ليس اكتئاب العاشقين.