مالية جيوبها سُكّر نبات

‏كانت مُحصّنة جيداً في قلعتها. وحدها تخبّئ أحزانها. وحدها تواجه شكوكها. وحدها تعرف حقيقتها.

‏وحقيقتها، في الحقيقة، لا تسرّ كثيراً. أو هذا ما كانت تظنّه. هذا ما تربّت عليه. هذه النتيجة التي وصلت إليها اليد الصغيرة بعد سنواتٍ من مراقبة الكبار، الغوص في انعكاس صورتها بسواد أعينهم.

‏تسامت. تشبّثت بالواجب، بالمسؤولية، بالأصول. بما ينبغي أن تفعله، أن تحاول أن تفعله.. وإن قصرت جهودها اليوم، وغد، وبعد الغد. يكفيها أن تصل إلى نهاية اليوم وقد قدّمت ما عندها. وما عندها لا يكفي. ما يجمّل.

‏ثم أتت الحفيدة. ثم كبرت الحفيدة. ولمّا كبرت؟ أحبّتها. تقول أن هذا متوقع؟ ولكن الحفيدة أحبّتها بطريقة لا متوقعة. حب جديد حب لا يدك الحصون، بل يمسك بيدها، ويخرجها منها، ويلف معها كل مكان، يُعجبها هذا ويُعجبها ذاك.

أحبتها الحفيدة لا كجدّة، بل كما تحب مراهقة صديقتها. أغرقتها بالضحكات، بالاعجابات، بالالتقاطات المايكروسكوبية لحقيقتها التي تفلت منها في عبارات لو استطاعت لما أفلتتها. ومع ذلك الحفيدة تتلقى هذه العبارات الفارّة من السجن الصارم، وتحوّلها إلى مهرجانات. الحفيدة لم تحبّها كما يُفترض أن تحبّها، لم تلتفت إلى صفاتها الحميدة، إلى تحمّلها المسؤولية والتزامها بالأصول.. بل أحبتها لحقيقتها. قلبت شكوكها رأساً على عقب.

أيُعقل أن تكون أسرارها تستحق الضوء والحرّية؟ أيُعقل أن تكون مخطئة، وأن حقيقتها- في الحقيقة- زي الفُل والياسمين؟

هل تجروء على أن تسمح للباب المغلق بالارتداد قليلاً؟ أن تسمح للطفلة الصغيرة، وللشابّة الفتيّة، بعيش العمر مرة أخرى وهي في الستين؟

تتجاهل الحفيدة أفكارها البكماء، وتشدّ كمّها لتبقى معها. على هذه الأرض النديّة المخضرّة. أن تضحك من قلبها. أن تعترف بأنها لا تفهم كذا. وتود أن تتعلم كذا. وأن تتخلى عن كل ماعرفته عن نفسها، وتتعرف عليها للمرة الأولى من العيون الشقيّة المُحبّة.


* عنوان التدوينة من أغنية محمد منير” بنات

سرّي جداً: عندما يرتعب دراكيولا

هل رأيت الغلاف؟ دراكيولا في ” ليلة الرعب”، من تأليف نبيل فاروق؟

لطالما سببت لي عيناه رعباً مدهشاً في طفولتي. وأصف رعبي بالمدهش لأنه يشبه العذاب اللذيذ. المفترض أن مصاص الدماء يخيفني، فما باله خائف هو أيضاً، وعيناه متسعتان ذعراً؟

ما الذي يخيف مصاص الدماء في هذه الرواية من ملف المستقبل- سّري جداً؟

الشعر الرمادي الناعم، والحواجب المتصلة، والفوضى المجنونة التي لا يمكنك التنبؤ بنتائجها. يمكنك التعامل مع مصاص دماء عادي، ولكن لا يمكن التعامل مع مصاص دماء هو نفسه يشعر بالرعب!

ليس هناك عبرة خالدة من هذه التدوينة سوى استرجاع امتناني لكل فريق إنتاج روايات مصرية للجيب.. لأني قبل أيام فتحت كرتونة أحتفظ فيها بملفات قديمة، لأتفاجأ بدراكيولا المرعوب يطالعني، والعجب أنني شعرت بالرعب نفسه الذي كنت أشعر به في صغري.

روايات نبيل فاروق سدّت فجوة هائلة عند الصبية العرب في التسعينيات، لكن أتظنون أنه كان باستطاعتنا ابتلاعها بدون رسومات دياب؟

عن نفسي؟ لا أظن. كنت كلما حصلت على رواية جديدة قضيت أكثر من نصف وقتي معها أتأمل في غلافها، ورسوم صفحاتها الداخلية. كبرت وأمضيت فترة من حياتي مهووسة بعمليات النشر لهذه الكتب. عرفت أن اسمها ” الكتب الفصلية” أو الـ chapter books. حركة ماكرة في إدخال الرسومات الداخلية بين فصل وآخر كي تكسر حدّة طول الكتاب لمن لايزال يتعلم الصبر على القراءة، وتشدّ فضولنا إذا تصفحناها لنعرف الحكاية وراءها.

التقيت أثناء ذلك زميلاً كانت له علاقة بعمليات الدار الناشرة، المؤسسة العربية الحديثة للطباعة والنشر. قال بأن الدار تطبع من العدد الواحد مئة وخمسين ألف نسخة. ١٥٠ ألف. هل تتصور كل هذه الخيرات توزّع على مدار السنة لكل المدن العربية، ولمن.. للفتيّة التوينز والمراهقين؟

أكاد لا أطيق صبراً كي أشهد ولادة أدبية/جماهيرية/ تجارية أخرى مناسبة للزمن، متوجّهة لنفس الشريحة، بنفس الذكاء والكفاءة.

طاولتي العريضة

لجزء من ثانية، على رأي نبيل فاروق، التقت عينانا بهدوء. ثم كسرنا الصمت بضحك متواصل، يفهم أحدنا كل ما يريد الآخر أن يقوله بدون كلام.

سحر العشرة. سحر السنوات الطويلة، والتاريخ الممتد الذي يصل للصغيرة قبل الكبيرة.

قلت لها، أنتِ طاولتي. وضحكتْ. لم تفهم ما أقصده، ولكنها ضحكت لأن ضحكي سببٌ كافِ. تذكرين أغنية نانسي عجرم ” لون عيونك”؟ تقريباً. قالت. قلت تذكرين الطاولة الممتلئة بالأصحاب؟ بالضحك، بالتفاهم بالعيون ومدّات الأيدي.. لأن الموسيقى تمنع الكلام؟ أنتِ طاولتي.

أن تمتلئ حياتي بالضحكات. بالتفاهم المشترك. بالفهم العميق لمن حولي، بفهم من حولي لي. طاولة نانسي عجرم. عريضة ومتينة وتحمل التنقّل بين بيوت وغابات، ومطر وحر صيف. هل هناك أغلى؟ هل هناك ما يستحق الدعاء أكثر؟

توأم روحي

عن الأفكار التي نتركها لتختمر..

عندي حكاية صغيرة مع أغنية “توأم روحي“.

كنت صبيّة لا أهتم بالأغاني كثيراً. نشأت في أسرة محافظة، لا تمانع الموسيقى، ولكن لا تجدها مهمة كفاية كي تعطيها الوقت. بنات الخالة، أكبر مني بما يقارب العشر سنوات، كنّ في أوجّ مراهقتهن، والأغاني جزء مهم من الحياة في بيتهم. الأغاني الخليجية وبعض من أغاني مصرية. بالتأكيد ليس من بينها أغاني راغب علامة. بنات خالتي قررن أن توأم روحي ” سخيفة”. وبالتالي من الطبيعي أن أقرر كذلك أن توأم روحي سخيفة.

في يوم من الأيام زارتنا، أوبالأحرى زارت بنات خالتي، قريبة أحبها من الظهران. وخرجنا لنتغدى في فدريكرز حراء (أضحك من الذكريات المفاجئة!)، ولأن السيارة كانت ممتلئة على آخرها، كنت في الدور الأعلى من الراكبات، تحتضنني القريبة الزائرة. من تجلس في المقعد الأمامي فتحت الراديو على إم بي سي إف إم- طبعاً! لم تكن هناك قناة تستحق السماع سواها على ما يبدو- وطلعت ” توأم روحي”. قالت إحدانا: ” يوووه!” لكن الزائرة قالت ” خلّوها!”، فخلّوها.

قلت لها: ما أحبها. قالت ويديها رفيقة تحتضن وسطي: ليييييش؟ سمعتيها؟ اسمعيها. ” عمل حلو”.

كنت طفلة متأملة. أرسم العلاقات بين المفاهيم والأفكار لأحاول أن أفهم العالم الصعب المعقّد الذي يبدو سهلاً للكل فيما عداي. أتذكر أنني قضيت أياماً كثيرة أتساءل عن فكرة كيف أن الناس المهمة صاحبة الآراء التي أحب وأعتنق، لا يتشاركون الرأي نفسه. وكيف أن علي أن أعطي نفسي فرصة كي أتأكد من أن ” العمل الحلو” لا يفوتني لأن البقية لم يروا جماله. يااااه، تصوّري إن في أشياء حلوة ما أعرف أنها حلوة.. ألن يكون هذا مؤسفاً.

ربما كانت المرة الأولى التي أتعامل فيها مع مفهوم الرأي المستقل كفكرة مُجرّدة.

لكني لم أكتب هذه التدوينة للحديث عن الرأي المستقل.

أكتبها لأنني قبل أسابيع استمعت بالصدفة لـ” توأم روحي” بعد سنوات وسنوات من الانقطاع. لم أفكر فيها منذ ذلك الوقت على ما يبدو، لكنني تفاجأت بأنها ” عمل حلو” فعلاً. صحيح أن لمسة صلاح الشرنوبي والضجيج الموسيقي التسعيناتي المصاحب لها موجود فعلاً، لكنه لم يعد مهماً كثيراً. ما همّني وقتها هو النسمة التي هبّت من أيام طيّبة وبريئة- لا، لم تكن سهلة- والحنين الرفيق في العبارة الموسيقية ” مش قادر أحكي لك عاللي بيجرى في بعدك”.

يبدو أن الأفكار. كل الأفكار، الممتازة والجيّدة كفاية على حدٍ سواء، تحتاج إلى الزمن لتختمر. ليس فقط كي تتكون، بل لتكون أيضاً. لتأخذ حقها في الحضور، وفي وعي المتلقّي. تصبح الأعمال التي تمثلها نافذةً مطلة على الزمن. وكأنما شاركتك رحلة من العمر، لكنها توقفت ولم تتغير، وأنت مضيت لحال سبيلك. كبرت، نضجت، أحببت، كرهت، تمتّعت، تألّمت. ثم تعود إليها فجأة، فتتفاجئ بوفائها لك. وبوقعها على روحك.

تمام. ما المستفاد من هذا الحديث عدا التأمّل في ملكوت الله اللا حسّي؟ التأمّل في حدّ ذاته يكفي، لكني الحقيقة أخذت الفكرة نفسها لآخر امتداداتها. ماذا عن الأفكار، والأعمال، التي أريد إطلاقها. ربما علي حسبان المدة الزمنية التي تحتاجها بعد تكوّنها لتكون مؤثرة في الوعي. بمعنى. هذه التدوينة مثلاً. مقالة معقولة، ستعجب البعض وتمسّ أفكاراً موجودة سلفاً لديهم، والبعض الآخر سيمرّ عليها مرور الكرام. ربما يحدثني عنها بعض الأصدقاء الأعزاء، وأربّت على كتفي بأنني قد استمررت في الكتابة يوماً آخر. ثم أعتبر أثرها قد انقضى. أخذت الفكرة الوقت اللازم للانطلاق، التأثير.. وحان وقت الأرشفة، والنظر لفكرة قادمة.

لكن ماذا لو كان لكل ذرة عمل تطلقه للعالم التأثير نفسه الذي سمح به الزمن لأن يكون ل” توأم روحي”؟ ماذا لو كان مرور الوقت، في حد ذاته، هو عامل استثماري يعتّق الفكرة ويزيد من أهمّيتها لدى المتلقّي؟

ماذا يقول دكتور مشاري النعيم في مقاله العظيم ” فأما الشهد فيذهب جفاءً“؟ ‏” عملت خلال حياتي على عدد من المشروعات التي أعتقد أنها مهمة، ولم يطلب أو يكلفني أحد بعملها، واشتغلت عليها بصورة موازية لعملي الرسمي الذي كانت تتنازعه الفقاعات المؤقتة، والآن بعد مرور سنوات طويلة لم يبق فعلا إلا تلك الأعمال الموازية التي لم يرها أحد في حينها وأثناء عملها”.

في وقتها؟ التفت إليها بعض البعض. مع مرور الزمن عليها، وقفت الأعمال كهامّة لم يزدها العمر إلا عُلوّاً.

هذه فكرة مهمة. لم؟ لأنها تضع أمامك، كمطوّر الفكرة، سياقاً أكثر حكمة وذكاءً لحساب تأثيرها وعائدها الاستثماري، خصوصاً ذلك السياق الذي تفرضه علينا فورية السوشيال ميديا وحسابنا لتأثير الأعمال باللايكات وعدد القراءات خلال اليوم.

إن ارتأيت مثلاً أن تنشر كتاباً اليوم، التفكير في أن الزمن سيضيف القيمة إليه، يجعلك تتغاضى وتتجاوز عن فورية الترحيب، أو اللاترحيب، الذي سيستقبله من جمهورك اليوم. خمسة فقط اشتروه؟ لم يصلك ردود عليه؟ معليش. اتركه في المكتبة، وانتظر الزمن بجهوده العملاقة- وإن كانت سلحفائية- ليقوم بدوره.

حديثي هذا لا أقصد منه الاستخفاف بجهود التسويق والتوزيع للمنتج الإبداعي. أبداً. بل أن هذه المسألة تثير ليس فقط اهتمامي، بل شهيّتي للتحليل والتخطيط (أنوي قريباً أن أتناول هذا الموضوع). ما أقصده هو أنك إن قررت أن تضع طاقتك في تسويق عملك، أو قررت ألا تفعل، الأمر سيان عندما يعود الأمر للقيمة التي يضفيها مرور الزمن على عملك. لا يمكنك تسريع العجلة، كل ما يمكنك فعله هو الإيمان بدورها، وتلقّي خيّراتها في الوقت المناسب.

أكمل دورك أنت أيضاً. أن تعاود التركيز على الأشياء القيّمة التي تستطيع إنتاجها في حياتك. عمل، وراء عمل، وراء عمل.

هذا هو الاستثمار الحقيقي.. الزبد، كما تعلم، يذهب جفاءً بالتأكيد.

الرصاصة لاتزال في جيبي

عندي عدو واضح، أحاربه في صوتي وبصوتي.

النبرة الاعتذارية عند السيدات. ابتداءً من استخدام ” أعتقد، وربما، ويمكن” في أمور ينبغي أن تكون عباراتنا حاسمة وقاطعة فيها، لأنها لا تحتمل الربما واليمكن، مروراً بالمحاولات الحثيثة للهروب من الثناء المُستحَق والتشكيك في مصداقيته وحجمه، وانتهاءً بتصغير الإنجازات، والتعامل مع الإنتاج على أنه ” أقل” مما يجب، وأن هناك آخرين يقدمون أكثر.

ومالنا نحن والآخرين يا رفيقتي التي ما تسمع الكلام؟

اليوم وصلني إيميل من سيّدة كلمتها مسموعة في مجالها. تؤلف الكتب، وتكتب المقالات، وتحاضر. ومع ذلك حديثها عن نفسها اعتذاري. انتفضت أعصابي. هذه العبارة الملائمة لوصف ماحدث. ليس فقط لوجود هذه النبرة الاعتذارية، بل لأنني كنت متوقعة كثيراً مقاومتها إن اقترحت عليها تعديلها. رددت عليها مع ذلك بأفكاري، والمفاجأة السعيدة أن توقعاتي كانت مخطئة تماماً. تقبّلت الفكرة بدون مقاومة (وبدون اعتذارات أخرى)، وتخلّصت مما لا يليق بمشوارها.

لم نعتذر؟ ولم اعتذاراتنا خفيّة كدبيب نملة، ومع ذلك يلتقطها الآخرون ويسمعها الكل- فيما يبدو عدانا- بوضوح؟ هل لأننا لا نرى استحقاقيتنا؟ هل لأننا نشعر بأن من التهذيب ألا نفترض قيمتنا، بل ندع الآخرين يضعوا لها تعريفاتهم ويمنحونا التقدير المناسب..؟

هل لأننا نريد أن نحمي أنفسنا بشكل استباقي من ” الحقائق” التي نشعر بها عن ذواتنا، ونخشى أن نستفز الآخرين فيطلقوها في وجهونا، وإن أطلقوها تأكدت.. لكن طالما هي في ظلام أعماقنا، فهي بين الشك واليقين؟

ربما هذا وأكثر. كل واحدة منّا وحقائبها التي تحملها من طفولتها وتجاربها. لكن في النهاية النتيجة واحدة وإن اختلفت الرحلة. لنتعامل مع محتويات هذه الحقائب، لنتوقف عن دعم الأفكار الآيلة للسقوط بمزيد من الدعائم المؤقتة، ونختار أن نرى ونعيش ونعرض حقائقنا بدون حاجة للاعتذار عنها.

الراقصون في العتمة

نعم. أنا مُدركة لقتامة الألوان التي تحيط بنا، وبناسنا. ولكن هذا جزءٌ من القصة، ولم نصل بعد إلى بقيّة الطريق.

مدركة أن هناك هجوماً يطل برأسه من وقتٍ لآخر على ما نمثّله، وفي هذا الهجوم الكثير من اللاعدل. الجفاء القاسي. والغباء الذي يؤدّي للظلم والسواد. وأننا، في مقابل ذلك، نصرف طاقاتنا الغالية في كثير من الأوقات لإدارة ” حمول” التعاملات. وفي بقية الوقت، للتداوي منها.

مع ذلك، أرى أن هذا جزء من الطريق. وأمامي يمتد الشارع الواسع. والحياة الحلوة. الصح. الطيّبة. الصادقة. التي لا تخون، ولا تميل.

قبل فترة كنت أشوف برنامج عن أكشاك الشوارع. حلقات، وفي كل حلقة يربط بين فقراتها المتنوعة تركيز معين على كشك له تاريخ وله ثقل ثقافي، وطعامي، ما. وكل حلقة من بلد.

الحلقة اللي كنت أشاهدها كانت من تايوان. والكشك المركزي هو كشك بدأه صيّاد وزوجته لتقديم يخنة السمك. رحل الجيل الأول، وتولى الابن وزوجته العمل، ثم كبرت الحفيدة، وانهمكت في العمل العائلي أيضاً.

الحفيدة كانت ملفتة لي من اللحظات الأولى لظهورها على الشاشة. في بداية ثلاثيناتها على ما يبدو. ولحضورها شفافية مريحة تتجاوز ما تعوّدت على التقاطه. والمعلّق يتحدث إن الحفيدة منذ استلامها للعمل قبل سنوات حوّلت الكشك إلى تجارة جيدة وافتتحت أكشاكاً في شوارع أخرى مع الاحتفاظ بالتحضير التقليدي نفسه للطعام.

في العشر دقائق الأولى من الحلقة ربما تظهر الحفيدة على دراجتها النارية متوجّهة لسوق الخضار. تقول بالصينية: ” بما أنني أنا الفتاة التي عادت لتتولى عمل العائلة…” وتسكت للحظات بينما أقرأ الترجمة، وأتوقع المصاعب التي ستواجه الفتاة التي تتولى في بداية عشريناتها تجارة كهذه في ثقافة أبوية كهذه، تكمل القول: ” فسأفعل وأقرر ما يحلو لي. أنا المسؤولة”.

تفاجأت كثيراً بالعبارة. لم أتوقعها على الإطلاق في سياق السيدة ولا سياق حديث البرنامج. كأنها نفحة هواء منعشة هبّت علي من حديقة ربيعية وأنا في وسط هذا الشارع.

العبارة لم تأتِ بصيغة تحدّي تعودنا عليها من البرامج التلفزيونية. التقاطي لها كان لأن النَفس مختلف تماماً. نفس عادل هادئ، وقوي بدون أن يكون متنازعاً، وذكي كثيراً كثيراً.

وتوقعت أن الأمر سينتهي هنا. لكن بمرور معظم الحلقة، شاهدت كيف أن الفتاة هذه عندما عادت من دراستها الجامعية في العاصمة بناءً على استدعاء والديها، وُضعت بين ٤ حوائط صغيرة. مطلوب منها أن تساعد في العمل، ثم تُعارض في أبسط قرارات التغيير. وذكرت تصرفات على أساس إنها تصرفات عادية، ولكني رأيت فيها تقويضاً متعمداً من قبل الأهل لسلطتها وحاجتها. ورق قلبي لها وهي تقول أنها كانت تذهب للصلاة في المعبد، وتسأل ” القوة السامية” الإرشاد. كل هذا الحديث في سياق ” الحكايات العادية”، لا في سياق المآسي والتحدّيات. وكيف وصلت إلى اتفاقية ما- ماكرة ومؤذية في سطحية مكرها واضطرارها لها- كي تدخل التغييرات التي يحتاجها الكشك وتمررها على والديها. لكنها فعلت ما يحلو لها. وستفعل ما يحلو لها.

هذا النوع من العشب الأخضر الذي أراه في عالمنا. وأراه يزهر ويتسلق. بدون أن ينتظر استئذان أحد. هو موجود مثلما القتامة موجودة. ونفَس الخير طويل. أنا مؤمنة به، ومؤمنة بك يامن تستمع إلى أغنية يبدو أن من حولك لا يستطيعون سماعها. الخير حال ومقيم. والشر آتٍ ولكنه لا يقيم والحمدلله. سترحل القتامة، وبرحيلها سنتفاجئ- مع معرفتنا- بانتشار الأخضر الذي أفلت من أيدينا وغمر الطريق بينما نحن مشغولون بالتفاهم مع فلان، والترتيب لعلّان، والتداوي من هذا وذاك.

الكثير من الودّ. وبوكيهات العشب.

 

 

هل أنت كائن فضائي؟

حصيلة اليوم.

البقاء حتى وقت متأخر على الجوال، أشرح لصديقتي العزيزة، الجميلة اللطيفة السُكّرة، كيف يمكنها أن تقدم لأطفالها الأعزاء شوربة بطاطس لذيذة لأنهم أعلنوا تمرّدهم على الشوربة التي تقدمها لهم كل يوم.

العالم بأكمله، بتلفزيونه ويوتيوبه وبلوجّاته وڤلوجاته، لم يستطع أن يقدّم لصديقتي ما تحتاجه. أن يعيد تعريف عملية الطهي لتتوائم مع هندسة عقلها. واليوم مشيت معها خطوة بخطوة، أدير مقود سيّارتي بحرص ومراعاة، كي تستجيب عباراتي لمنعطفات طريقها. والنهاية كانت طيّبة للغاية الحمدلله. قدّمت للثوّار ما يرضيهم. الابن الأكبر، قائد حملات المقاومة، غرف لنفسه، كما تقول صديقتي، مرّتين. ألف هنا وعافية على قلبه.


تفتّح قلبي على الحب حينما رُزقت بأوّل ” نقطة صغيرة” في حياتي. ابنة أختي. ثم تتالت النقاط، حفظهم الله ورعاهم، وماعرفت حبّاً عرّفني على أشياء بداخلي لم أكن أعرفها من قبل كحبّي لنقاطي الصغيرة. السيدات يعرّفن بأنفسهن على أنهن ” زوجة وأم”. هذا تعريف منطقي ومعقول، يشكّل جزءاً أساسياً من هويّاتهن.. عنّي أنا؟ أنا ” خالة وعمّة”. وهوّيتي تتسع وتكبر عندما أفكر في أنني خالة ” خرافية”. و” عمّة” دافئة ومُحبّة بدون أجندات. أعتني وأقود وأضمّ وأحب، وأوجّه وأؤدّب وأمارس السلطة الممنوحة لي بكل كرم، ومسؤولية. وشعور الحمد عندي لا تسعه بحور الأرض.

من نقاطي الصغيرة من لا يشبه أحداً على الإطلاق. وظهر هذا من وقت مبكر، مبكر للغاية. أعترف أنني منذ السنوات الأولى لحياته، يخلّي لي هو، ولكي أستطيع أن أصنّف شخصيته، وبالتالي أتعامل معه بما يناسبه، احتجت لأن أفكر فيه، بيني وبين نفسي، وبيني وبين والدته أيضاً لأنها كذلك كانت حائرة بأمره، بأنه ” فضائي”.

لا أرغب في أن أوضّح أكثر. كان طفلاً سعيداً، ظريفاً، ذكيّاً. يملأ حياتنا بالبهجة. ولكنه يفكر بطريقة لا تنتمي إلى كوكب الأرض. إن أردت أن تعرف أكثر عمّ أتحدث، يمكنك أن تقرأ ما كتبته السيّدة منى عن ” نهاية“. أساساً هذه التدوينة عبارة عن استجابات متقطّعة لما أثارته نهاية من ذكرياتي.

الآن هذا الطفل قد أصبح فتىً في أواخر أعوامه الدراسية. حفظه الله ورعاه. المفاجأة، لي ولوالدته، أن فضائيته أصبحت تأخذ شكلاً مألوفاً لنا. أصبحت ضمن السياق الاجتماعي المتعارف عليه وإن كان من الأطراف. يعني بين كل فترة والثانية يفاجئك بتصرفاته، لكنها مفاجأة لا تثير التساؤلات. المفاجأة التي أتحدّث عنها هي أنه، في فتوّته، بات يشبه من؟ يشبه والده.

يبدو أنني أحتاج لشرح ما أقصده بشكل أفضل. كنت أتوقع أن الطريقة المختلفة التي يرى فيها الابن العزيز الأمور من فترة مبكرة للغاية هي شيء يخصّه وحده. شيء فضائي يحتاج لأن نتعامل معه بحرص وفهم، كيلا يصطدم مع أعراف المجتمع. ولكن ظهرت أن هذه ” الفضائية” هي امتداد لفضائية والده. نحن فقط عرفنا والده في شبابه، عندما استطاع أن يصغي ويتفاهم ويجري التسويات مع طريقة التفكير الجمعي، كيلا يظهر مختلفاً كل الاختلاف.

النقطة الصغيرة، العزيزة، أيضاً أجرت التسويات مع المجتمع. لكني سعيدة للغاية، وشاكرة، أنها لم تتخلّ بشكل كامل، ولا حتى بشكل جوهري، عن فضائيتها. لازال التفكير مختلفاً، لازالت ردود الأفعال منعشة في جدّتها وطيبتها وغرابتها. لازالت العيون تلقط الدنيا حسب ” ضبط المصنع” كما تقول قصاصات. تلقطها بالزاوية الذهبية، العجيبة الحبيبة الغالية، التي كانت عليها في طفولتها.

لا أعرف فضائيين في حياتي غير نقطتي الصغيرة، لكني تقريباً متأكدة من أن صديقتي العزيزة التي لم يستطع العالم أن يقدم لها صياغة الطهي بطريقة تستوعبها، فضائية سابقة. وإن سألت والدتها العزيزة عن طفولتها، سأجد كل الدلائل التي تؤكد افتراضي هذا.

رفقاً بالفضائيين الصغار والكبار في هذا العالم. يستحقّون مكانهم على الأرض، ودنيانا تستحق أن نحصل منهم على كل الجمال المختلف بمجرد كينونتهم كما هم.

أن نكون شجعاناً لنحبّ

لا تختبئي مني. أنا إن آذيتكِ، أؤذي نفسي. لكن لا مفر.

لا مفر أن نؤذي بعضنا بعضاً. أن أمدّ قلبي على يدّي، وهو أغلى ما عندي.. وأن تمدّي قلبك على يدّك، وهو أغلى ما عندك..؟

لا مفرّ من الأذى يا صديقتي. لكن دعينا نجلس تحت مظلّته سويّاً. أن نصل إلى درجة الإيمان بأنني مخلصة في حبّي، وأنك مخلصة في حبّك، وأن الأذية تأتي من اللافهم، واللافهم، المخلص الصادق الأمين، سيذهب بنا إلى الفهم.

آمنةٌ أنتِ معي. وآمنةٌ أنا معك. لن أختبئ. ولا تختبئي.

شكّة إبرة. غمضة عين. ونهر رفقتنا يفيض ويمتلئ. وتخضرّ الضفتان.

من اختمار الحلم.. يأتي النهار

في الحلقة الخامسة من الجزء الأول من ليالي الحلمية. وأنا الآن دائخة. دائخة من الجمال. مغرمة بالجمال.

حرفياً. لدرجة أنني اضطررت لإيقاف المشهد- السبب المباشر لدوختي- وفتحت ملاحظات الجوال لأكتب وأعبّر وأُنفِّس. وأنفث حرّات الجوى كمان.

في أوّل رمضان عملت بحثي المعتاد الذي بتّ أجريه كل سنة تقريباً خلال الخمس سنوات الأخيرة. أبحث عن الدراما السورية، خصوصاً تلك التي أُنتجت لرمضان من دمشق، وليس من دبي أو من القاهرة. لم أجد شيئاً يستحق المتابعة، وكذلك كان الحال رمضان الماضي. بس رمضان الماضي أذكر كان هناك مسلسل أو مسلسلين يستحقّان، لكنهما قاتمين للغاية وأنا أحتاج الهواء والنَفَس المتأمّل في التعامل مع الأحزان. هذه المرة لم أجد شيئاً. الوجوه منفوخة، سيدات حُبسن بين عمر الخمسة والأربعين والستة والأربعين على رأي بيل بُر، وظللن في هذه المنطقة الغريبة الدِسيوتيبيه عشر سنوات. الممثلون العظماء.. أوّلهم بسّام كوسا، يُفترض أن يمثّل دور الجدّ، ولازال يمثّل أدوار منتصف العمر.

هذه المرة شملت المسلسلات المصرية ببحثي. على أمل أن أجد شيئا شبيهاً بـ” سابع جار“. لم أجد. فأغلقت نافذة البحث ورضيت بأنني لن أشاهد رواياتٍ متلفزة بلغتي وبقصص أهلي. وعُدت لمتابعة ذا سوبرانوز الذي أشاهده للمرة الأولى هذه الأسابيع.

المهم. قبل يومين أو ثلاثة شعرت أنني بحاجة ماسة لمشاهدة شيء عربي. ذا سوبرانوز- على عظمته السينمائية- لا يسدّ الحاجة الوجدانية التي أود لها أن تمتلئ. فكرت بقراءة رواية عربية ولدي خيارات أعرف أنها ستعجبني. ولكن الروايات العربية التي تخاطبني حقاً ترفع الغطاء عن بئري العميق.. تفتح خزانات المشاعر كلها بدون تحّكم منّي. ولا أميل لأن أتلقى مثل هذا النوع من السلطة الفوضويّة. إن كنت قارئاً لهذه المدونّة ربما تكون خمّنت سلفاً أنني أتعامل مع جرعات المشاعر كما يتعامل الصيدلاني مع جرعات الدواء. حريص على ضبطها، مُنتبه لكميّتها وكيفيّتها ومواعيدها، وتوظيفها لأغراضها الطبّية السليمة. المشاعر السداح مداح لا تناسبني. بل وأشعر أنها تضييع لطاقة بنّاءة وغالية يمكنني أن أحتفظ بها لنفسي. وأهبها للغاليين على روحي.

المهم. للمرة الثانية أقول ” المهم” بس مش مهم.. 🤷🏻‍♀️

خطرت ببالي ليالي الحلمية. وكنت قد شاهدتها للمرة الأولى ربما في ٢٠٠٨ أو ٢٠٠٩ لا أتذكر. أتذكر فقط تقديري لها واستمتاعي بنسيجها الدرامي. فقلت يللا.

شاهدت الحلقة الأولى. الثانية. هممم. لم تحرّكني كثيراً.. ولكنها بدت ترفيهاً جيّداً خلال اليوم. الحلقة الثالثة والرابعة خطفت قلبي. الخامسة؟ تعرف ما حصل.

درست في ٢٠١٨ منهج البحث النوعي على كورسيرا. الأستاذ في أولى المحاضرات كان يتحدّث عن علم الهرمينوطيقيا، أو علم التأويل. وهو أحد فروع علم المنطق. يُعنى هذا العلم بما تأتي به إلى طاولة النص كمُفسّر. يعني تجاربك وفهمك للحياة تتدخل تدخلاً مباشراً في صناعة تفسيرك للنّص. وبالتالي يكون المعنى مقاسمة بين صاحب النص وبينك كمُتلقّي.

بشكل عام مهتمّة بالتاريخ. بشكل خاص مهتمة بتاريخ العرب الحديث في بدايات القرن العشرين. بشكل أكثر خصوصية، هذه الشهور تحديداً، مهتمة جداً بالحرب العالمية الأولى والثانية. أقرأ عنهما الكتب، ومؤخراً شاهدت وثائقي على نتفلكس عن الحرب العالمية الثانية وما حصل للألمان. بعدها قرأت هذا الكتاب، وأُصبت بالإحباط لأنني كلما حاولت أن أجد تقييماً شبه مُحايد- شبه، راضيين بالشبه ومتوقعينه كمان- لما حدث بين هتلر والحلفاء، لا أجد ذلك. الهولوكوست جعلت من أي محاولة محايدة لرواية تلك السنوات شراً محضاً. بعدها أعدت قراءة رواية مفضّلة عن جاسوس ألماني يعيش في لندن خلال سنوات الحرب.

أتيت لمشاهدة ليالي الحلمية، والتي تدور أحداث حلقاتها الأولى في قاهرة بداية الأربعينيات من القرن العشرين (الحرب العالمية الثانية كانت بين ١٩٤٠ و١٩٤٥، ووقتها مصر كانت تحت الاحتلال البريطاني. الاستعمار كما يقولون).. أتيت لمشاهدتها وأنا مِحمّلة بالعجب، والفضول والأسئلة والخيالات، مما أحطت نفسي به خلال هذه الشهور. وقدّمت لي هذه الحلقات قطعاً إضافية، صاخبة ومثيرة وجميلة، للحلقات التي تدور بداخلي. فأتلقاها بعمق. وأتلقاها بحب. وأتلقاها بشكر. ثم أدوخ من الجمال.

أتيت أيضاً لمشاهدة الحلمية وأنا مبهورة بفكرة العلاقات الإنسانية وتحوّراتها، وليس تحوّلاتها فقط، على مدار عقود من الزمن. فلان الصغير بات كبيراً، وفلان عرف فلان في ذاك المكان ثم صادفه مرة أخرى في مكان آخر. الرفاق في سنوات الحب توزّعوا، ثم تجمعوا والنفوس تغيّرت. الجميل الذي امتدت به يديك دون قصد، وبات صاحبه يطاردك من مكان لزمان، كي يرده لك مراراً وتكراراً وأنت تقول آمين آمين.

وفي حلقات الحلمية، ما أعرفه عن مستقبلها، تحوّرات كبرى. فدائيون يحاربون الإنجليز، ضبّاط أحرار يقومون على البلد، سفراء تجّار وتجّار سفراء. ومقاهي وعمّال مصانع وأولاد يقاسون الحرمان في الصغر ويتخطوّنه في الكبر. أشيااااء تحصل يا رجل.

وأتيت لمشاهدة الحلمية وأنا أحاول استعادة إيماني بمستقبل روائي لا تحكمه الشفاه المنفوخة والجيل الأوّل الذي لا يريد أن يتنازل عن مكانه للجيل الثاني والثالث. لا يريد أن يتعلّم حلاوة أن تكون معلّماً، أن تشرف على النبات الحلو ليكبر ويقوى عوده، وأن تستمتع بالجلوس على جنب، مكانتك محفوظة وحقوقك على العين والراس، بينما تحمل الأجيال التي سقتها أمطار شبابك الراية وتكمل المسيرة.

لم أكن أريد التنازل عن الإيمان بأن في مستقبل الأيام الكثير من الأعمال العربية الحلوة. الصادقة. المهمّة. وأننا سنعيش موسيقى روحٍ تجلّت لعشرات، بل مئات، اللحظات القادمة.

وليالي الحلمية، بأحداثها المتسارعة، بتمثيل أبطالها الصغار قبل الكبار، بتعقيد مشاعرها ولقطاتها الفاتنة، أعادت إليّ إيماني. ولا تقل لي بأن هذا زمن قد راح. لا. نحن العرب نحمل جذوة القصّة، شعراً ورواية، في أعمق نقطة من أرواحنا. الشفاة المنفوخة ستذهب، وسيأتي قومٌ آخرون، نحبّهم ويحبوننا.

الفاتحة على روحك يا أسامة أنور عكاشة.


عنوان التدوينة من تتر المقدمة لليالي الحلمية. من كلمات الشاعر سيد حجاب.

جسر بلا ماضي

الحقيقة الصادمة هي أنني، وعلى مدار سنوات طويلة من العمل الحرّ، كنت أعمل مع قطاعات مختلفة لا أحتفظ بذكريات مُلهمة كثيراً عنها. هذه عبارة مهذبة لوصف الحال، لكنها أيضاً مُنصفة ولا تسم الأمور بطابع شخصي لا ضرورة له.

هذه الأيام أحاول أن أكون بذاتي الحقيقية في العمل على مهل، وليس نسخة جامدة مُختارة بعناية كي أحتفظ برواق حياتي الحقيقية خالصاً لنفسي وللدائرة المقربة مني. وعندما أحاول أن أمدّ الجسور بين مشاريعي الماضية وحاضري، أجد الصفحة بيضاء تقريباً.. وكأنني أبدأ من الصفر، بلا ماض. ولست متأكدة أن هذا التخيّل يروق لي أيضاً.

غالباً لأنه ليس الحقيقة. ولكنه يبدو وكأنه حقيقة.

ماذا عن أولئك العملاء الذين ظلّت سيرتهم العطرة في الذاكرة؟ هناك خمسة أو ستة أسماء.. ربما أكثر قليلاً، لازلت أحتفظ لهم بكثير من المودّة الشخصية، وأرجو أن يكون مستقبلي عامراً بالتعامل مع شخصيات مثلهم. مع ذلك كنت حريصة في وقتها على أن تظل الجُدر عالية وحاضرة بيني وبينهم. لا يرون مني سوى ما يخصّ أعمالهم. أي محاولات لفتح النوافذ والأبواب كانت تشعرني بكثير من عدم الارتياح، وأحتاج لصدّها بتهذيب.. لكنّه في النهاية صدّ. الشخصيات الوحيدة التي ظلّت بحياتي للآن من سنوات الريبة هي شخصيات شاهدت صدّي ولم تعبأ به. لم تصلها الرسالة، أو كانت ماكرة- المكر الطيّب الصبور- لتواضب على الحضور من وقتٍ لآخر. هذا استثمار- من ناحيتهم- أشعر بكثير من التقدير لأجله، ولكني أعرف أيضاً أن لا شخص مجبور عليه.

فأن أعود لفتح الأبواب التي حرصت على سدّها؟ لا ترضاها مرؤتي عليّ، ولا على الآخرين. خصوصاً أنها قد تُفسّر، احتمال ضئيل ولكن وارد، أنها رغبة في تجديد العلاقات المهنيّة للحصول على مكسب ما. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، بالتالي تظل التحايا الودود متوجّهة إليهم بدون أن يتلقوّها فعلاً. لا بأس، ليست لدي مشكلة مع هذا.

لم أكتب بهذه الصراحة، وأنشر الكلام على الملأ؟ أعود لأسأل نفسي مرة واثنين وثلاثة. هل أنت متأكدة. فاطمة. هل أنت متأكدة. ما الفائدة أصلاً. وأجيب بأنني لست متأكدة. لا ولست متأكدة أن هناك فائدة تُرجى لمثل هذا الكلام. لن أعتب على نفسي إن تذكرت ما نشرته بعد ساعات فشعرت بالهلع والـ ڤورنبليتي هانج- أوڤر كما تصفه برنيه براون. والفائدة ليست في المحتوى. ٩٩٪؜ منكم لم يمرّوا بما أتحدث به، وأشكّ أن الحديث مفهوم بكل زواياه لأن التجربة خاصة جداً وتنطلق من تقاطع بين سماتي الشخصية وحياتي العملية التي لا تتفق خطوطها مع المسارات الوظيفية المعتادة. لكن في كل الأحوال، لا أنوي أن أضع حدوداً لاستكشافي للفضاء العام. مجرد رغبتي في استكشافه، وأنا المتحفّظة التي لا تأبه بالمشاركة العامة، مثير للدهشة، ومساحة بنّاءة- آمل- لأتعلّم معانٍ تخصّني، وصيغاً للوصل الإنساني، تغنيني، ولعلها تغنيّك أنت أيضاً.

في النهاية ربما أحتاج للصبر. لا. دائماً نحتاج للصبر. أحب الأشياء على مهل. أجد فيها المعنى والقيمة. لكن هذه الأمور تأتي على مهل المهل. ومن ” لا بأس” إلى ” لاباس”.

جمعة مباركة.