جلّابيات في صباح السبت

قبل سنوات في الدانوب كنت أحاسب، وأمامي، وأنا ما مدّيت النظر، سيدة تنتظر أحداً ما. في لحظة ما التفتت بوجهها فشعرت بارتباك بالغ وكأنني أحتاج التأكد من شيء.

وجه مستدير، ممتلئ، ويرتدي نظارة. تكاد ملامحه تطابق ملامحي. وكأنني في مسلسل أو فيلم. وارتباكي، لثانية، كان: هل هذه مرايا؟

السيدة/ الفتاة، كانت ترتدي نظارة ذات إطار عريض أسود. وتلم بين يديها شرشف أسود كعباءة. ذلك الذي كانت ترتديه والدتي وعمّتها قبل سنوات طويلة. ومن تحت الشرشف الذي يرتفع حتى ما قبل ركبتيها، تظهر جلابية برسومات بنّية في غاية البشاعة، بل إن الوصف الدقيق لها كان ” رسومات حشراتية” – لو رأيتها بدون سياقها- ولكنها ظهرت في تلك اللحظة كأنسب ما يكون. ومن تحت الجلابية، صندل أسود مما شاع في الثمانينات ربما. بإبزيم عملاق في مقدمته.

أظن، والله أعلم، أن السيدة التي تشبهني وأشبهها، لم تكن تحاول ابتكار مظهر/ لوك معين. لم تكن تستدعي الانتباه. لم تكن مدركة لاستدعائها الانتباه. كانت واقفة ببعض نفاذ صبر أمام واجهة محل تختلط فيه الاكسسوارات مع النظارات مع بعض الحقائب (أحد المحلات الذي كان يحتويها دانوب الصيرفي بجدة)، وحولها بعض الأكياس. تعِبتْ. وأبغى أروّح البيت.

لكنها، يا ربي، كم كانت فاتنة.

فتنتها لم تكن في ملامحها، بل في البعد الذي اختارت أن تسكنه بملابسها. ألا تتخلى عن ترتيبات مألوفة. ألِفتها والدتها، وألِفتها جدتها، وربما والدة جدتها. كبيجامة قديمة عصيّة على الاهتراء. دافئة، ملوّنة، وفيها سمر الليالي وطيبة الصباحات.

وفي تلك اللحظة بالذات، عرفت أني ” عايزة من ده يا حزمبل أنا عايزة من ده“.

أريد أن أتعلّم وأتبنّى القصّة. الجلابية، والصندل العِفش، ولا مانع عندي من أن أضيف تفاصيلاً أخرى أو لا أضيف. بناجر الذهب؟ بعضاً من حناء على أصابعي؟

هذه أمور لم أخضها في حياتي. ولكنها تعرفني وتحبني، وأعرفها، وأحب أن أحبها. ووعدت نفسي، في مستقبلٍ ما، سأتعامل مع الأمر كمشروع. سأشتري جلابياتي بنفسي (من أي المحلات نشتري الجلابيات؟)، وسأتحنّى، وسأصل بطريقة ما إلى اقتناء الصندل إياه (هل لازالت تبيعه المحلات؟).

وظلت الوعود معي. بين شهور وأخرى يطرأ ما يذكرني بها، فأبتسم. وتطير فراشاتي تحمّساً لها. لكني لم أنفّذ المشروع. وفي السنتين الأخيرة ربما لاحظت أنني لست وحدي من يعود إلى هذه التفاصيل، فتيات وسيدات كثيرات قدّمن نسختهن الخاصة للفكرة. بالأمس وبينما كنت أتصفح مفضّلة حسابي على تويتر، وجدت هذا:

ووجدت، بما أن هذه الأيام من حياتي تصلح لأن تُعنّون ب” وقت الأشياء الطيب هو وقتها”، فأحب أن أشرع في تنفيذ الأمر فوراً. وعاجلاً غير آجل.

في صباح اليوم ذهبت لوالدتي الله يخليها. سألتها: أبغى أشتري جلابيات. فين نروح؟ نظرت إلي بعينيها المتفحصتين، كعادتها عندما تريد تقييم طلباتي، وهل تنتمي إلى السياق الطبيعي للطلبات أم أن لدي أجندة خفية تخالف عادية الأشياء. ثم قالت: تشتري قماش الجلابيات، وبعدين نخيّطها. طيب من فين نجيب القماش، تساءلتْ. قالت: عندي منه كثير. ثم بما يشبه السحر الذي لم يعد سحراً إن تعوّدت على عالم والدتي، أرتني مجموعة من أقمشة الجلابيات التي لاتزال بأغلفتها. هذه من صديقتها فلانة. وهاتين وصلتها من الإمارات، وهذه البحرين، وهذه من خالة رضية رحمها الله.

يا للسعادة. أظهرت فرحي الذي استقبلته والدتي بتأنٍ مبتسم ومستغرب. ثم اخترت اثنين. واحدة مليئة بالرسوم المدوّرة مثلي، وفيها كثير من الألوان المبهجة، بنفسجي بدرجاته الموڤيّة، وبعض الأصفر الشمسي الغامق. والثانية بيضاء تميل بأناقتها إلى الانتقاء المغربي. بتطريز خفيف على ياقتها يجمع بين اللونين النحاسي والسمائي.

بعدها بدقائق أتتني بجلابية- قفطان بأكمام قصيرة أكثر من كونه جلابية- وقالت لي أنها هدية من عمّتها- كنت سميّتها- التي توفّت منذ أربع سنوات. وأنها لم ترتديها لأنها طويلة ولا يناسبها التقصير، ولم تطاوعها نفسها أن تهبها لأحد آخر. حتى أتيت أنا وسألتها عن قماش الجلابيات. وربما عن كل الحكايات العزيزة التي لن تأتيك طوعاً، إلا أن أتيتها قاصداً ترجو رجاها. ربما تكرمك بسكناها.

  • صورة القمر في أعلى التدوينة هي لسيّدة من عمان في 1972، للمصوّر الفرنسي المغربي الأصل برونو باربي.

دكان مقفل. دكان مفتوح.

عندي صديقة عزيزة، تتحفظ على ذكر اسمها، عندها مؤسسة صغيرة. صغيرة، صغيرة، صغيرة.

بدأت قبل سنوات لا بأس بها. في ذلك الوقت لم تكن تفكر في العمل التجاري، ولكنها وجدت- بالصدفة تقريباً، وبكونها الشخص المناسب في اللحظة المناسبة- طلباً على خدمة تستطيع تقديمها، وتستمتع بالقيام بها، فاستجابت للطلب، وأسست عملها الخاص.

في البداية قامت بخطوات صغيرة للتسويق. حسب ما يسمح به المزاج، الوقت، والأفكار. ثم توقفت عن التسويق نهائياً. استثمرت عشرة آلاف ريال تقريباً في تطوير هوية وموقع إلكتروني، وباتت تجدد إيجار الموقع كل عام أو عامين. عندما يأتيها عميل جديد ترحب بالمشروع والرزق، وعندما لا يأتيها عميل جديد، لا تلقي بالاً إلى الأمر. 

تقول أنها في هذا الأمر تشبه جدّها، رحمه الله تعالى، والمعروف عنه أنه كان تاجراً سمحاً ورائقاً. ” هني وسهيان” كما في أغنية فيروز. يفتح الدكان، فإذا أتوا الزبائن أو لم يأتوا، يكفيه أنه قد فعل ما عليه.

وهي- بموقعها الإلكتروني- قد فتحت الدكان. ليست في الوقت الحالي مستعدة لأن تفعل أكثر.

تعمل من غرفتها، ومن عملائها أكبر الشركات السعودية، وكذلك أصغرهم. يأتون ويذهبون. يعودون أحياناً أو لا يعودون. وهي، في كل يوم عدا أيام الإجازات والأعياد، حاضرة لأن تفتح الدكان، وتستجيب للاتصالات والإيميلات.

كنت، ولازلت إلى درجة ما، أجد صعوبة في أن أستوعب جدوى ما تفعله. حتى مع معرفتي بأن دخل المشروع، قل أو كثر، لا يؤثر كثيراً على حياتها. لكن.. ألا تود أن تخطط؟ أن تتحرك؟ أن تسعى لتحقيق أهداف مالية من نوعٍ ما؟ طيب مشاريع؟ عملاء من نوع معين؟

وردّها المبتسم دائماً: ” أيوة بس أنا خلاص فتحت الدكان!”.

قبل سنوات فتحت الدكان الخاص بي، وفي الشهور الذي تلت ذلك فتحت دكاناً آخر، بالإضافة إلى مشاريع أخرى جانبية. وكنت في سياستي التجارية مختلفة جذرياً عن موقف الصديقة الرائقة. أحب أن أضع أهدافاً، أن أكون قادرة، بشكل مرن، على توقع المشاريع التي ستأتيني خلال السنة، أن أخطط، وأن أحقق الخطط أو أتفاجئ بما تأتي به الأيام رغم إحكامي للتخطيط وسعيي للوصول إلى ما أريد. لا تفهمني خطأ. إدارتي لعملي مسترخية في أغلب الأحيان، ورؤيتي للعمل التجاري وحتى الوظيفة تعتمد على أنها جزء من رحلة نمو، وليست الرحلة كاملة. نَفَسي طويل، إلى حدٍ ما، وأكره فكرة الضغط ومطاردة الإنجازات، وفقدان الرضا والرغبة في المزيد. لكن السيطرة على مقاليد الأمور، قدر الإمكان، هي فكرة جذابة ومهمة بالنسبة لي، أو كانت.. حتى قررت في لحظة جوهرية لامعة، أن أقفل الدكاكين.

في بداية 2018 تخلّصت من كل ارتباطاتي، وعدت أرى نفسي حرة من جديد. كانت خطوة ضرورية، ولكن لم يكن عندي مشروع ” احتياطي” آخر. كل ما في الأمر فتات خبز على الطريق وكأنما عقلة الأصبع، تعرف عقلة الأصبع؟ قد فتّه خصيصاً كي أعرف طريق العودة إلى البيت الذي أعرف بوجوده، لكنني لم أره قبل. أتمشى وألتقطه، وأفكر..

لم تكن لدي لافتة أعرّف فيها نفسي، وليست لدي دكاكين أديرها، وأستقبل أيامي على أساس ما تأتي به. لم أكن ضائعة. ولكني أشتاق للعودة إلى المنزل. وعقلي، بنزعاته المنهجية ورغبته في السيطرة على مقاليد الأمور، يود أن ينطلق. يود أن ” يلتهم” الطريق التهاماً. لا تناسبه المشية المسترخية أمام مشروع ضخم كهذا المشروع. مشروع أن أجد نفسي.

كنت في رحلة العودة إلى ما أنا عليه. وفي هذا الطريق، علي أن أتخلّى عن بعض ما أنا عليه.

ولم تكن رحلة سهلة. تتنازع على استقراري الموانئ. أيام تمضي هادئة، مستقرة، قنوعة. وأسابيع تمضي في حالة من التساؤل المُلِّح، القاسي، المُطالب.

وأنا دائماً، دائماً، أود للهدوء، والاستقرار، والرضا، الانتصار. فأظن أن مهمتي في المرحلة الأولى من الرحلة، بدون تخطيط، كانت أن ينتصر هذا على ذاك. أن تتحول أيام الهناء إلى أسابيع، وأن تتقلص المطالبات اللدودة لتصبح أياماً.. ثم ساعات. وإن أمكن، لحظات.

الكتابة ساعدتني. ولأن الصفحة البيضاء فخ كما يقول مؤمن عكل، لم أكتب على الورق أو على البرامج التي تتوقع مني أن أملأ السطور بالأحاديث المتماسكة. سجّلت على تويتر، وأغلقت الحساب فلم أتابع أحداً ولم يتابعني أحد. باتت الفقرات القصيرة هي ملاذي. أكتب خلال اليوم، كلما تعالت أمواجي تطالبني بأن أتحرك، كتبت قليلاً، وتفاهمت معها ومعي. أكتب. وأقرأ ما كتبت. ثم أكتب. وأقرأ ما كتبت.

القراءة، بالطبع القراءة، ساعدتني. توقفت عن قراءة الكتب التي تحفّز رغبتي في الوصول، وبتّ أبحث عن تلك التي تساعدني على الاستمتاع بمعالم الطريق.

وجربت أشياء كثيرة أخرى. ممتعة وغير ممتعة. بالإضافة- طبعاً- إلى استجابتي لرغبتي في التحرك من وقت لآخر، وفي أغلب الأوقات، كنت أخضع هذه الحركة لمقياس واحد: هل ستساعدك هذه المُلهيات كي تصلي إلى ما تريدين الوصول إليه؟ وإن لم تساعدك، هل ستمنعك؟ وإذا لم تمنعك، هل ستأخذ منك طاقة، ومساحة، تحبين توجيهها للرحلة الأهم؟

فإن لم تساعدني، ولم تمنعني أو تشتتني، استجبت لها.

وفي بداية 2019، أي بعد ما يقارب العام، بدأت أخيراً في التخلّي. في أن أترك فعلياً الزمام، وأسمح لعقلي بأن يتجول على راحته. وبالرغم من ذلك لم أصل إلا في نهاية العام. على مدار الأسابيع الماضية فقط بدأت القطع المختلفة في التساقط بين يدي في سلسلة واضحة، مرتبة، ومنطقية. تبدو بديهية وأنيقة عندما أجرب الحديث عنها، بينما أعرف جيداً النفق الذي احتجت المرور به قبلها.

أعرف الآن أن الفكرة وراء ” فتح الدكان” ليست أن تتخلى عن وضع الأهداف، عن التخطيط والعمل بجدّية للوصول إلى ما تريد. الفكرة هي أن تتخلى عن الظن بأن الأمور تحت سيطرتك، أو أن ترغب أصلاً في أن تكون تحت سيطرتك. أنا وصديقتي العزيزة على نفس الصفحة الآن. رغم أنني لم أتخل، فعلياً، عن طريقتي المنهجية في العمل. لكن تعلّمت أن عليك أن تفصل بين ما تود أن تفعله، وبين الوصول. الوصول إلى المعرفة التي تحتاجها. الوقت المتسع. الفهم. المشاريع. الأهداف التي تريد لا الأهداف الذي يتوقعها الجميع منك. الوصول رزق لا علاقة لجهدك به، طالما تفعل ما تشعر بأنه مناسب، افعله..

” افتح الدكان” بأي طريقة تناسبك، واترك الوصول على الله.  

نجمة في السقف

عندما انتقلت إلى بيتنا قبل سنوات عديدة، احتلت سقف غرفتي نجفتان من أقبح ما صنعه الإنسان. وكانت المهمة الأولى بالنسبة لي هي شراء بدائل لهما.

ابتعت البديل، وأتى الكهربائي الماهر الذي أعتمد عليه في كل شيء- رحمه الله- ليركبهما. بدأ بالأولى. ولسبب مجهول لا أعرفه حتى اليوم، قرر أن عملية التركيب خطرة، وأن عليه أن يأتي بشيء ما لتتم بسلام.

لم يأتِ الشيء، ولسبب مجهول هذه المرة من ناحيتي، قررت ألا أطارده. بل تخلصت من البدائل الجديدة ذات التصميم الألترا مودرن. وتعايشت مع أصحاب الدار. هكذا بتّ أسمّيهما. ونشأت علاقة متينة، حميمة، متفاهمة، بيني وبينهما.

هل هي مصابيح من القرون الوسطى الأوروبية؟ هل شهدت فتح طارق بن زياد للأندلس؟ هل صنعها حرفي في فينيسيا في القرن الثامن عشر الميلادي؟ هل كانت أول أدوات الإنارة الكهربائية التي وصلت لميناء جدة بعد انضمامها للمملكة؟ هل هي طفرة من طفرات الثمانينيات المجنونة؟

لا أعرف. ما أعرفه اليوم، وفاتني في الأيام الأولى لتعارفنا، هو أن القديم له مكانه. له هيبته. له ضروريته.

كنت لفترة طويلة أحب أغنية فيروز ” بعدك على بالي” ليس للحنها ولا لصوت فيروز، بل لعبارة فيها. عندما تقول ” يا ذهب الغاليين”. هذه السنة اكتشفت أنها تقول ” يا ذهب الغالي”، ولكن لا بأس، يظل المعنى العبقري الأول ملفتاً كما كان. عندما يحتاج الذهب أن تعود ملكيته ” للغاليين” كي يصبح جديراً بالذكر. أن نحكم على الأشياء، كل الأشياء، بمعانيها، وليس بما يظهر لنا من سماتها الفيزيائية.

قبل أيام قليلة احتجت لنزع واحدة من النجفتين لعمل إصلاحات ضرورية في السقف. تقبع النجفة من عليائها على الأرض. تبدو كما أنها تراقبني، بينما أراقبها وأوجّه لها موجات الحب الواحدة تلو الأخرى. تذكرني بإن الجمال قصة أصنعها في خيالي، وتتحكم فيها معانٍ أهم من حقيقتها المجردة. معانٍ مثل التعوّد والعشرة، المعدن الأصيل والقيام بالواجب كما ينبغي أن يِقام به. لم تخذلني إحداهما مرة، أليس في هذا جمال يتفوق على كل ما عداه؟

إلا قليلا

أن تشرب الماء حتى تمتلئ به أطرافك، وأنت لم ترتوِ بعد. فتقول الحمدلله، وتسأل الله الاستزادة.

في أول يوليو الماضي بدأت مشروعاً شخصياً، وتوقعت أن أنهيه خلال شهر بالأكثر. وهانحن في نهاية أكتوبر، أربعة شهور بالتمام والكمال، ولم ينته بعد.

هذه كانت أول الحكاية. شخبطة عاجلة موقنة بأنها قريباً ما ستذهب لحالها.

قمت بكل المهام المطلوبة. أستيقظ أبكر مما اعتدت عليه، أخصص له وقتاً من يومي حتى في تلك الأيام التي كان من الصعب فيها أن أخصص له وقتاً من يومي.

ولم ينته بعد.

حلقة ناقصة. صغيرة. مجهولة. وزئبقية لا أعرف كيف السبيل إلى القبض عليها. كي أرضى وأرتوي. لم تبدو الأشياء عصيّة على التمام؟

بين وقت وآخر أطل عليه. أمشّط عقلي يمكن أن الفتفوتة التي أحتاجها قد زُرعت وحان وقت الحصاد. أعرف جيداً أن الأمر توفيق من الله، ولا علاقة له بجهدي العقلي. هذا الجهد قد مشيته خطوة خطوة الشهور الماضية، وكنت سعيدة بتراكميته، وبرؤيتي لصورة الأمر وهي تتكون رويداً رويداً في مشهدٍ سينمائي مهيب.

يبدو أن الميل الأخير الذي نحتاج قطعه كي تكتمل البناءات، كي تفرح بثمرة جهدك لشهور، وربما لسنوات، يتطلب مهاراتٍ وإدراكاتٍ مختلفة عن صندوق الأدوات الذي اعتمدت عليه طيلة المراحل السابقة.

طيب ما العمل؟

نحتاج إلى الصبر على المجهول. أن تعرف، وترضى، بأن هناك أموراً كثيرة خلف الحجب. سيُكشف عنها الستار وقتما يُكشف عنها الستار. ليس لك حيلة في الأمر. تمسّك بالدعاء، وبالإيمان أن الرزق، أي الرزق، بيد الله.

نحتاج كذلك إلى التفاهم مع التهيؤ العقلي- السابق لأوانه- لغمرة الشعور بالإنجاز. العقل يقول: إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، والوقت يقول: ليس بعد. لنعد برمجة توقعاتنا، ولنطلب من التفاعلات الكيميائية التزام أماكنها السابقة. خذ النَفَس. أطل النَفَس. ليس بعد.

وربما من الطيب، من المؤكد أن من الطيب، ألا نصغي لعقارب الساعة. صوتها يدفعنا إلى الحركة في الوقت الذي نحتاج إلى السكون السديد فيه. لنخلع الساعة عن الجدار، لننزع منها البطاريات، ونرمي الكل في سلة المهملات.

أخيراً. لم لا نتوقف عن التفكير في المشروع على أنه هو المشروع. لم لا نفكر أن المشروع الأهم، الأطيب والأحلى والألذ، هو أن نشق الطريق العقلي لامتداد جديد لنا. لمشاريع كثيرة قادمة من نفس المكان. والصعوبات والمجاهيل التي نواجهها في هذه الرحلة لا تتعلق بهذا المشروع الذي وضعت مدةً زمنية ما لتنفيذه، بل تتعلق بتأسيس البنية التحتية لصندوق أدوات إدراكية تحتاجها، وتودّها، لما هو قادمٌ من العمر الأخضر.

بمجرد أن وصلت لهذه النتيجة، اختلفت السياقات، واختلفت مطالباتي. هذا هو الارتواء. إلا قليلاً.

في هيبةٍ قدسيّةٍ

أن تحمل الشعلة. هذه والله ليست مهمةً سهلة.

أن تعرف أن هذه الشعلة، هذه الراية، تستحق أن تُحمل. تستحق أن تظل مرفوعة. حتى لو تصبب العرق على عينيك، حتى لو احترقت عضلات يديك، حتى لو نال التعب منك كل منال.

أحمل شعلتي الخاصة. أحملها لنفسي أولاً، إذ ماذا تكون الحياة بدون أن تجد معناك؟

بالأمس مررت على كورنيش جدة عندما اقتربت الساعة من الثانية عشرة ظهراً. الجو حار حتى مع وعود أكتوبر الآفل، ومع تكييف السيارة. لازالت المقاعد تستقبل أشعة الشمس من كل زجاجٍ متاح. وفي عز الحر، وعز ظهيرة يوم الأسبوع المشغول، رأيت رجلاً في أربعيناته ربما، يصلّي لجهة الغرب، ووراءه البحر.

وفكرت. ماذا لو كان هذا الشخص- خيالاً لا حقيقة- لديه ما يكفيه من الدنيا، ولا يحتاج لعمل. كل ما يفعله في أيامه هو الذهاب إلى البحر وقت الظهيرة، ويتعبد الله هناك. هل هذه حياةٌ قيّمة؟

ألم يخلق الله الجن والإنس ليعبدوه؟ ألا يكون هذا المُتخيّل، قد استوفى معنى وجوده على هذه الأرض؟

وبعيداً عن مدى اتفاقك، أو اختلافك، مع شرعية هذا السيناريو، هل هذه حياةٌ تكفيك؟

إن التقى فيها المعنى العام لوجودنا كمخلوقات في هذا الكون، لعبادة رب الأكوان، مع معناي الخاص، فهي تكفي وتزيد. بل وتملئ البحور.

ما الذي أعنيه بالمعنى الخاص؟ القصة التي تتفق فيها مع ذاتك. الحقائق التي تبعث في داخلك السكينة والرضا، بل والمتعة. قوتك كإنسان، ضعفك كإنسان. بصمتك الشخصية التي لا يشاركك في دقتها أحد. تأتي بقلبك السليم، وتمارس العبادة بأن تكون أنت.

وتحمل الشعلة.

قد تكون هذه الشعلة إقامة بيت على التقوى. تربية الأبناء على الصلاح والدعم. تأليف الكتب. نقل العلم. إطعام الطعام. إغاثة الملهوف روحاً وعقلاً.

اليوم أحمل شعلتي وأصعد الجبل.

استيقظت فجراً، وكنت متأهبة منذ الأمس وقمة الجبل تلوح لي. استعنت بالله.. هل استعنت به حقاً؟ ربما كان ينبغي علي أن أستعين أكثر. قرأت أورادي وعدت لسورة مريم. لم أوجّه النيّة ولم أطيّب الخاطر الذي- من سابق تجارب- سيصاب ببعض الجروح في الطريق.

مضيت في مشواري، عقبةً وراء عقبة. ومع كل عقبة، ترتجف يداي، أفقد ذراتٍ قليلة، ولكن مؤثرة، من إيماني بجدارتي لحمل هذه الشعلة. أذّن الظهر وقد قمت بما يمكنني القيام به لليوم. بقية النهار بات للرد على الإيميلات، بداية المرحلة الثانية والأخيرة من مشروعٍ قائم. كأس من عصير المانجا الطازج، وتذكير بأن الرحلة ليست فقط صعوداً للجبال، بل فيها الواحات الخضر والبحيرات الزرقاء الرقراقة.

اليوم أحمل شعلتي وأحترق. غداً أظلل شعلتي بينما تظل- آملةً- تشتعل.

ينزل المطر

اليوم من الأيام الممطرة.

بعض حزن. وشفافية. وإدراك مرهف للأمنيات اللي لم تقترب إليها اليد بعد.

ماذا تفعل في الأيام الممطرة؟

الأصحاب مشغولون بدواماتهم ونوم الفجر. وفكرة أن تتصل عليهم لتتشارك معهم مظلةً ما في الشوارع المغيمة تجعلك تشعر بأن هناك طارئاً ما يتطلّب النجدة من آخر.

وأنت لا تريد النجدة. ولا تريد أن تشعر بأن هناك طارئاً يحتاج الإغاثة العاجلة.

تسمح للمطر أن يغسلك. قليلاً. من الضرورة لنضجك أن تفعل ذلك. أن تقف لثوانٍ تحت هديره.

تتذكر بأن في أوقات المطر، الحسّية والتخيّليّة، الذكر طيّب. فتمسك بمسبحتك وتبدأ في الإنشاد. سبحان الله. والحمدلله. وسيأتينا ربنا من فضله، إنّا إلى ربنا راغبون.

تتشبّث بأطراف ذاكرتك. أفعال روتينية صغيرة تحسّن المزاج، وتدفع باليوم إلى أمامٍ واعدٍ بالإشراق. موزة صفراء. عطر وردي. الكثير من الماء.

تترافق مع سورة مريم. يلين قلبك مرة جديدة عندما تقول ستنا، وهي الشابة الغضّة التي تختبر الوجع لأول مرة، ” يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسيا”. ربما كانت أصغر منك وهي تواجه هذا الألم. وحيدةً إلا من إيمانها.

وتصل إلى الوعد. سيجعل لهم الرحمنُ وُدّا. فتستغرب من التركيبة اللغوية التي تنتبه لها لأول مرة. وتشعر بالدفء يسري في أعطافك عندما تدعو الرحمن بالودّ، بعيداً عن المطالبات الحارقة المتلهفة. بهدوء. تنتظر.

تتذكر أنك لم تفتح بعد هديةً غالية وصلتك ممن هو أغلى. حان وقتها الآن مع المطر. تحملها بعناية وتأنٍ. تريد أن تكون حاضراً مع كل خطوة. أن تسمح لحلاوة الهدايا، وحلاوة الدنيا التي تمثلها الهدايا الودودة، بأن تتخللك. تتأملها بين يديك وهي لازالت في غلافها. تفتحها بدون أن تؤذيه، تسوّي أطرافه، تطبقه، تضعه جانباً بدون أن يغيب عن عينيك.. كما تأمل أن تفعل مع حزنك. ثم تستكشف الهدية قطعةً قطعة.

تترك جمالها ينير الأركان الكابية. ترسل رسالة فرحة ومقدّرة لصاحبتها. ستستيقظ بعد ساعات قليلة، وتجدها بالانتظار.

تتذكر أن صديقة أخرى أرسلت لك صورة مشاغبة كعادتها من مكتبة كينوكونيا في دبي. تفتح الصورة وتبتسم للعيون اللوزية والوجه الشقي. ثم تنتقل بين الصور لتتأمل في الملكة الصغيرة التي شرّفت العالم بميلادها قبل شهر بالضبط. تملأ قلبك بالوعود بينما تملأ عينيك من التكشيرة الصارمة، العزيزة القريبة، ويختلط المطر بسيل الحنّية العارمة التي تستعيذ بها الخالات والعمات من الأحزان وانطفاء الأيام.

المطر لا يهزمك. هو لم يرغب في ذلك أصلاً.

يريد منك أن تحيا. أن ترهف النظر والسمع والحس.

أن تغسل عنك اعتيادية النعم، أن تلجأ للسماء، أن تميل لها وتتغطى.

تكتب في مدونتك الجديدة. الكتابة صلة. الكتابة صوت. الكتابة حياة.

تشمّر عن ساعديك. تترك الشاشة، وتبحث عن بعض القهوة. أمامنا يومٌ نعيشه. لننوي أن يكون يوماً طيباً.

تورتة مدورة شمعة منوَّرة

مؤخراً أفكر كثيراً بما بتّ أسمّيه متلازمة ” تورتة مدورة شمعة منورة”.

تقدّم أعمالك مثلما تريد أن تقدّم أعمالك. بنفس المستوى الخلّاق الذي يروق لك، وليس بما تستدعيه هذه الأعمال من عادية/ تقليدية.

في الماضي كنت أنتظر المشاريع التي تسمح لي بأن أجرب أشياء جديدة، بينما أعمل على الأشغال اليومية. وكان السؤال الذي ألتفت إليه من حينٍ لآخر هو: كيف أحصل على المزيد من المشاريع من هذا النوع. التي تطرح أسئلةً لا معتادة، وغالباً عصيّة على الصياغة.

المستوى الجديد الذي وصلت له، مؤخراً وبالصدفة البحتة، هو أنني أتولى المشاريع التقليدية، و” أدسّ” فيها الشيء الجديد الذي يتحدى تقليديتها، ويجعلها مساحة من الفرح الخلّاق بالنسبة لي. في كل الأحوال استقبال العميل لها سيكون معقولاً. لو التفت العميل إلى الجديد وتلقاه بقبول حسن، شيء ممتاز. وإن لم ينتبه، يظل المشروع، بأصوله وهيكلته، قد حاز القبول. وأضفت إلى تراكمية أعمالي تجربةً جديدة مبهجة. على الأقل بالنسبة لي.

اسم المتلازمة، وتقريباً ثلاثة أرباع فكرتها، أتى من أغنية اكتشفتها قبل شهور لسيّد مكاوي رحمه الله. اسم الأغنية ” تورتة مدورة”، وكلماتها ولحنها فيها مساحات سعيدة وخلّاقة تتجاوز حدود اللزمن وحتى السياق.

” تورتة مدورة، شمعة منورة، ويا ترى جرا ايه؟ ايه يا ترى؟”

ما جرى هو أن الإذاعة المصرية تحتفل بعيد ميلادها الخمسين. الأغنية ظهرت في 1984، وبعد 35 سنة أسمعها لأول مرة فتبث فيّ سعادة لا علاقة لها بالسياق الذي كُتبت فيه. أو ربما لها كل العلاقة.

ايش أكثر عادية من أن الإذاعة الحكومية تطلب من شاعر أن يكتب لها كلمات بمناسبة عيدها؟ مهمة تقليدية ” تقتل الإبداع”. ويقوم بها الشاعر- افتراضاً- عشان يغطي طلبات البيت لهذا الشهر.

الشاعر، نادر أبو الفتوح هو – إن كنت مثلي تسمع باسمه لأول مرة- صاحب إنتاج ضخم أثرى طفولة المصريين في الثمانينات والتسعينيات، لم يستجب لعادية المهمة، ولا لرسميتها. كتب كلمات يستطيع المتذوق العادي أن يسمع فوراً التركيبة المختلفة فيها حتى على الأغاني الغرامية التي قد نتوقع أن تأتي منها التركيبات المختلفة. وبالتالي سيّد مكاوي، رحمهم الله جميعاً، أيضاً استقبل الجمال غير العادي في الكلمات، ولحنها وغناها بطريقة غير عادية.

الأغنية هنا: https://soundcloud.com/omayma-mahran/4ntdptt84acq

الإذاعة مبسوطة. المهمة أُدّيت بنجاح. ولكن في نفس الوقت، ظهرت تحفة فنية لم يزدها العمر إلا صباً وأناقة.

ماذا لو كنا نسأل الأسئلة الخطأ. ماذا لو لم يكن يفترض بنا أن ننتظر، أو حتى أن نسعى لما هو “مختلف”. ماذا لو كان الأطيب أن نعيد ابتكار، تأطير، القصص التي تعوّدنا على سماعها؟ أن تكون هذه مساهمتنا؟

تبدو الأمور، عندما ننظر إليها بهذا الشكل، أكثر منطقية. أكثر طيبة. أكثر لذاذة.