جسر بلا ماضي

الحقيقة الصادمة هي أنني، وعلى مدار سنوات طويلة من العمل الحرّ، كنت أعمل مع قطاعات مختلفة لا أحتفظ بذكريات مُلهمة كثيراً عنها. هذه عبارة مهذبة لوصف الحال، لكنها أيضاً مُنصفة ولا تسم الأمور بطابع شخصي لا ضرورة له.

هذه الأيام أحاول أن أكون بذاتي الحقيقية في العمل على مهل، وليس نسخة جامدة مُختارة بعناية كي أحتفظ برواق حياتي الحقيقية خالصاً لنفسي وللدائرة المقربة مني. وعندما أحاول أن أمدّ الجسور بين مشاريعي الماضية وحاضري، أجد الصفحة بيضاء تقريباً.. وكأنني أبدأ من الصفر، بلا ماض. ولست متأكدة أن هذا التخيّل يروق لي أيضاً.

غالباً لأنه ليس الحقيقة. ولكنه يبدو وكأنه حقيقة.

ماذا عن أولئك العملاء الذين ظلّت سيرتهم العطرة في الذاكرة؟ هناك خمسة أو ستة أسماء.. ربما أكثر قليلاً، لازلت أحتفظ لهم بكثير من المودّة الشخصية، وأرجو أن يكون مستقبلي عامراً بالتعامل مع شخصيات مثلهم. مع ذلك كنت حريصة في وقتها على أن تظل الجُدر عالية وحاضرة بيني وبينهم. لا يرون مني سوى ما يخصّ أعمالهم. أي محاولات لفتح النوافذ والأبواب كانت تشعرني بكثير من عدم الارتياح، وأحتاج لصدّها بتهذيب.. لكنّه في النهاية صدّ. الشخصيات الوحيدة التي ظلّت بحياتي للآن من سنوات الريبة هي شخصيات شاهدت صدّي ولم تعبأ به. لم تصلها الرسالة، أو كانت ماكرة- المكر الطيّب الصبور- لتواضب على الحضور من وقتٍ لآخر. هذا استثمار- من ناحيتهم- أشعر بكثير من التقدير لأجله، ولكني أعرف أيضاً أن لا شخص مجبور عليه.

فأن أعود لفتح الأبواب التي حرصت على سدّها؟ لا ترضاها مرؤتي عليّ، ولا على الآخرين. خصوصاً أنها قد تُفسّر، احتمال ضئيل ولكن وارد، أنها رغبة في تجديد العلاقات المهنيّة للحصول على مكسب ما. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، بالتالي تظل التحايا الودود متوجّهة إليهم بدون أن يتلقوّها فعلاً. لا بأس، ليست لدي مشكلة مع هذا.

لم أكتب بهذه الصراحة، وأنشر الكلام على الملأ؟ أعود لأسأل نفسي مرة واثنين وثلاثة. هل أنت متأكدة. فاطمة. هل أنت متأكدة. ما الفائدة أصلاً. وأجيب بأنني لست متأكدة. لا ولست متأكدة أن هناك فائدة تُرجى لمثل هذا الكلام. لن أعتب على نفسي إن تذكرت ما نشرته بعد ساعات فشعرت بالهلع والـ ڤورنبليتي هانج- أوڤر كما تصفه برنيه براون. والفائدة ليست في المحتوى. ٩٩٪؜ منكم لم يمرّوا بما أتحدث به، وأشكّ أن الحديث مفهوم بكل زواياه لأن التجربة خاصة جداً وتنطلق من تقاطع بين سماتي الشخصية وحياتي العملية التي لا تتفق خطوطها مع المسارات الوظيفية المعتادة. لكن في كل الأحوال، لا أنوي أن أضع حدوداً لاستكشافي للفضاء العام. مجرد رغبتي في استكشافه، وأنا المتحفّظة التي لا تأبه بالمشاركة العامة، مثير للدهشة، ومساحة بنّاءة- آمل- لأتعلّم معانٍ تخصّني، وصيغاً للوصل الإنساني، تغنيني، ولعلها تغنيّك أنت أيضاً.

في النهاية ربما أحتاج للصبر. لا. دائماً نحتاج للصبر. أحب الأشياء على مهل. أجد فيها المعنى والقيمة. لكن هذه الأمور تأتي على مهل المهل. ومن ” لا بأس” إلى ” لاباس”.

جمعة مباركة.

سلمى. بماذا تفكّرين؟

لا أذكر أين سمعت التشبيه عن قلب تغسله الدموع كما يُغسل الرخام، فيُترك ناصع البياض زاهي الأركان.

يبدو أنه تشبيه مناسب لما فعله الموسم الثاني من ” آفتر لايف” على نتفلكس. واجهت صعوبة ما في بدايته، ولكن قلبي مال واستمال مع الحلقات المتتالية.

هذه ليست تدوينة عن المسلسل. إنما عن موقفٍ ما من الحياة يروق لي كثيراً، وبتّ أستكشفه السنوات الماضية، وآمل أن تكون لدي السعة لأن أتبنّاه بكلّي. بلا ابتلاء ولا غمّ.

أن تتعامل مع الصعوبات الحياتية في السياق الأكبر. والسياق الأكبر لا يسمح للصعوبات أن تعرّفه، بل هو دائماً متسق مع أن الطيبة موجودة، وغالبة، وتنتظر منّا اكتشافها لتنير أركان الحياة الأخرى.

ولا أعرف مرجعاً فكرياً يمكن أن تستند عليه هذه الفكرة/ الموقف سوى الإيمان بالله. لا أستطيع أن أجد لها معنىً بمعزل عن الاستسلام الكامل لقضاء الله، ولعنايته. ولكل الأفكار الفرعية التي تدور في هذا الفلك. أحياناً أفكر، هذه الفكرة جديرة بالتبنّي للكل، لمن اهتدى ولمن لم يهتدِّ بعد. ولكني حقاً لا أستطيع أن أفهمها بدون علاقتها بـ أننا في النهاية أتينا إلى هذه الدنيا تحكمنا قوانين فيزيائية كونيّة إلهيّة، نفهم بعضها ونعجز عن فهم البعض الآخر، ولكنها في النهاية تعدنا بأن أمر المؤمن كله خير، وأن الحياة الدنيا التي نودّ أن تكون طيّبة وأن نكون من ضنائن خلق الله عليه، فيحيينا في عافية ويميتنا في عافية، هي جزء زمني محدود على خط لا ينقطع من حياة أصلية للروح.

لطالما مّلتُ إلى رؤية الجانب المشرق من الأمور. ولكني لم أعدّ أعرف موقفي على أنه تفاؤل بحت، وإن كنت لازلت أراه نقطة انطلاق قادت إلى ما أنا عليه الآن. ما أتحدّث عنه هو أن نكون بصفّ رؤية كبرى للأمور، فيها الحق ينتصر سواءً لحقنا على انتصاره أو فاتتنا اللحظة، والحزن ينجبر، والحياة تداوي وتهادي بنعم وألطاف من الله. وبمجرد أن نختار هذه الرؤية، تتحوّل إلى مانفستيشن/ تجلّي يقود الأمور إلى الضفّة الخضراء. فتظل في دائرة مستمرة لا تعرف أوّلها من آخرها، وكأنك في لعبة دولاب الملاهي.

ولأني لازلت أطوّر فهمي لهذا الموقف، أدبيّاته وأصوله وقواعده، أجدني أبحث عن ملامحه لدى آخرين، أستقي منهم ما وصلوا إليه وأضيف أفهامهم على فهمي. المشكلة أن الصوت الغالب على الأعمال الأدبية و الفنّية هو صوت البكائيات، الدراما المنفعلة التي تصل بالمشاعر إلى آخر حدودها.. وإن فكّرت فيها ستجدها فكرة منطقية تجارياً وفنّياً. اسمها أصلاً ” دراما”. ولكنّي أحنّ وأحتاج إلى أعمال درامية تتعامل بذكاء مع هذه الدراما بدلاً من الطريق الأسهل في جرّ المشاهد/ القارئ إلى ذروات متطرّفة من الحزن، اليأس، الغرام، الأمل.

من حظّي أني تعرّفت في السنوات الأخيرة على أعمال ليان موريارتي. تتعامل مع مسائل صعبة وحقيقية بأنامل ممرضة متمرّسة. تداوي وتطيّب، تعرف عمق الجرح وتحيط بالمآسي التي تتعامل معها، لكن الشفاء لا يغيب عن نظرها للحظة. وقبلها روايات صوفي كينسلا، على خفتها الريشية أو غالباً بسببها، ساعدتني على التعامل مع قرارات صعبة في حياتي لم أستطع معالجتها بالاعتماد على كتب جادّة ناصحة ومفترض أن تكون فعّالة.. ولهذا سأظل ممتنة لكينسلا العمر كله.

وطبعاً، قبل هذه وتلك، كانت الأعمال الكاملة لايليا أبي ماضي. أتذكر أنني كلما احترت حيرة المراهقة الوجودية أيام المرحلة المتوسطة والثانوية، فتحت المجلّد العملاق عشوائياً، وقرأت القصيدة أياً كانت، وأخذت من حكمتها المتفائلة جواباً أعوجاً وطيّباً وقريباً من القلب والعقل على ما يحيرني من حياتي.

وإن أزحت كل الطبقات التي تحيط بكتابتي في هذه المدونة، سأجد أن رغبتي في الإضافة، في المساهمة، لهذه النظرة التي لا يُسمع صوتها بشكلٍ كافٍ في هذا العالم، هي الأساس.


العنوان مُقتبس من قصيدة المساء لايليا أبي ماضي والرسمة للأسف أحتفظ بها دون مرجع.

في العاصفة

أثناء دراستي في الجامعة حضرت دورة للاستعداد لاختبار الجي- مات. وكانت من ضمن الحضور سيّدة تكبرني بعدّة سنوات، في منتصف عشريناتها ربما. كل يوم من أيام الدورة تأتي بعباءة أكثر أناقة مما قبلها.

ألوان، وأقمشة، وغَزْل. التوازن الكامل بين الأناقة والعملية. ولا نقطة مبالغة. ولكن ولا نقطة أقل كذلك.

في آخر الأيام كنّا في المُصلّى عندما سألتها زميلة أخرى عن عباياتها. كنت واقعة في الحب من بعيد لبعيد، ولم أكن أظن أن الكل مثلي. المهم أنها أجابت ببساطة أنها تصممها بنفسها.

” حياتي كلها روتين، بين شغلي في اكس وبين بنتي. العبايات تدخّل ألوان لحياتي”.

في أبريل الماضي، ٢٠١٩، كنتُ أعاني من الدهشة.

دهشة مستمرة، وفيها تأهّب لإعادة تصنيف الأشياء، بدون أن يصل هذا التصنيف الجديد وأرتاح. لأول مرة أختبر كيف يمكن ألّا تكون الدهشة- الشعور الطازج المرح المفرح المنعش المنعنع- كيف يمكنها ألّا تكون بنّاءة.

وكأن الأطباق بدأت فجأة تطير من على الطاولة. والكراسي تتنحّى جانباً بدون أن يسحبها أحد. الستائر ترقص لرياح ذات صوت.

كل مرة تحصل أشياء لا تنتمي للعالم الذي تعوّدت عليه. وكل مرة أقابلها بنفس الدهشة. الدهشة التي- ويا للدهشة- ليست بنّاءةً أبداً. تستهلكني. عقلاً وانفعالاً ووقتاً. متى سيذهب شعور الاستغراب المتعب، متى سأستسلم أن هذا واقعٌ جديد وأحداث تتحرك على عجل؟ متى سيصبح المُستحدّث معتاداً؟ وهل علي أن أتوقّف وأجبر نفسي على الاعتياد؟

وبدون أي تفكير مسبق، في مقابل كل الأشياء الجديدة التي كنت أقابلها في حياتي، تكوّنت لدي عادات روتينية تشبّثت بها لشهور، وأكاد أجزم أنها أنقذتني.

أستيقظ أبكر مما هو معتاد، مع أنني بالأصل كائن صباحي. وبدلاً ما أنخرط في أعمال الاستعداد لليوم، شعري واستحمامي وترتيبات الصباح، ألجأ لمكاني المفضّل. أجلس فيه دقائق طويلة، لا أطالب نفسي بأي شيء، ولا أفكر في قائمة الأعمال الطويلة التي تنتظرني.

بعدها آتي بفنجان قهوة، أشربه على الريق ( أعرف! نتائج شبه كارثية لجهازي الهضمي). وأقرأ في رواية لنورا روبرتس بعنوان ” تربيوت”.. لم أقرأها سوى مرة واحدة قبل سنوات طويلة، وباتت تذكرني بوقتٍ هنيء عشته أثناء قراءتي. أقرأ أربع أو خمس صفحات منها.. وأنا بالعادة قارئة سريعة، أنهي ربع الرواية في جلسة واحدة. لكني في ذلك الوقت، أيضاً بدون تخطيط، كنت أحرص على أن يطول زمن الرواية معي قدر ما أستطيع.

بعدها أقوم لأمارس نشاطاتي المعتادة، وأدخل في ” الحوارات” المحمومة التي يعد بها اليوم. مع العمل، الأسرة، العالم الخارجي.

قضيت شهوراً لا بأس بها في هذا الروتين. وبات كأنه الجسر الذي استطاع أن يحمل مرحلتي الانتقالية بأمان. إلى أن عادت دهشتي إلى طبيعتها. وحلاوتها.

هذه الأيام أنا لست مندهشة. ولا حتى أقترب من المشاعر الفوضوية التي اختبرتها في أبريل الماضي. لكني أدرك وأرى أن للوقت أحكامه على آخرين، قريبين منّي وبعيدين. والنصيحة القيّمة التي أستطيع منحها لهم بعد عاصفتي تلك هي: جدّ لنفسك روتيناً. وتشبّث به. ستجده الجزيرة التي تسمح لك بالثبات، إلى حدٍ ما، في هذه العاصفة. أياً كانت.

إن كانت معادلة تلك السيدة- الأسطورة، والتي لازلت أحفظ اسمها الكامل، أن تدخل فوضى الألوان على حياة ملتزمة بالروتين الصارم، أدخل بعضاً من صرامة الروتين على أيام تتسم بالفوضى الكاملة، أو تكاد.

سرّ الندى والضياء

أحب اللؤلؤ.

أهدتني أختي الكبرى حليّة لؤلؤية قبل سنوات، اشترتها أثناء تجوالها في الحي القديم لمدينة عربية. غير غالي الثمن. بل عرفت منها أن سعرها لم يتجاوز الخمسة ريالات.

وفي كل مرّة أرتديه، كنت أشعر بأن هناك ” أمر ما” يحصل. شيء ما يحصل لوجهي. يغيّره. لكني لم أتوقف للتفكير فيه إلا بعد مدة طويلة. في يومٍ ما فهمت. وجهي يُشرق باللولو. تكتسب انحناءاته وزواياه والخبايا الصغيرة فيه إشراقة ذهبية تشبه قلبي عندما يرق، وعقلي عندما يترقرق.

بعدها بمدة زرت مع والدتي محلّ الذهب الذي لا نبتاع تقريباً من سواه. ولفتت انتباهي في مكانٍ قصي من المكان مجموعة من الأشياء المذهلة التي يبدو أن الطلب عليها قليل، وفي زاوية تكاد تكون مهملة. فسألت عنها، وقيل لي أنها من تصنيع ” غسّان”. وأنا في العادة أعرف تصاميم غسّان، وما رأيته منها كانت أشياء ” ماسخة” وبدون شخصية. يبدو أن المجموعة التي أعجبتني من تصاميم شبه قديمة. ولا يركز المصنع على الإعلان عنها.

عندما أبديت اهتمامي بها، تطوّع البائع بأن يريني المجموعة بجانبها، وكلها يندمج فيها اللؤلؤ بالذهب بشطارة وحرفية، وخطوط أبداً لم تكن أجنبيّة. والتفتّ البائع لي فجأة وقال: ” وهذا طبعاً ذهب بحريني”، وغالباً الكل يعرف أن هناك ذهب بحريني ما عداي. الكلمة حملتني على بساط الريح. لخالد الشيخ وهو ينادي أن بسّك من الروحات، وزاير المنامة لعلّه يحمل الأخبار الزينة.

اللؤلؤ حجري المفضّل، ومن البحرين يأتي ذهبي المفضّل.

وهذه حكاية اليوم. ورد، وأشواق، وأسرار.

الأرنب والسلحفاة: بين التنافسية والصبر

اعتدت لفترة من حياتي أن أصمم ” تيمة” لكل أسبوع. أن أبدأ أيامي بفكرة مجرّدة تحرّكني طيلة أيام العمل. أطبعها على ورقة إيه فور وأعلّقها على الجدار المقارب لمكتبي طيلة الأسبوع، وأنزعها في نهايته استعداداً للفكرة الجديدة.

 img_2061

من التيمات العزيزة على قلبي للآن كانت كلمة ” مطالع”. أحب شعور إطلالي على شيء، ورؤيتي له مرأى العين، وإن كان بعيداً. فكرة إني قريباً سأصل إليه مادام في مرمى البصر.

بيني وبين السلحفاة التي تسابق الأرنب أوجه شبه كثيرة. ليس بالضرورة أن يكون فوزها على الأرنب من ضمنها.

في طفولتي كنت أشعر بالانزعاج كلما سمعت عن قصة الأرنب والسلحفاة. انزعاج طفولي حقيقي، متعكّر المزاج. وكأن هناك خطأ شنيع وقبيح ومزعج في لوحة ما أمامك، وأنت لا تعرف ما هو بالضبط. والكل يطالبك بأن تستمتع بهذه اللوحة بدون أسئلة، لدرجة أنه لا يخطر ببالك أن السؤال مطروح.

هناك حكمة عميقة من القصة. غير تلك القريبة من اليد. الحكمة المتاحة: لا تصبح مثل الأرنب، تطمئن لقدراتك وتلعب وتضيع وقت، لأن هناك من سيفوز عليك. حكمة أخرى، أقل عدائية ولا تسبب الاختناق مثل الأولى: المثابرة تأتي بنتيجة، حتى عندما تكون الظروف كلها ضدّك. وكالعادة مع الحكم المتوارثة التي تضع إطاراً خانقاً للتفكير، وضعت القصة ورائي، ولم أعد أفكر بها، أو أحاول تصحيحها.

قبل سنوات تعرّفت على ماركوس باكنجام، وكانت مدرسته الفكرية مدهشة في إجابتها على كل سؤال لم يخطر ببالي أن أسأله. من ضمن القواعد التي يذكرها باكنجام، أن السمات النفسية محايدة، لا تحمل قيمة في حد ذاتها، بل طريقتك في التعامل معها وتبنّيها هي ما يعطيها هذه القيمة.

هذه السمات تتحول، في مرحلة ما، إلى نقاط قوة. تحمّلها ما أردت من خير أو شر. مثلاً، نقطة القوة في قدرتك على إقناع الآخرين. قد تكون خيراً بأن تسمح لك بتوجيه الآخرين إلى قرارات/ طرق/ أفكار بنّاءة، أو قد تسمح لك بالتلاعب بهم لتحقيق مكاسب خاصة في أجندتك. النقطة في حد ذاتها لا تحمل قيمة خير أو شر، ليست إيجابية أو سلبية.

وهذه الفكرة، وبالصدفة أثناء الحديث مع صديقة عزيزة عن فكرة الصبر، سمحت لي بأن أفهم قصة الأرنب والسلحفاة. وأن أصل بالتالي إلى الحكمة التي قادت، وتقود، كثيراً من قراراتي المهنيّة.

الفرق بينهما، السلحفاة والأرنب، هو اختلاف نقاط القوة. نقطة القوة لدى السلحفاة هي الصبر. الدأب والمثابرة إن أردت معانٍ مختلفة لنفس الفكرة. والصبور، الدؤوب المثابر، تحرّكه الغاية. التحدّي كان مُصمماً لأن يكون سهلاً على السلحفاة. أعطِها غاية، ودعها تنطلق. فكرة أنها بطيئة ليست فكرة مثبّطة لها، لأن هناك فكرة أعمق وأهم تعمل كحافز. إطلالها على خط النهاية، ورؤيتها له مرأى العين، وإن كان بعيداً. هي متيقنة من الوصول مادامت الغاية في مرمى البصر.

التحدّي، في نفس الوقت، كان مُصمماً ليجبر الأرنب على الهزيمة. نقطة القوة لدى الأرنب ليست في سرعته. بل في تنافسيته. ومن تكن التنافسية قوّته، تحرّكه الرفقة التي يتشارك معها الطريق. فإن كانت الرفقة سُلحفائية، تباطأت جهوده لتتماشى مع ” فكرته” عن منافسيه. أعطِ الأرنب أرانباً مثله، وشاهده وهو ينطلق.

المشكلة عندما تجرّم الثقافة فكرة التنافسية في حد ذاتها، تحكم عليها على أنها تحمل قيمة أساسية في سلبيتها، بدلاً من أن تكون نقطة قوّة خالية من الأحكام، ولا تضطرّ أصحابها للاعتذار، أو لقبول فكرة ” شرّيتها” المطلقة، وبالتالي ارتكاب التجاوزات الأخلاقية التي تبررها.

ليس هناك بطل في هذه القصة. هناك فروق شخصية استجابت للظروف المحيطة. الحكمة الوحيدة التي يمكنني استخلاصها من هذه القصة بضمير مرتاح وبدون اختناق هو أن الحياة الطيّبة- المهنيّة على الأقل- تبدأ بمعرفة ما إذا كنت أرنباً، أم سلحفاة. ثم تجد البيئة المناسبة لتسمح لك بقطع الأميال كما تريد.

يا أيّها الصبّارُ، صبّارٌ لمن؟

قبل سنوات كانت كلمة ” البدايات الجديدة” تدفع بسرب حمام خفّاق إلى سمائي. اليوم أدركت أن البدايات الجديدة تصيبني- هذه الأيام- بالإرهاق.

لا أريد وعوداً جديدة. لا أريد آمالاً أخرى. أنا قانعة، كثيراً، بما لدي. وعودي القديمة تبهجني، وآمالي لازال لديها ماتعطيه، لم يحن وقت رحيلها بعد.

أريد أن أمضي في طريقي نفسه. أريد أن تذهب عني الاتجاهات الزائرة، وتترك لي فضائي الرحب كما هو.

أعرف أن هناك سنوات قادمة، إن طال بي العمر، ستعود البدايات إلى ألقها فيها، لكن كل ما أودّه الآن هو أن يبقى لي أفقي كما هو. بحكاياته القديمة، بقنواته الممهدة، بنفس الخطوط السمائية التي أحبها وتحبّني.


– عنوان التدوينة شطر من قصيدة زياد آل الشيخ العبقرية ” نجد ١٣٠٠ هجرية”.

سنوات الريبة. وشجرة الياسمين.

بدأت في قراءة كتب عن حياة العمل المستقل بعد تخرّجي من الجامعة. والجامعة التي أقصدها ليست الكلّية التي ارتدتها لأربع سنوات بعد الثانوية، وإنما الشركة التي التحقت بها بعد ذلك، وكانت تجربتي الجامعية الحقيقية.

بعد تخرّجي، كنت أشعر بأني أريد أن ” أختبر” أشياءً أكثر. أريد أن ” أرى” و ” أبدأ” أشياءً أكثر. كنت متحمّسة حماس منتصف العشرينات، بدون أعرف بالضبط ما الذي أود أن أكونه.. ولكن الرحلة نفسها تكفي.

بعد شهور من استقالتي، كلّمتني صديقة عن شركة للخدمات الإبداعية والتسويق، تبحث عن مستقلّين لتنفيذ مشاريعهم مع عملاء جدد، وسألتني إن كنت مهتمة لتمرر رقم هاتفي لصاحبة الشركة. قلت أنني مهتمة ” جداً”. وبعد أيام قليلة اتصلت بي السيدة التي كانت في عمر مقارب لعمري، ودعتني لأزور مكتبهم لنتفاهم على ما يمكننا العمل عليه.

كانت الزيارة طيّبة كثيراً. أو يمكن لم تكن طيّبة. أكيد أنها لم تكن طيّبة. ولكنني في ذلك الوقت رأيتها زيارة ممتعة. مكتب مطل على منظر جدّاوي فاتن، بواجهات زجاج عملاقة، وممتلئ  بطاولات لم تُشغل بعد. كلهم شباب.. مثلي.. يستكشفون ويتعلمون. اتفقنا على عدّة مهام في نفس اليوم، وبدأت فعلاً العمل معهم كمستقلّة. وكانت هناك إشارات صغيرة، صغيرة للغاية، تحذرني من أشياء في تعاملاتنا.. ولكن قررت تجاهلها. لم أدقّق والشغل مستعجل؟ انتقلت لي حالة الإحساس بالطوارئية، بالإضافة إلى الحلم الأخضر، حلمهم هم الذي لم يطلبوا مني أن أؤمن به أو أنتمي إليه، لكني شعرت بأنني جزء منه.. فقدمت لهم العمل بدون حديث عن المقابل المادي.

طلبوا العمل خلال وقت قصير، وقدّمته. وبعد يومين عادوا للاتصال بي، وأخبروني بنتيجة العمل السابق، وعرضوا علي العمل معهم على مشروع آخر. وكان جوابي بالإيجاب. إيجاب متحمّس أيضاً.

أولويّتي وقتها، كما كنت أقول لنفسي، هو أن الفلوس لا تهم. أريد العمل مع أناس طيبين على مشاريع ممتعة وبدون ضغط. بعد انتهاء المشروعين، فكرت أن علي أن أقدّم فاتورة من نوعٍ ما. وبعد تفكير كانت 9000 ريال، والرقم كان طيّب ومعقول. لازلت إلى الآن أرى ذلك. خصوصاً أنني كنت أعرف أسعار السوق، وراعيت أنني لم أقدم العمل إلى العميل مباشرةً، بل عن طريق وسيط، وأحتاج أن أراعي وساطته. القصة، باختصار، انتهت بأنني لم أحصل منهم على مقابل للعمل.


ليست هذه النهاية هي ما يجعل قصة عملي معهم يستحق الذكر. إنما كون هذه السيدة، وعملها، كان أوّل الخيط في عدّة تعاملات مع آخرين لم تنته كما بدأت. كنت أفترض حسن النية من ناحية، وأفرّط في اهتمامي بترتيبات أخرى من ناحية أخرى. واستمر الحال كذلك لما يقارب السنة أو أكثر قليلاً. في النهاية، كل افتراضاتي السابقة التي كنت أدرجها تحت مسمّى ” حسن النيّة” تحطمت إلى شظايا. يبدو أنني كنت طيّبة كثيراً، وأن ممارستي لهذه الطيبة هي سبب الأذى. عليّ أن أتوقّف.

ووصلت إلى مجموعة من الخلاصات الجديدة المنفصلة- بعض الشيء- عمّا تعوّدت عليه وما أعرفه عن نفسي.

الخلاصة الأولى كانت: ” ما صديقنا إلا أنا”. وهذا يعني أنني لست مستعدة، ولست راغبة، أن أفترض أن علاقات العمل ممكن أن تؤدّي إلى صداقات من أي نوع. صداقاتي ودائرتي الاجتماعية، ولله الحمد، مُرضية للغاية، وأي افتراض أن العمل ممكن أن يقدّم ناس جيّدة إلى حياتي الخاصة هو افتراض يقودني بالتأكيد إلى خيبة الأمل، إن لم يكن أكثر من ذلك.

الخلاصة الثانية كانت: ” ليس هناك حسن نيّة ولا سوء نيّة في العمل”. هناك تحديد واضح وصريح لحقوق الأطراف المختلفة. إن ذهبت إلى اجتماع أوّلي وكانوا في عجلة من الأمر و ” محتاجينه أوّل أمس”، أكون منفتحة للعمل فوراً، بمجرد أن يصلني إشعار وصول الـ 50% من المبلغ الذي اتفقنا عليه. ماذا عن أن المبلغ يحتاج موافقة الإدارة العليا؟ ماذا عن أن الرئيس التنفيذي على سفر؟ ماذا عن أن نظام الشركة يقتضي دفع الفواتير كاملة خلال 90 يوماً؟

ليست مشكلتي. هناك العديد من الشركات الأخرى التي ستتفاهم مع هذه الأسئلة. أنا لا أبدأ العمل دون أن أحصل على 50% من المبلغ.

الخلاصة الثالثة كانت: ” ماني مستعدّة”. لست مستعدّة لأن ” أتعاون”. لست مستعدّة لأن ” أتعرّف”. لست مستعدّة لأن ” أتفاعل” مع الكميونتي. لست مستعدّة أن يكون عندي ” كميونتي” من الأصل.

أكملت أربع سنوات على هذا الحال. أسمّيها الآن ” سنوات الريّبة”. خلال تلك السنوات، لم يكن يهمّني كونك عميل مهذّب و ” ابن ناس”، أو العكس. ما يعنيني هو أن تحصل على حقّك وأحصل على حقّي. وأن هبّات الهواء الطيبة، والمشاركة الحلوة مع الآخرين ليس مكانها العمل، وأريد أن أغلق شبابيكها تماماً. خصوصاً أنني قد رزقت ولله الحمد بأناس عملت معهم في فترة سابقة (أثناء وظيفتي)، يشاركوني الرحلة وهموم الطريق. لا أحتاج أكثر من ذلك.

وفعلاً خلال تلك السنوات، نجحت في الانفصال بمشاعري وطيبتي عن العمل. عميل جديد، مثلاً، طلب مني أن أتقدّم له بعرض عمل. وفعلاً قدمت اقتراحاً مفصّلاً للعمل. ردّ علي منفعلاً وكأنما كان العرض إهانةً شخصية لكرامته. كيف أجرؤ على وضع هذا السعر، وهل أظن أن باستطاعتي الضحك عليه؟ تركت رسالته لأيام، ثم عدت لأقول له بأنني أفهم المكان الذي ينطلق منه، وأشكره على الرد. وأنني أقدم له خياراً ضمن مجموعة خيارات السوق، فإن لم يناسب الخيار ميزانيته، أستطيع أن أوصي بمستقلّين آخرين يمكنهم العمل حسب ميزانيته. وبعد يومين أتاني رده بأنهم مستعدّين للعمل معي، وأنه سيحوّل نصف المبلغ الآن. وفعلاً عملت معه، واستمررت في عملي معه لعدة مشاريع قادمة بعدها.

على صعيدٍ آخر، كنت أعمل مع عميل استثنائي في تهذيبه ومروءته. عملت معه أكثر من مرة، وفي كل مشروع جديد، أتعامل معه مثله مثل أي عميل آخر. ليس لك عندي شيء. الكل متساوي. وكنت أرى المفاجأة على وجهه عندما يرى تشددي في تفاصيل يُفترض أن تذهب مع العشرة الطيبة. هذه المفاجأة الصامتة كانت تنغزني في كل مرة، لكني أتجاهل النغزات، وأتذكر أنه قد يكون يتعامل بحسن النيّة، ولكن أنا من قرر تركها.


بعد الخبرة الكافية، سنحت لي الفرصة أن أراجع مواقفي. وبعد أن أخذت هذه الصلابة مجراها، عدت- والحمدلله- إلى رُشدي.


ولأن التلميذ عندما يستعد، يظهر المعلّم، اطلعت في نفس الفترة على كتاب ” Give and Takeلآدم جرانت. وكنت قد شاهدته لسنوات دون أن أفكر في شرائه لأنه (مثل غيره من كتب تطوير الذات، كلام عن العطاء والكرم وما إلى ذلك، وأنا ما أبغى). ولكني اشتريته أخيراً وبدأت في قراءته.

تفاجأت في الحقيقة بكل تفاصيله. كيف يضبط مسألة ” النوايا الحسنة”. كيف يقسّم الناس لثلاث مجموعات رئيسية.

المجموعة الأولى هي مجموعة المعطاءين. الـ Givers.

المجموعة الثانية هي مجموعة المُعادلين/ الوسطاء. الـ Matchers. إن تعاملت معهم بالطيب، ردوا بالطيب. إن تعاملت بغيره، ردوا بغيره.

والمجموعة الثالثة هي مجموعة الآخذين. الـ Takers.

لا يمكنني أن أعطي الكتاب حقه من الثناء. ولكن الشاهد هنا، أن الكتاب أورد دراسة عابرة لأداء مجموعة من القطاعات (المبيعات، الأطباء، المهندسين…) لتقرير أي المجموعات ينتمي إليها أقل الناس أداءً. النتيجة كانت أن المعطائين، أصحاب النوايا الحسنة ممن بذلوا الجهد والوقت في مساعدة غيرهم، هم أقل الناس أداءً عبر القطاعات المختلفة.

عادت الدراسة لتقرر أي المجموعات ينتمي إليها أفضل الناس أداءً. أي المجموعتين الباقيتين تتوقع؟

المعطاؤن ظهروا أيضاً هنا.

الكتاب يعزو ذلك إلى أن هناك نوعين من المعطائين. هناك المعطاء الذكي. وهناك المعطاء.. اللي لك عليه.

المغفّل.

المعطاء- بشكل عام- يفضّل العطاء على الأخذ. في مقابل تركيز الآخذين بمصالحهم وتقييم ما يمكن أن يقدمه الطرف الآخر لهم، وانشغال الماتشرز/ المُعادلين بحساباتهم، يركز المعطاء على مساعدة الآخرين. المعطاء الذكي لديه ميزان لتقييم عطاءاته، في مقابل المعطاء الآخر الذي يفرّط في كل شيء لظنه أن العطاء بلا حساب هو الأصل.

ماهو ميزان تقييم عطاءاتك. ألا تفرّط في حقوقك، في حدودك، مقابل مساعدة الآخر. مساعدة بالوقت، بالطاقة، بالمهارة، بالمعرفة، وحتى بالمال، يجب ألا تضّرك، كي تنفع غيرك.

والحل، إن جعلتك قلة خبرتك وتربيتك المحميّة من النوع الثاني، ليس في أن تتحول إلى مُعادل. كما فعلت أنا خلال سنوات الريبة. بل أن تتحوّل إلى ممارسة عطائك بذكاء. لا تحتاج لأن تنفصل عن ذاتك لتنجح، أو تحمي نفسك من الأذى.

وهذا ما فعلته معي سنوات الريبة. تركت طبيعتي الأصلية محصورة في محيط حياتي الشخصية فقط. وهذا يعني أنني تخلّيت عن جزء أساسي، بُعد أساسي، من شخصيتي. أغفلته ودفعته للإنزواء. تجربة مُرضية، ولكن لا أرضى بأن تستمر لحياة كاملة. خُسارة أن تستمر لحياة كاملة.

خلال السنتين التي مضت، جرّبت أن أكون المعطاء الذكي. أن أعطي بلا حدود، ضمن الضوابط التي أضعها لنفسي، والتي لا علاقة لرأي الآخرين، ونصائحهم، بها. أن أمارس الكرم، وحسن الظن، والنوايا الحسنة التي تحمّل الجو بعطرها الثقيل كشجرة ياسمين عملاقة في ليلة صيف غاب عنها النسيم.

وإن خُيّرت؟ أختار دائماً شجرة الياسمين. مع كل الحب، والتقدير، والامتنان.. لريبة تلك السنوات.

 

في رفقة النساء للنساء

في وقت مفصلي من حياتي تعرّفت على مجلة نسائية بريطانية اسمها ” وومن آند هوم“. ومن اللحظات الأولى لتصفحها أدركت أنها متوجهة للسيدات في منتصف العمر وما بعده. لنقل من الخامسة والثلاثين وحتى الثمانين أو التسعين. ولسببٍ ما- ممتنة له للأبد- ابتعت ذلك العدد رغم أنني كنت في بدايات العشرينات. ولم أتوقف عن متابعتها بعد ذلك.

المجلة تتحدث عن الحياة اليومية للسيدة البريطانية. عاملة، ربة منزل، متزوجة، مطلّقة، عزباء أو أرملة. تتحدث عن الطبخ، وعن الديكور، وعن الهوايات والمسلسلات والكتب. ولكنها في أصلها تتحدث عن تجربة الحياة العميقة كامرأة. عن الفراق. عن الحب. عن الاعتماد. عن الصداقات. عن النجاح. عن النجاة من الأزمات. أو النجاة بعد الأزمات. عن التدّين، عن الأنشطة الاجتماعية، عن الأبناء، عن الآباء. عن الحياة بعد التقاعد. عن الحياة التي بدأت ولكنها في الحقيقة لم تبدأ بعد. عما يعنيه كونك أم، عما يعنيه كونك أنثى. عما يعنيه كونك زوجة وعما يعنيه كونك ابنة، وعما يعنيه كونك أنتِ.

هذه المجلة، منذ أن تعرّفت عليها في ٢٠١٠ وحتى اليوم، وفيها تعريف لرفقة النسوة النسوة.

أختٌ كبرى، تمسك يدك بحنّية حازمة، وبحزمٍ ضاحك. تشرح لك الطريق الذي مرت به، وتخبرك عن تجربتها التي قد تشابه تجربتك أو لا تشبهها، ولكنها دائماً دائماً تُلقي على قصتك الشخصية بُعداً أعمق، وتبصراً أحكم، لأنه آتٍ من خبرة المرور وخبرة التخطّي. 

ولهذا السبب وحده، تحمل رفقة النسوة ما تحمله من قدرة، تشبه السحر وماهي بسحر، على الشفاء والمرور بسلام من عنق الزجاجة.

النسوة اللاتي أقصد رفقتهن يفهمن حرقة المشاعر. يفهمن تشابكات الضعف والحيرة ونداء القلب وضبابية الأحكام العقلية. مررن بها. لم يتساهلن في أمرها. ولن يستصغرنها في غيرهن.  ولكنهن أيضاً تجاوزنها، على الأقل في تجاربهن الخاصة بها، ولم يبق من حرقتها سوى أثر قديم يسمح لهن بالتعاطف والمواساة. ثم، يستطعن بحكاياتهن، بحكمتهن، أن يقدمن لكِ تصوراً لوقتٍ قادم فيه تخطٍ للجروح، وتغلّبٌ على الأذى، وتعافٍ مما يلم بك. هن أيضاً، عبر هذه الحكايات والحكمة نفسها، يعدن بأيامٍ طيبة، وتجارب مفرحة، وتجاوزٌ مؤكدٌ وناضج.

وفي رفقة النسوة، النسوة الثلاثينيات كما الخمسينيات كما السبعينيات، وجدت الصحبة المتفهمة الحكيمة. وجدت المساحة التي أستطيع فيها أن أترك حذائي على الأرض، وأتكّوّر على الكنبة، أحتضن المخدّة المربعة، وأصيخ السمع.

ومنذ تعرّفي على جمال الصحبة، أصبحت صديقةً أفضل. وسمحت لنفسي بأن أدخل رحلة تعلّم عميقة لازلت في غمارها. أستكشف تضاريسي الداخلية، وأعتمد بكلّي على رفيقاتي اللاتي لطالما غفلت عن الحكمة العامرة الغامرة التي يمكنهن أن يملئن بها حياتي.

رفقة النسوة للنسوة هي حالة زئبقية. يصعب الإمساك بها. والحقيقة أنها لم تمر علي كمعرفة مكتوبة حتى اليوم، ولا أظن أنني كنت سأعرفها بهذا العمق لولا أن قيّض الله لي صديقتي الحكيمة من ناحية، وصادفتني المجلة البريطانية من ناحية ثانية. ولأنني اختبرتها بنفسي، ورأيت أثرها المزهر على حياتي كلها، أصبحت أبحث عنها وأتلمسها فيما يمر علي.

أراها في محاولات أوبرا للتواصل مع السيدات. في مجلتها التي تخصص صفحاتها عن التجربة الإنسانية، وفي كتابها الأخير عما “تعرفه حق المعرفة“. ولكن أوبرا بأمريكيتها الزاهية لا تروق لي كما يروق لي ” عجيز الإنجليز”. وأراها حتى في صاحبة يوسف التي دعت سيدات المدينة ليشهدن معها ما تشهده من افتتانها بسيدنا يوسف. وأراها في شراء الملايين لرحلة اليزابيث جلبرت ” طعام، صلاة، حب“، وأراها في تطييب الخاطر اللاتي تجده السيدات في أغنيتي ” ملعون أبو الناس العزاز” و ” مش مسامحة” لنوال الزغبي، رغم إن المستمعات قد لا يكن بالضرورة من جمهورها.

أتلمسها في كتاب شوندا رايمس، مؤلفة ومنتجة جرايز أناتومي وهاو تو جت أوي وذ مردر، عن رحلتها لسنة كاملة معنونة بـ ” سنة القبول“. قبول المغامرات والتحديات وحتى الأفعال البسيطة التي كانت تواجهها دائماً بالرفض. أتلمسها أيضاً في صوت فاطمة لوتاه الهادئ الدافئ في بودكاست ” أنا كفاطمة“، وتغمرني كمطر مع بسمة وبودكاست ” رفاق“.

أبحث عن رفقة النسوة للنسوة بكل أشكالها. الصريحة والمستترة وحتى المُتخيّلٓة. أنا الباحثة، وأنا المتلقّية. ومع الوقت، أدركت أنني بت أمثل ” رفقة نسوة” لأخرياتٍ أصغر مني. وأن الكرم الذي غمرنني به النسوة في حياتي، دفعني أنا أيضاً لأن أعطي من تجربتي. وبمجرد أن انتبهت لهذا النمط، راق لي أن أصيغ عطائي بناءً على قاعدتين صاغت عطاء الأخريات لي.

١- الرفقة تأتي عبر المشاركة. المشاركة تأتي بالتدريج. تُكتسب عبر الوقت ولا تُستحق بمجرد الطلب.

لست شخصيةً عامة. لا أظهر في المجلات وليس لدي منبرٌ أتوجه عبره للجمهور. رفقتي تأتي عبر تقديمي النصح والإرشاد لمجموعة من النسوة الأصغر عمراً، أقل خبرة، أو ببساطة يقبلن على تجربة جديدة قد مررت بها، بغض النظر عن المرحلة العمرية أو العملية اللاتي وصلن إليها.

ولأن طريقتي في تقديم الرفقة حميمية وشخصية، أحتاج أولاً أن أعرف الرفيقة الجديدة. هل مستعدة للتعلّم، أم أنها تقاومه كما كنت أقاوم في سنواتي الأولى بعد الجامعة. هل تدرك أن المساحة التي أقدمها لها من حياتي هي مساحة عزيزة ولا أقدمها للجميع، أم أنها ترى هذه المساحة دردشة وتسلية بين أصدقاء جدد. دليلك في هذا مدى الاحترام التي تبديه الرفيقة لوقتك ولنصائحك. استئذانها برسالة مثلاً قبل أن تتصل عليك. قراءتها لكتاب نصحتها بقراءته. رجوعها لك أثناء الأوقات المفصلية في حياتها، وعودتها بالأخبار الطيبة لتعتزي بنجاحاتها.

بالطبع الأمر لا ينطبق على أولئك النسوة اللاتي قدمن تجاربهن من منابر عامة، وإن كن يحتجن أيضاً- كما أرى- لمراجعة دقيقة لما هو شخصي فعلاً، ولما يمكن مشاركته في العلن. مثلاً، حديثي الآن هو علني، قد يتقبله البعض ويرفضه البعض الآخر. أحتاج قبل أن يصل إلى يد الجماهير أن أراجع تفاصيله، هل هي فعلاً تفاصيل لا أمانع أن يطلع عليها الجميع؟

٢- إن التمست رفقتك سيدة، لا تتركيها لخيبة الأمل.

خيبة الأمل عند طلب المساعدة مرّة مرتين. المرّة الأولى لأن طلب المساعدة صعب، ويتطلب شجاعة ما في كثير من الأحيان. وعندما يُقابل الطلب بالتجاهل، فأنت تخذلين هذه الشجاعة وتطلبين منها التراجع. والثانية تأتي لأنها أتتك وهي تفترض فيك حسن الرفقة. الأخوّية النسائية. وردّها يضعف إيمانها بهذه الأخويّة أو يقتله.

إن لم يكن لديك القدرة على المساعدة، اعتذري، ولو بعد حين. المهم أن يصل الاعتذار، وألا تكون نهاية القصة ” لم تحصل على أي رد”.

من اللقطات المضيئة في حياتي كانت عندما رددت على فتاة راسلتني لطلب الاستشارة ورددت عليها رداً سريعاً أعدها فيه بالعودة وترتيب موعد معها لانشغالي وقتها. ثم مضت الشهور، والسنة، ولم أعد للاتصال بها. وكلما تذكرتها، شعرت بالضيق وتأنيب الضمير. وذات يومٍ أخضر، فكرت بأنني سأتصل بها وأعتذر، وإلا ظللت العمر بأكمله أصم نفسي بالتخلّي عمن طلبتني في وقت ضيقتها. واتصلت بها فعلاً، وتحمّلت مسؤولية الإخفاق كاملة بدون أعذار، فإذا بها تقبل اعتذاري بقلبٍ رحب، وتطمئني عن أخبارها الطيبة، وتذكر لي أنني رددت عليها في وقتها بينما كانت تنتظر الرد من جهاتٍ أخرى ولم يأتِ مطلقاً. ومن هنا بدأت رفقتنا من جديد.

تسلم لنا الرفقة، ونسلم لها.

___

* الرسمة لفنان روسي معاصر اسمه أندري كوْن.

ارفع السماعة: عن الاتصال البارد

هذه التدوينة كتبتها، بمعونة من صديقة العمر العزيزة، قبل سنوات. ربما في منتصف 2012. كنت أود تجاوز الفكرة التي أسمعها من الصغر، ” النجاح في التجارة يتطلب علاقات”، وأنا سيدة متحفظّة كثيراً من ناحية، ومن ناحية أخرى.. لا أود أن أضيّع طاقتي الغالية في صنع علاقات لمجرد العمل. ماذا عن الاتصال البارد. ما يسميه الأجانب بـ Cold- calling، أن أرفع سماعة التليفون، وأن أعرض على الشركات خدماتي- المفيدة، القيّمة- بشكل مباشر، وبدون لف أو دوران؟ 

النتيجة كانت- في تجربتي الشخصية- مدهشة. وولّدت في داخلي رغبة حارقة في أن أفيد غيري. أن أساعد من يمر بنفس ما أمر به ليتعامل مع خطوات الاتصال البارد، وبدون علاقات. هذه التدوينة القديمة كانت الدليل. أضعها هنا بدون تحرير. 


 

-1- 

”  كانت هذي أول مرة نعمل فعالية في مركز تجاري. أخذنا نماذج من شغلنا وطلعنا من الجامعة على أقرب مول..

طبعاً ما نعرف أحد هناك، ولا نعرف أصلاً إذا كانت مكاتب مدراء المراكز التجارية موجودة في المراكز نفسها. بس مع ذلك رحنا. سألنا أول سكيورتي شفناه عن مدير المول، سألنا ايش تبغوه قلنا نبغى نعرض عليه شغلنا. وصّلنا للمكتب وراح.

دخلنا وعرّفنا بنفسنا، وما طلعنا من عند المدير إلا وإحنا حاجزين مساحة محترمة من ساحة المركز لثلاثة أيام وبمبلغ رمزي، 500 ريال فقط.”

قبل عدة سنوات كونت إلهام مع زميلتيها من الدبلوم التربوي العالي في جامعة الملك عبدالعزيز شركة لتصميم أنشطة ترفيهية للأطفال. الفريق أتى حلاً لمشكلة لاحظتها المجموعة خلال فترة التدريب التي تلت تخرج الفتيات من الدبلوم، وهي ندرة الجهات المنظمة لاحتفالات الأطفال ( رسم على الوجوه/ أعمال فنية/ مبادئ الطبخ وما إلى ذلك).

خلال أسابيع قليلة استطاعت المجموعة، كما قرأت في أول الصفحة، حجز موقع استراتيجي لنشاطاتها في مركز تجاري. بدون علاقات. بدون معرفة شخصية. بدون ترتيبات معقدة واستعانة بأولاد الحلال. ببعض من التدبير، وكثير من الشجاعة والقدرة على التنفيذ.

من المؤكد أنك في مرحلة ما من حياتك سمعت هذه العبارة مراراً وتكراراً: ” ما عنده علاقات”. من لديه واسطة أو معرفة في مكان، يستطيع بسهولة أن يتدبر أموره.

مع ذلك، هل من المعقول أن كل من بدأ حياته العملية كموظف أو رائد أعمال، بدأ لأن عنده، أو لأن عند أسرته، علاقات؟ طبعاً لا. البعض كان جريئاً كفاية ليجرب الاتصال البارد، وهي الترجمة الحرفية لمصطلح ” Cold-Calling” الإنجليزي، وتعني أن تتواصل مع صاحب المصلحة، مدير العمليات مثلاً في الشركة التي ترغب في العمل لديها أو عرض خدمتك/ منتجك عليها عبر الهاتف، الزيارة أو الإيميل، باتصال أول، وبدون أي معرفة مسبقة.. ولكن باحترام حدود من تتصل به، وبدون تعدٍ على خصوصياته أو ملاحقته.

الاتصال البارد في سياق هذه الصفحات هو اتصال مختصر، دقيق وواضح، مؤدب، مهذب، يعرض بذوق منتج أو خدمة قد تفيد الشخص/ الشركة.انظر مثلاً لقصة إلهام وفريقها، هل تتخيّل مجموعة من التربويات، بدون خلفية في عالم الأعمال كما يذكرن ذلك عن أنفسهن، يجدن لنشاطهن التجاري مساحة في أحد أكثر مراكز التسوق ازدحاماً بهذه البساطة، ومن أول محاولة؟

في هذه التدوينة سأعرض مجموعة من التجارب والتوصيات لكل من لديه رغبة في الوصول إلى شركة ما، ولكن ” ما عنده علاقات”. يعني باختصار، ” دع الانتظار وابدأ المشوار”، وبدلاً من أن تتعلق بمعرفة ما قد تسهل عليك الطريق، احمل منتجك/ سيرتك الذاتية/ خدماتك بيديك، وقدمها لمن قد يهتم بشرائها.

سنركز في الصفحات التالية على الاتصال الهاتفي مع التعرض من حين لآخر على الإيميل أو الزيارات، وسنفترض أيضاً أن منتجك جاهز للعرض وقد قمت بكل ما يجب القيام به من بحث وفهم للسوق وللشريحة المستهدفة وما إلى ذلك. الحديث في هذه التدوينة عن الاتصال الأول، المرور من عنق الزجاجة للحصول على مقابلة شخصية أو تعبير من تتصل به عن رغبة مبدئية في استمرار الحديث معك. قبلها، وبعدها، الأمر يقع على عاتقك لتحقيق حلمك.

-2-

” رحت لمريديان الخبر تِقّهويت عندهم وسألت عن مدير المشتريات. كان مصري اسمه أحمد. اليوم الثاني زرته ومعايا عينات من قهوتي ولائحة الأسعار وقلت له جربها، عجبتك اطلب ما عجبتك انساني. بعدها بيوم جاني أول طلب من الفندق بثلاثين كيلو.”

عايد الظفيري- مؤسس “فرسان القهوة”

مع أننا نفترض أنك قمت بكل الأبحاث اللازمة عن السوق التي تتوجه إليها ببضاعتك، والبضاعة هنا تشمل سيرتك الذاتية أو منتجك أو خدمتك، وأجبت على أسئلة من قبيل من المسؤول عن قرارات الشراء في الشركات التي تود التقدم لها (مدير التسويق؟ مدير المشتريات؟ الموارد البشرية؟) لكن لامانع هنا من بعض الملاحظات.

احرص على ألا تكون مهملاً في بحثك. حاول أن تجمع معلومات عن الشركة وعن الشخص الذي تود الحديث معه قبل اتصالك به. مع ذلك، لا تقض وقتاً أطول من اللازم في البحث وتنشغل عن ترتيب الاتصال. الوقت المعقول، حسب ما تعرضه، يتراوح بين نصف ساعة وبين يومين ثلاثة على أقصى، أقصى، حد.

– اسأل عن اسم الشخص إن كان متاحاً، عايد الظفيري حصل على طلبية شراء بمجرد ذهابه إلى أحد أكبر المتاجر التجارية في جدة وسؤاله عن نوع معين من القوة، فلما لم يجده، وبما أن فرسان القهوة تزود المتاجر بهذا النوع تحديداً، سأل البائع عن اسم مدير المشتريات لكل السلسلة، وأجابه البائع بالاسم. وقتها اتصل الظفيري على إدارة المتاجر وطلب المدير بالاسم ثم حدد معه اللقاء.

ماذا لو كان اسم صاحب القرار ( مدير المشتريات مثلاً) سر من أسرار الشركة كي تمنع عنه الازعاج وكثرة الطلبات؟

هناك شركات تتحفظ على معلومات كهذه، عندك وقتها واحد من ثلاثة حلول:

– إما أن تبدأ زيارة المتجر من قبل حتى أن يكون منتجك جاهز، بمجرد تعود البائعين على رؤيتك كزبون تصبح مهمتك أسهل كثيراً. هذه الخطوة جربتها شخصياً، حاولت الحصول على اسم مدير المشتريات في سلسلة متاجر استهلاكية كبرى فلم ” يستطع” أحد أن يفيدني. بعدها بفترة وبعد تكرار الزيارة سألت بائعاً أسلّم عليه دائماً عندما أبتاع من المنطقة التي يشرف عليها. أعطاني الاسم ببساطة ورقم الجوال، ولكنه طلب مني ألا أذكر اسمه للمدير لأنه حسب كلماته ” حيروح في داهية لو عرفوا”.

– ابحث في لينكدإن، عن الشركة والمنتسبين إليها. غالباً ما ستجد أحد الموظفين في الإدارة التي تريد استهدافها كالتسويق أو العمليات، عرّفه بنفسك واطلب منه مساعدتك باسم الشخص المسؤول بأدب وبدون إلحاح. ستتفاجئ من كرم الآخرين معك عندما تقوم بالخطوة الأولى. عبدالرحمن الجابري، مصوّر مستقل متخصص في التصوير التجاري للفنادق والعقار، يبحث في لينكدإن عن الشركات التي يمكن أن تستفيد من خدماته. يتواصل مع صاحب العلاقة، مدير التسويق مثلاً، ويسأله إن كان مهتماً بالاطلاع على ” البورتفوليو/ الملف المصوّر لأعماله”، فإن رد عليه بالقبول، أرسل له نسخة إلكترونية من الملف، ثم يتابع الاتصال من هنا.

– الملجأ الأخير هو أن تتصل مباشرة، بعد التحضير لاتصالك بالطبع. سيرد عليك الاستقبال، هنا قل مثلاً : ” معك فلان الفلاني من شركة كذا. ممكن أعرف اسم مدير التسويق عندكم؟”.

-3-

” كنا مهتمين بشغل سارة العريف مصممة دفتر ( أقول اعقل واكتب أفكارك) وكنا ننوي نطلب منها، لكنها هي اللي بادرت وعرضت علينا شغلها الأول… الثقة مهمة، ثقتك في نفسك ومنتجك هي اللي تخلينا نحترمك وتخليك تبادر بأنك تعرضه على الآخرين.

باب قرطاسية مفتوح لعرض الإنتاجات المحلية خصوصاً أنه في (جوع) لأي شيء عربي، لكن توجيه دعوة عامة للكل تحتاج تخطيط وإدارة نفضّل أننا نخليها في وقت لاحق.”

دنى السياري و حصة الشمران– فريق قرطاسية

لا تتوقع أبداً أن تجد الدعوة مفتوحة من الشركات لعرض منتجك/ خدمتك عليها. قد تجد بعض الاستثناءات نعم، لكن الغالب هو أن الشركات تفضّل ترك الباب ” موارباً”، فإن كانت لديك الثقة الكاملة بما تقدمه، ستبحث بنفسك عن الوسيلة للوصول إلى الشخص المسؤول. الحكاية مش عزومة، والدعوة ليست شخصية. اطرق الباب، وسيأتيك الجواب.

-4- 

لا تنشغل كثيراً بالانطباع الأول.

” رحت المقابلة في شركة عبداللطيف جميل وأنا مرتاح وعادي، لما وصلت لقيت الناس كلها تتكلم بالإنجليزي، وأنا انجليزيتي جيدة لكن ما توقعت المقابلة تكون بلغة غير العربية. قعدت نص ساعة أتأتأ وأحاول أقول شيء زي الناس ما عرفت. في النهاية فكرت أنها خلاص هي خاربة خاربة! قلت للجنة بالإنجليزية: ستوب ستوب أنا عارف أني خبصت، خلونا نبدأ المقابلة من جديد وأحاول أكون مرتاح. بمجرد ما اعترفت بربكتي راحت مني وصرت أتكلم عادي ومشيت المقابلة على خير، وجاني عرض منهم بعدها بفترة”.

النص السابق كان جزءاً من حديث شاب سعودي، يفضّل عدم ذكر اسمه، خريّج من جامعة الملك عبدالعزيز وعمل لمدة 5 سنوات مديراً للتسويق والمبيعات في إحدى شركات المقاولات متوسطة الحجم.

نيل راكام، عرّاب المبيعات في كتابه ” SPIN Selling” يقول: ” لا تفكر كثيراً كيف يمكن أن تنطلق في الحديث واثقاً من نفسك، بعض أفضل من درسنا من رجال المبيعات بدوا متوترين، مهتزين أو مترددين في الدقائق الأولى من حديثهم مع العميل…”. 

الشائع هو أن الانطباع الأول هو الفرصة الزئبقية. فإن أخذ العميل في البداية انطباعاً حسناً عنك، تم الأمر على أفضل ما يرام، وإن لم يفعل.. راحت عليك. هذا ليس صحيحاً بالضرورة. على الأقل في 50% من الحالات ( النسبة تقديرية من التجارب الشخصية وليست بحثاً موثقاً)

لديك فرصة أخرى للانطباع الثاني وحتى الثالث.

المعنى أنك إن رفعت سماعة الهاتف واتصلت بعميل جديد تعرض عليه بضاعتك، ووجدت أن يدك تهتز، وصوتك يرتجف، ونفسك غير منتظم، لا بأس. لا تؤنب نفسك كثيراً، بل استفد من الفرصة واعتذر بابتسامة عن توترك بعبارة مثل :  ” مش عارف ليش متلخبط، معليش!”. ولا بأس حتى من أن تجهز عبارة مثل هذه قبل حتى أن تتصل في حال ارتبكت أو شعرت بالتوتر.

العميل بشر مثلك، وغالباً ما سيتعرف على ارتباكك ويتعاطف معك، فلا حاجة بك إلى التمثيل أو الاستمرار في الحديث وثقتك تهتز أكثر وأكثر مع كل ثانية. لا تنس أن ارتباكك هنا طبيعي، لكنه لا يغفر ل عدم استعدادك للقاء أو للاتصال، في الصفحات القادمة ستجد كيف ” تذاكر ” النص الذي ستستخدمه للحديث في اتصالك الأول.

-5- 

” نبدأ كلامنا مع المطاعم بأن نعرض عليهم الاشتراك المجاني بدل ما نطلب منهم الاشتراك المدفوع مباشرة. تقدر تبني العلاقة بدون ضغط وبالتدريج وندخل لهم مع الوقت أنه والله في عندك خيار الاشتراك المدفوع اللي فيه فوائد كذا وكذا

جهاد العمّار، مؤسس موقع قيّم.

 

يبدأ جهاد بالمطاعم التي لديه اتصال بأصحابها سواءً كزائر أو كمشتركين في شبكته. في المطاعم التي لا يعرف فيها أحد، يبدأ فريق قيّم بالسؤال عن مدير العمليات أو مدير التسويق. ولأن نموذج العمل في قيّم هو نموذج الفريميوم الشائع بين شركات الإنترنت بحيث تعرض للمشترك خياراً مجانياً بمميزات محدودة وآخر مدفوع بمميزات متنوعة، فمن السهل على الفريق إنشاء علاقة مباشرة مع المطعم بعرض الاشتراك المجاني أولاً ثم المدفوع ثانياً.

مع ذلك ليس بالضرورة أن يكون نموذج عملك التجاري فريميوم كي يكون لديك ” مدخل” مع عميل محتمل. كتاب املأ دفتر مواعيدك بالعملاء” من تأليف مايكل بورت يركز على استراتيجية يسميها بـ ” ليكن لديك دائماً ما تعرضه مجاناً”، فحوى الاستراتيجية هو أنه يمكنك دائماً أن تعرض جزءاً من خبرتك/مهارتك (كمدونة أو كتاب إلكتروني) أو عينة من منتجك ( فرسان القهوة وعيناتها كمثال) مجاناً.

ماذا لو لم يكن لديك ما تعرضه، وتود أن تجرب حظك في العمل مباشرةً دون المرور بأي شيء مجاني؟ المعادلة التي تقصدها هنا بسيطة: ” لدي خدمة. هل أنت مهتم؟” لا بأس بذلك أيضاً. ابدأ بما يلي:

عرّف بنفسك أولاً. فلان الفلاني من شركة كذا/ فريق كذا.

اطلب من العميل إتاحة الفرصة لك للحديث عن بضاعتك. هل يمكنني أخذ 5 دقائق من وقتك للحديث عن خدمات شركتنا؟ اطرح السؤال وانتظر إجابته، فإن قال لك ” لا”، اسأله: ” طيّب هل تستطيع تحويلي على الشخص الذي يمكن أن يهتم بهذه الخدمة من فضلك؟”. توقع أن تكون إجابته بلا قاطعة. لا بأس بهذا أيضاً، اكتب رده وملاحظاتك عليه، ثم انتقل للمرشح التالي.

اذكر الخدمة الأساسية لشركتك، وكيف تساعد هذه الخدمة شركة العميل بنتائج محسوسة، في 3 جمل كحد أقصى. تستطيع أن تعتبر هذا الجزء هو حديث المصعد لشركتك.

نحن شركة طورت المنتج الفلاني، واستطاعت الشركات التي ابتاعته منا في أول السنة في بيع أكثر من مئتي ألف قطعة خلال السنة بهامش ربح 45%. تطبيقنا يسهل من عملية الشراء لتتم العملية خلال يوم واحد بدلاً من 3 أيام. نحن شركة نقدم خدمات الطاقة الشمسية مما يسمح لك بتوفير أكثر من 100.000ريال من فاتورة الكهرباء في السنة.

استأذنه في تحديد موعد لعرض أكثر تفصيلاً. هل تهتم بمناقشة أكثر تفصيلاً عن المنتج؟ أقدر أحدد موعد معك لزيارتك وعرضه عليك؟

اعتبر أن ترتيب المكالمة السابق، بنصوصها المختلفة، هو حروفك الهجائية أو جدول الضرب الذي عليك أن تحفظه عن ظهر قلب لتكون مستعداً للامتحان.

لا تقل ” آه أوكي، بسيطة أبدأ بكذا ثم كذا وبعدها سأعرف ما أقوله تلقائياً.”

خطأ.

على الأقل ليس لمن أراد أن يضع كل جهده كي يضمن النجاح، والباقي على الله. على ورقة بيضاء اكتب تعريفك بنفسك، ثم تعريفك بشركتك، ثم حديث المصعد. مرن نفسك عليها لمدة، وإن استطعت حفظها بشكل كامل فافعل. المهم ألا تستهين بتحضيرك.

  • حاول تجنب أن تصل المحادثة للنقطة التي يقول لك فيها العميل: ” طيب أرسل لنا إيميل ونشوف”، أو أسوأ ” أرسل لنا فاكس”. إن لم تستطع تحديد موعد معه للقاء، لانشغاله أو عدم اهتمامه، استأذنه في التواصل معه بعد مدة ( لنقل شهر/ ثلاثة شهور إلى 6 شهور في وقت الميزانية مثلاً) لتحديد موعد يناسبه أكثر. هذه قاعدة لها استثناءات. هناك البعض ممن يفضل بالفعل التواصل عبر الإيميل لأنه يتيح له فرصة قراءة ماتعرضه بشكل أفضل وبدون ضغط الوقت، لكن الغالبية من تجربتي تستخدمها لوضعك على الرف.

 

  • كم عدد الشركات التي تتصل بها يومياً؟ هناك وجهتي نظر في هذه المسألة. الأولى تقول لك أنه كلما زاد عدد اتصالاتك، زادت فرصتك في النجاح. هل خدمتك أو منتجك عام ويشمل قطاعاً عريضاً من المؤسسات الصغيرة والكبيرة؟ ربما عميلك الأساسي هو كافتيريات جدة، مثلاً، هنا من المنطقي أنك تحاول التوجه إلى أكبر عدد ممكن من الكافتيريات. لو بحثت في الإنترنت على تطبيقات هذا الاتجاه ستجد من يقول لك: كي تحصل على 3 عملاء عليك إجراء 600 مكالمة في الشهر، أو 25 مقابلة شخصية في الأسبوع.

 

  • وجهة النظر الأخرى تقول بأن عليك التركيز على عملاء محددين في بحثك، هذا أيضاً يعتمد على نوع خدمتك أو منتجك. لنفترض أنك تقدم خدمات تصميم وتطوير تطبيقات الهواتف المحمولة. من المنطقي أن تتوجه لشركات كبرى يهمها الاستثمار في تقديم تطبيق محمول لخدماتها، وتزداد فرصك في النجاح لو تخصصت في تطوير التطبيقات الصحية مثلاً. أو لنقل أنك صممت مجموعة كراسات مدرسية، وبدلاً من أن تبحث عن القرطاسيات الصغيرة وتبيع عليها منتجك ( بمعدل 20 إلى 50 كراس لكل مكتبة)، ربما عليك أن تركز على جرير التي إن قررت شراء منتجك ستطلب كمية اختبار أولاً ثم إن نجح منتجك ستعود بكميات أكبر تتجاوز آلاف الكراسات.

 

  • في حديث مع فهد الخريّف، مؤسس شكس للعطور، ذكر لنا نصيحة لطيفة: ” السعودي يرتاح مع السعودي، والأردني يرتاح مع الأردني، أكلمك بصراحة، مافي مانع لو عرفت أن مدير المشتريات مصري مثلاً تطلب من مصري مثله أنه يجتمع به مقابل نسبة من الأرباح”. الفكرة العامة من وراء النصيحة، أن تجتهد في ” تصميم” المكالمة أو الزيارة بما يزيد من احتمال نجاحها. فريق أكادوكس مثال آخر لتصميم المكالمات لصالح خدمته، يقول لنا مصطفى النابلسي أحد أعضاء الفريق بأن الأعضاء استخدموا وجودهم في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا (كاوست) للوصول إلى مناصب مهمة في مؤسسات التعليم العالي ( وهي المؤسسات المستهدفة). باختصار، اعرف من أين تؤكل الكتف، لكن لا تتعنت وتترفع عن استخدام ما يمكن أن يفتح لك الأبواب بدون سبب عدا العناد.

 

  • خالد البواردي، مؤسس مجموعة تاد، نصح الشباب ذات مرة بزيارة الدوائر الحكومية مباشرة وعرض تولي احتياجاتهم الورقية والطباعية. أذكر أنه قال ( للأسف لم أحتفظ بالتغريدات): ” زرهم وعرّف نفسك، قل لهم بأنك شاب سعودي ومستعد لتولي مسؤولية احتياجاتهم من الأوراق الرسمية بنفسك بسعر كذا وكذا، غالباً سيدعموك ويعطوك الفرصة.” الزيارات بدون موعد، باستثناء نصيحة البواردي المتعلقة بالدوائر الحكومية، قد تتطلب جرأة أكثر من الاتصال. تفضيلنا الشخصي هو ترتيب موعد قبل الذهاب مباشرةً، مع ذلك إن شعرت أن الزيارة المباشرة تتناسب مع الجهة التي تتوجه إليها كمحلات الأقمشة مثلاً، فتوكل على الله.

 

  • احتفظ بسلسلة اتصالاتك جاهزة للمراجعة والتعديل، برامج إدارة العلاقات ( أو الاتصالات إن شئت) تسمح لك بتسجيل وتوثيق كل اتصال أجريته مع الشركات، وأسماء الأفراد الذين تحدثت معهم، أستخدم بشكل شخصي برنامج هايرايز من 37 سيجنالز، لكن هناك العديد من البرامج الأخرى التي توفر هذه الخدمة. توثيق أدق المعلومات عن كل اتصال جوهري لأنه يسمح لك بمعرفة التفاصيل عن كل اتصال أجريته مهما طال عليه الأمد. هناك أيضاً خاصية التذكير بـ ( الخطوة التالية)، كأن يكون الاتفاق مع الشركة على الاتصال بها في وقت التحضير للميزانية، لنقل في نوفمبر مثلاً، في 1 نوفمبر سيأتيك إيميل يذكرك بالاتصال بالشركة الفلانية.

 

كل التوفيق.

من على كوبري المربّع

الأربعاء 18 ديسمبر 2019:

أكتب هذه الكلمات وأنا في السيارة، أنتظر اخضرار الإشارة على كوبري المربع لأصل إلى مقر اجتماع اليوم. دقائق معدودة، لأجرّب أن أكتب ما أفكر فيه خلالها.

مشروع بدأته قبل أسابيع. واتفقت عليه رسمياً في 12 نوفمبر كما تقول أوراقي. وكان سبب توتر يتجاوز بكثير ما يثيره هذا النوع من المشاريع. منذ أيام أرتب لعرض ما لزيارة اليوم، وارتحت واستعديت باستراتيجية معقولة. في السيارة خطر لي، بدون سابق إنذار، أن علي أن أقلب الطاولة. أخرج على النص. أن يكون الهجوم- ما أريده فعلاً- هو خير وسيلة للدفاع.

ليست لدي خطة متكاملة. لدي موقف وفكرة. ومستعدة أن أتحمل عواقبهما. يبدوان أكثر جاذبية، وحبوراً، من الخطة العاقلة الآمنة.

وصلت. تمنّوا لي التوفيق.

قبل سنوات قرأت مقالة في مجلة ” سايكولوجي توداي” تتحدث عن تحكّمك في قصص حياتك. أن كل ما يحدث لك هو قصة تستطيع أن تتدخل في صناعة تفاصيلها ونهايتها؛ كيف تتذكرها وماتقوله عنك.

تخيّل ألا تصبح الطرف المتلقّي. تخيّل أنك دائماً يكون لديك كلمة فصل بشأن ما يحدث لك. أن تتحكم لي ذكرياتك وأن تصنع ماضيك.

وبقيت معي الفكرة. أزورها من وقت للثاني، وأحاول تطبيقها في حياتي رغم شعوري بأني لست متمكّنةً منها بشكلٍ كافٍ. وهذا شعور متكرر في حياتي خصوصاً في السنوات الأخيرة. تأتي معرفة ما أنا في أشدّ الحاجة إليها. أحتفي بها عقلاً وروحاً، وأظن أنني أستطيع التقاطها وتطبيقها بمجرد أن تقف على بابي- أو أقف على بابها بالأحرى- ولكني أجد أنها ساكنةٌ في قصرٍ مرصود وبيني وبينها عشرات الأسوار. والصبر المُصرّ المثابر هو مفتاح كل هذه البوابات. فأظل أطرق الباب، وأطرق الباب، وأطرق الباب.. ويكاد يصيبني اليأس المتعب، ولكني أثابر.. بشكلٍ ما أثابر، فأجدها بعد شهور، أو حتى سنوات، تهادت إلي على مهل، وغمرت حياتي بأنوارها.

فكرة هذه السنة، بلا جدال، هي أنك المتحكم بقصص حياتك. ووصلتني بعد خمس سنوات أو أقل قليلاً بعد قراءتي لمقالة المجلة. وأستطيع أن ألخصها- ولتغفروا لي رتابة هذا الوصف- بـ : الفرق بين الواقع والوقائع.

كثير من أمور الحياة، تحتمل أكثر من ” واقع”، بينما نتعامل مع فكرتنا عن هذا الوقت، مع القصة التي اخترناها لتفسّر لنا أمراً ما، على أنها الواقع الوحيد.

الوقائع: الأحداث التي تقع. زيارة قريبك لك اليوم هي أمر حدث.

الواقع: تفسيرك لهذه الزيارة. معناها، والنوايا خلفها. وما تتعامل على أنه حقيقة، هو قصّتك التي صنعتها لهذه الحقيقة. وليس بالضرورة:

1- أن تكون صادقة.

2- أن تظل على حالها.

3- أن تكون هي الفكرة الوحيدة/ التفسير الوحيد/ الذي يقبله عقلك.

فإن كانت القصة يمكن تغييرها لتنفعك. لترفع عنك أذىً يمكن أن يصيبك، لتدفعك لمكانٍ أفضل يمكن أن ترتحل إليه، أليس من المعقول، والأفضل، أن تتولى بنفسك تغيير القصص؟ ترتيب حقائقها، إعادة صياغة معانيها، لتكون قصة متسقة مع الطيبة التي ترغب تعيش بها حياتك؟

لكن ماذا عن الوقائع التي لا تملك سبيلاً لتغيير معانيها؟ ماذا عن الظلم؟ عن اختلال موازين القوى؟ عن قلة الحيلة أو عن الخذلان؟ كيف يمكن أن تتعايش مع نتيجة قاسية صارمة لا يمكن تغييرها؟

الغالب أننا أحوج ما نكون إلى تغيير القصص عندما لا يكون هناك مفرّ من النتيجة القاسية. القصة لا تهدف إلى تغيير النتيجة، فتغييرها ليس بأيدينا. بل لتغيير استقبالنا لها. وعندما نغيّر تلقّينا للنتيجة، نحن نغيّرها.

هناك مثال مفاجئ في وضوحه ضربه الشيخ حمزة يوسف مرة. قال بأنك إن فقدت يدك اليمنى، دع شعور الامتنان يغمرك لأنك لازلت محتفظاً باليد اليسرى. وإن فقدت كلتا يديك، افرح بقدميك. وهكذا.

هذا تلقٍ مختلف. وبالتالي تختلف النتيجة.

الأربعاء 18 ديسمبر 2019:

عدت إلى منزلي، لم أكتب ما حصل معي أثناء عودتي في السيارة. ابتعت مفن مفضّل هذه الأيام من حلواني على الطريق، واستمعت لقائمة الألبوم الرابع لمحمود العسيلي. فكرت أن آخذ لفة على البحر احتفالاً بالانتصار الداخلي، ولكن بدا لي أنني في حاجة إلى دفء المنزل أكثر.

أخذت موافقة مفتوحة على أمر لم أكن أتوقع مجرد إمكانيته. ولكن الغنيمة الأسمى والأطيب ليست فيما حصلت عليه. الفضل هنا يعود لأصحاب الفضل.. بل في القصة ذاتها التي تغيرت، وسمحت لبعضٍ من أشعة الشمس أن تتخلل هذه الأسابيع الكابية.